العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

"وعد" يحفظ ذاكرة الضاحية...ويبنيها من جديد

زاهر العريضي
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

بعد مرور عام على العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، يظهر يوماً بعد يوم إهمال الدولة ومؤسساتها لجهة المبادأة في تقديم التعويضات، وتخفيف وطأة المعاناة على الذين دمرت بيوتهم وشردوا. هذه قضية مرتبطة سياسياً بأبعادها، خاصة ما تقوم به الحكومة اللينانية الحالية من أهمال متعمَّد لجهة توفير الأموال اللازمة
-  التي قدمت كهبات من دول شقيقة وصديقة وليس من خزينة الدولة- في مسعى الى تقليب الرأي العام على المقاومة أكثر فأكثر، وتحميلها مسؤولية سبب الحرب وكأنها هي التي تمنع "إسرائيل" من العيش بسلام في المنطقة.

 لذلك، بالغت أجهزة الدولة في تضخيم حجم الخسائر
-  المباشرة وغير المباشرة- لهدفين أساسيين: أولاً، استجلاب أكبر قدر ممكن من الأموال الخارجية حيث يوضع قسم منها في اصلاح بعض ما تهدَّم، والباقي لترميم جيوب النافذين والمسؤولين. ثانياً، الضغط على المقاومة لناحية تسليم سلاحها وتفكيك بنيتها وتهميشها، في أحيان كثيرة، على غرار ما حدث في خطاب الرئيس فؤاد السنيورة -في 11 تموز2007- حيث تطرق الى التحديات التي يواجهها لبنان دون التطرق الى دور المقاومة في الدفاع على الوطن ونقلها المشكلة الى الداخل "الإسرائيلي". هذه المقاومة رفعت رأس لبنان عالياً ومعه العرب جميعاً بعد إذلالات ونكسات متكررة، وخيانات معروفة، وتنازلات ليس أقل ما يقال فيها الا أنها "إنبطاح" يكرس تاريخاً من التعامل والتخاذل بين أنظمة تقهر شعوبها وتساوم على حقوقهم.

قدرت الدولة الأضرار بحوالي 15 مليار دولار، في حين رأى العديد من الخبراء الإقتصاديين أنها لا تزيد على 4 مليار دولار. في التقديرات التي نشرت بعد الحرب، تبيَّن ان أضرار البنى التحتية (طرقات، شبكات مياه، مطارات، قطاع الكهرباء... الخ) بلغت حوال 1.362 مليار دولار، أما أضرار المساكن والمؤسسات التجارية في الأقضية المتضررة فقد بلغت حوالي 1.454 مليار دولار، أما أضرار المؤسسات الصناعية بلغت 190 مليون دولار، ومحطات الوقود 10 مليون دولار، والمنشآت العسكرية 16 مليون دولار، أي ما مجموعه 3.032 مليار دولار فقط لا غير.

وكما العادة، سدت مؤسسة "جهاد البناء" التابعة لحزب الله تقصير الدولة حملة "وعد" لإعادة إعمار ما تهدم في الضاحية الجنوبية -تحديداً- وعلى أعلى مستوى لجهة البناء، أو المساحات الخضراء، أو مواقف السيارات. هذا المشروع هو جزء من خطة الجمعية الإنمائية والتي أطلقت عدداً من المشاريع مثل بناء الجسور والمدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق العامة الحيوية التي طالها العدوان. ويقوم المشروع على دفع الأموال للمشردين الذين دمرت بيوتهم لإوائهم، بالإضافة الى الخطة الإعمارية والإنمائية والإنشائية.

"تحولات" جالت في الضاحية الجنوبية حيث عبر الناس عن عميق شكرهم وتقديرهم لما تقوم به أيادي "جهاد البناء" الخيرة، بعد أن حملت لهم أكف المقاومين نصرا عزيزا. كما كان لنا لقاء مع مدير عام مشروع "وعد" المهندس حسين حبشي وعضو الهيئة الاستشارية في المشروع المهندس محمود شرف الدين، اللذين حدثانا عن تفاصيل المشروع ومخططه.

