العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

ماذا نفعل بالعقل ؟ ماذا نفعل بالحياة ؟

نعيم تلحوق
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

من أهم المظاهر الإيجابية للديمقراطية انها تعترف ولا تلغي الآخر ، ومن أهم مظاهرها السلبية أنها تفقد معناها حين تتحول إلى غوغائية دون فهم واع لها وهو ما ظهر جليا وواضحا في حرب " نمرود العولمة " الولايات المتحدة الأميركية واحتلالها للعراق ، وقتل الآمنين والأبرياء تحت شعارات واهية لا تدخل في بديهيات العقل المتنور طالما هي في قيمها وقيمتها لا تحمل بذور المنطق الموضوعي .

ومن غير الطبيعي أن لا نقف مشدوهين لنتائج هذه الحرب المدمرة التي بيّنت أن من ابرز واهم أهدافها سحق العقل العربي بالمطلق إلى جانب ضرب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . الكارثة الأولى جاءت بأيدينا نحن في العصر العباسي حين احرقنا ـ بمعية أو بمشيئة هولاكو وتيمورلنك ـ المكتبة العربية ونهبناها ، وقضينا على العقل باسم المقدس . والآن يتم التحريم بجرم أن هذا العقل قد استطاع بعد مضي قرون عديدة أن يستعيد دوره ويسجل مآثر كبرى في حقول العلم والمعرفة والإبداع والتقدم التكنولوجي ، فيحرق هولاكو الجديد " بوش " بأيدٍ رخيصة قصر الحكمة في بغداد بما فيه ولا يبقي عليه أثراً .

تبيّن بما لا يقبل الشك أن المقصود بالبترول ليس المادة تحت قفرٍ من الصحارى بل المادة المغلفة لآبار رؤوسنا وأبداننا ، ويصح أن نطلق عليها لقب " القرص الذهني المعرفي " لتاريخ المجتمعات والشعوب .

المطلوب ـ على ما يبدو ـ رأس نبوخذ نصر وحمورابي وسنحاريب وجلجامش وأنكيدو والفارابي والمتنبي وابن خلدون وابن سينا والمعري والخوارزمي والحلاج وابن عربي وابن رشد إلى آخر السلسلة ..

المطلوب أن يفرغ هذا " القرص الذهني المعرفي " من شحنته التلقائية والوقائية ، فلا يتم ذلك إلا بالقضاء على معالم العقل والحضارة البابلية ونهبها كي يتم استيقاظها بعد حين في متاحف تخص قبائل الأمة الانكلوسكسونية في محاولة لتزوير إرادة التاريخ والحياة .

هذا الفكر المدمر لحضارة الشعوب والأمم الحية أتى تحت ذرائع الديمقراطية الغوغائية التي مارستها الولايات المتحدة الأميركية باحتلالها للعراق ، والشاهد على رؤوس الأعيان المتحف الوطني وقصر الحكمة بما يحويه من المكتبة الوطنية ومركز المعلومات والتوثيق وجامعات الموصل وبغداد إلى جانب النهب المنظم لمعالم الفكر والحضارة الإنسانية.

 ترى ماذا بعد فلسطين والعراق ؟

 ألن تنتهي الرحلة ( خارطة الطريق ) بعد ؟

من يسعى ليقول بعد أن افرغ الاستعمار الجديد المتمثل بـ " نمرود العولمة " بوش الصغير و شركائه الصهاينة ، قنبلتهم الفراغية على تاريخ اللغة والعقل فخربطوا طبيعة الحياة فينا مما أدى ذلك إلى تحولٍ في جوهر البنية المعرفية بروحها وشكلها ومفهومها وأطرها ، فالعقل العربي اللغوي كما نعلم هو تشكيل ذاتي للعقلنة وعقلنة ضدّية للمألوف ومزيج من تآلف ضدّي بين اليونانية والفارسية ، اللاتينية والمغولية ، الهندية والتركية فالعربية ، لذا هي لغة عاصية ومحورٌ لوعاء لا يحتمل صياغته " نمرود العولمة " تحت مفهوم إعادة قيامة جديدة للاستعمار القديم .

انه اعتداء آثم على المفاهيم من حيث هي قيم معرفية تتجانس وتتطابق وفق أهواء حركتها وهي تأكيد على حقيقة الذاكرة التي هي روح المعنى وضميره .

انه اعتداء على الحياة من حيث قياسها بالفهم لا بالمطلق ، ضمن مفهوم استلابي ضدّي لمعرفة متصلة بحاجات الشعوب وفق طبيعة اختلافها .

انه اعتداء على التاريخ والجغرافية من حيث إعادة تشكيل