 

1. إعادة البناء:

 بدأت عملية وضع المخططات والتصاميم، وتقديم الإقتراحات للخروج بصيغة عملية تعيد ما دمِّر وعلى أحسن طراز وضمن الشروط والمواصفات المعتمدة. "وبحسب معلومات متوافرة، هناك أكثر من صيغة مطروحة لإعادة إعمار الضاحية، منها مخطط شامل لم يجر التوافق عليه نظراً للاختلافات القائمة. فيما يُبحث اعتماد مجموعة مخططات جزئية للمناطق المدمرة يشكل مجموعها مخططاً شبه شامل تتوافر من خلاله السلامة العامة والناحية التجميلية. أما اقتراح انشاء شركة عقارية للمنطقة، فقد استبعد تماماً من النقاشات. وتطرح المشكلات موضوع قانون البناء، حيث يجري البحث في بعض المقترحات لتطبيقه من خلال حفظ السلامة العامة واستصدار الرخص وطريقة دفع الأموال بعد تحديد قيمتها من رئيس الحكومة. أما لجهة المخالفات فهناك نقاش لتحديدها على الأرض وسط طرح من بعض الأطراف في اللجنة يعتبر انها ضخمة. فيما تقول المصادر ان هذا الموضوع يجري تضخيمه لخفض قيمة التعويضات، عبر الحديث عن أبنية كانت مشيّدة على أملاك الغير أو في الأملاك العامة. وبالتالي لا يمكن الترخيص لاعادة اعمارها.

 إستكمالاً لهذه المبادرات، وضع قسم الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت وثيقة عرض فيها تصوره لأساليب إعادة الإعمار، وتركز البحث على جزء من الضاحية وهي منطقة حارة حريك الحيوية. كان لا بدّ من "اقتراح بعض التدخلات في الحقل العام، إذ ترى الدراسة في تغيير أنماط السير وخلق مساحات خضراء مفتوحة وتوفير الشروط الملائمة لركن السيارات، تطويراً لظروف العيش في المكان من خلال التدخل في حيّزه العام ومن خلال ترميم المساحات المفتوحة أمام المشاة وحمايتها. وأوصى الفريق الراغبين في إعادة إعمار حارة حريك بضرورة العمل من خلال مبادئ سبعة تبلورت الرؤية إليها ضمن سياق تخطيط متشارك:

أولاً: تأمين أسرع إعادة توزيع ممكنة للنازحين ضمن الحيّز الجغرافي لإقامتهم وذلك للحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي كان قائماً في المنطقة قبل الحرب.

ثانياً: تحسين نوعية الفسحات العامة، ويجب الاعتراف بالأمكنة العامة كحق للجماعة وكحاجة ملّحة في محيط يسكنه ذوو الدخل المنخفض.

ثالثاً: الموازنة بين حركة سير المركبات وحاجة المشاة.

رابعاً: توفير إمكانية الحصول على الإضاءة الكافية والتهوية الطبيعية في وحدات السكن الخاصة.

خامساً: توفير مساحة كافية لمواقف سيارات تابعة للقطاع الخاص من خلال ترتيب خيارات الركن في الأحياء السكنية والتجارية.

سادساً: جعل إعادة الاعمار جهداً تعاونياً بين القطاع العام الذي يمتلك دوراً مدعماً للحيّز العام، وبين السكان والعاملين الذين يجب أن يتولوا مهام إعادة إعمار الأبنية الخاصة.

سابعاً: الاعتماد على مقاربات بسيطة وسهلة الاستخدام في التخطيط، فتكون المشاريع المنجَزة أو المخططات المؤسساتية التي وُضعت، في مكانها، وهي تَحُدّ حيث أمكن، دائرة التدخلات ومداها، لتصبح ذات حجم يمكن بسهولة للجماعة المقيمة أن تتعامل معه."

 كما إقترحت المبادرة حلولاً لمشكلة السير، حيث يمكن "تقليص حركة مرور الشاحنات الكبيرة الحجم والآليات في الشوارع السكانية الضيّقة، وأيضاً خلق شبكة مساحات مفتوحة وخضراء تتكوّن من محور مركزي أخضر (شارع الشورى) وبلوك مؤسساتي في المنطقة (يتكوّن من كنيسة القديس يوسف وجامع الحسنين)، وتتصل بعدد من مساحات المنطقة المقترحة والمخصصة كلياً أو جزئياً للمشاة. ولإنجاز ذلك، سيكون ضرورياً تأمين طابق سفلي يكون مخصصاً لركن السيارات بحيث يغطي حاجة السكان المحليين بينما تكون مواقف السيارات على مستوى الشارع مخصصة للسكان من ذوي الحاجات الخاصة أو للسيارات الوافدة في زيارات محدودة الأمد... ، ويمكن التوصل الى تطبيق ذلك من خلال:

أ. توجيه السير العابر للمنطقة كله في اتجاه الشرايين الرئيسية الأربعة (طريقان اثنان، يحوي كل منهما خطّيْ سير اثنين) التي تحيط بالمنطقة.

ب. اعتماد معايير ملائمة في إدارة حركة السير على مستوى المنطقة والتجمّعات السكنية في ضاحية بيروت الجنوبية وخاصة بولفار الشياح الرئيسي.

جـ. تبديل أنماط السير: تحويل طريقي الشمال/الجنوب الرئيسيتين إلى طرق باتجاه واحد من أجل تسهيل تدفق السير الآتي إلى المنطقة وتوجيهه.

د. تحسين أماكن سير المشاة من أجل تشجيع الرحلات التجولية داخل المحور المركزي الأخضر في شارع الشورى.

2. طريقة العمل:

 هناك سياسات عامة يتقيد بها منفذو المشروع وهي:

أ. السرعة القصوى في إنجاز المشروع؛

ب.إعتماد مبدأ رعاية السلامة العامة؛

د. الإلتزام الكامل بالجوانب القانونية؛

هـ. إعتماد مبدا التكامل مع البلديات والجهات الرسمية؛

و. المحافظة على المصالح التجارية لأصحاب المؤسسات؛

ز. الإبتعاد عن الروتين الإداري والتعقيدات، وإدارة المشروع بشكل محكم وشفاف وواضح، وإستخدام نظم المعلوماتية، كذلك إختيار الكادر الكفؤ والأمين وصاحب السمعة الطيبة.

 إنطلاقاً مما سبق، يقوم المشروع على تلزيم الإنشاءات بناء على مناقصات تؤمن قدراً كبيراً من الشفافية وتوفير في الأموال. من هنا، لزِّم المشروع لعدَّة شركات وضمن شروط عديدة أبرزها أن لا يقل رأسمالها عن 50 مليون دولار، وإشادة الأبنية على أحدث المواصفات الدولية المعتمدة في هذا المجال. كما أكد القائمون بالمشروع على عدم وجود إحتكار لمواد البناء بغية رفع أسعارها والمتاجرة بها والتحكم بالإسعار.

3. فوائد المشروع:    

 سيعاد بناء حوالي 200 مبنى تضرر في الحرب، كما أنه سيساهم في توفير فرص عمل كبيرة، والتقديرات تشير الى حاجة المشروع لحوالي 20 ألف عامل، الأمر الذي سيساهم في خلق دورة اقتصادية وإجتماعية في زمن الركود الاقتصادي الحاصل اليوم، وإرتفاع نسبة خطر الفقر الى مستوى أعلى مما كان عليه عاماً بعد عام.

 

 

4. مدة العمل وكلفة المشروع:

 تشير التقديرات الى ان إنتهاء المشروع سيستغرق حوالي الـ 20 شهراً، خاصة وان اتحاد بلديات الضاحية سيشارك في اعادة اعمار البنى التحتية من ماء وكهرباء. أما كلفة المشروع الإجمالية فهي تقدر بـ 600 مليون دولار، موزعة على كلفة تشييد الأبنية (350 مليون دولار)، والبنى التحتية (150 مليون دولار)، وكلفة إستملاكات لمواقف السيارات والحدائق (100 مليون دولار)

 في المقابل، توجد بعض العقبات الروتينية من قبل الدولة
-  المقصودة وغير المقصودة- والمتعلقة بالرخص، حيث من المتوقع ان تأخذ وقتاً طويلاً كونها تحتاج "بحسب المصادر الى خطوات حكومية لتسريع اعادة الاعمار. ويتضمن ذلك التشريعات والمخطط العام واقرار التعويضات" وإصدار المراسيم التنفيذية اللازمة.

 

"وعد" يبني أكثر من 200 مبنى 

كذلك التقت "تحولات" مدير عام مشروع "وعد" المهندس حسين حبشي الذي اطلعنا على أهداف المشروع وآخر انجازاته، حيث كان معه هذا الحوار:

س: كيف تعرفون بمشروع "وعد"؟

ج: "وعد" هو مشروع نموذجي لإعادة إعمار ما هدمته الآلة العسكرية الإسرائيلية، وقد نشأ نتيجة تواصل مباشر مع الناس كجهة مدنية آخذاً بعين الاعتبار حقوقهم كافة، والأهم أنه سيكون استكمالاً لانتصار تموز والرد على آلة التدمير ببناء ما تهدم، وهذا ما عبر عنه الناس بالتصاقهم بالمقاومة أكثر كلما تزايد الهدم والقصف.

نحن في مشروع "وعد" معنيون بإدارة ملف الاعمار ليس كشركة، بل كوكلاء عن المالكيين بموجب توكيلات رسمية، وعلى الدولة أن تعترف بهذه الحقيقة. من هنا، سنقوم بإعمار 196 مبنى، إضافة إلى 20 مبنى ما بين مدارس ومحطات محروقات. لقد بدأ العمل في منتصف حزيران وتم تلزيم حوالي 74 مبنى، وسيستغرق انجاز المشروع حوالي السنتين، بإشراف مئة مهندس.

س: ما هي العقبات التي تواجه آلية العمل لانجاز المشروع؟ وهل سيتم الترخيص لهذه المباني؟

ج: هناك مشروع قانون صدر عن الحكومة اللبنانية لإعادة الاعمار لم يعمل به حتى الآن، بالإضافة إلى عدد من التراخيص التي تقدمنا بها، علماً أننا سنعيد المباني التي كانت موجودة ضمن الضوابط والشروط المفروضة، مع حرصنا الشديد على إزالة أية مخالفة.

أما فيما يتعلق بموضوع المشاكل والصعوبات، إن العائق الأساسي هو مالي بالدرجة الأولى، فحتى الآن لم تدفع الدولة ما هو متوجب عليها بالشكل المطلوب، إذ تم الدفع لبعض أقسام من المباني بشكل استنسابي. إن عملية التأخير في دفع التعويضات سيؤخر المشروع ولكن لن يوقفه، وهنا أقول للدولة أن الحصار المالي وعدم دفع التعويضات يشكل غباء سياسياً لن ينفع.

 

س: ما هي مصادر التمويل التي تعتمدون عليها؟

ج: أولاً: الدولة هي التي يجب أن تدفع عاجلاً أم آجلاً للناس، ونحن نعلم أن هذه الأموال ليست من أموال الخزينة العامة، فهناك دول مانحة قدمت الأموال وما زالت في الصندوق.

ثانياً: هناك بعض الجهات من المؤسسات والجمعيات الخيرية على مستوى العالم العربي والإسلامي يقدمون مساعدات عينية نعول عليها، ولكن تبقى جمعية "جهاد البناء" الداعم الأساسي للمشروع.

 

س: هناك مساعدات عربية لم تأت من الدولة، هل تمت الاستفادة منها؟

ج: نعم، هناك نوع من هذه المساعدات أتت من الدول العربية عبر مؤسسات أهلية وجمعيات خيرية يتم استخدامها في المشروع، ونحن ننصح الدول المانحة بمساءلة الدولة اللبنانية لمعرفة مصير الأموال التي قدمتها عبر طلب كشف حسابات.

لقد تم تشكيل هيئة استشارية من كبار المهندسين والمعماريين على قاعدة تبين كيفية إعادة بناء هذه المنطقة، وقد خرجت الهيئة الاستشارية للمشروع بعدة توصيات.

اليوم، يتم العمل طبقاً للمخطط التوجيهي الموجود في بلدية حارة حريك الذي سيعيد تشكيل النسيج الاجتماعي للسكان ويحافظة على ذاكرتهم الاجتماعية، إضافة إلى إعتماد شروط السلامة العامة، وإحداث التغيرات والتحديث في داخل المباني وتجهيزها بمواصفات جيدة وضمن الشروط والأنظمة المرعية الإجراء على غرار المعايير العالمية المعتمدة في الإنشاءات. أما بالنسبة إلى الناحية الجمالية الخارجية، تعاني المنطقة من مشكلة أساسية في عدم وجود مواقف للسيارات، لذلك استخدمنا طوابق سفلية كمواقف وحدائق عامة، إضافة إلى إقامة أرصفة انسيابية الشكل.

كما إقترحت حلول لمشكلة السير، حيث يمكن "تقليص حركة مرور الشاحنات الكبيرة الحجم والآليات في الشوارع السكانية الضيّقة، وأيضاً خلق شبكة مساحات مفتوحة وخضراء تتكوّن من محور مركزي أخضر (شارع الشورى) وبلوك مؤسساتي في المنطقة (يتكوّن من كنيسة القديس يوسف وجامع الحسنين)، وتتصل بعدد من مساحات المنطقة المقترحة والمخصصة كلياً أو جزئياً للمشاة. ولإنجاز ذلك، سيكون ضرورياً تأمين طابق سفلي يكون مخصصاً لركن السيارات بحيث يغطي حاجة السكان المحليين بينما تكون مواقف السيارات على مستوى الشارع مخصصة للسكان من ذوي الحاجات الخاصة أو للسيارات الوافدة في زيارات محدودة الأمد.

 

لعل الكثيرين نسوا بعد أن هدأ أزيز رصاص الحرب، أن الآلاف فقدوا منازلهم وممتلكاتهم وذكرياتهم تحت ضربات الصواريخ، فباتوا اما نازحين أو مشردين، لكن المقاومة التي انتصرت في معركة المواجهة، تنتصر اليوم في معركة الاعمار.

وبفضل المقاومة الباسلة والناس الصامدين، ستعود الضاحية اجمل مما كانت كما وعد سيد المقاومة السيد حسن نصر الله.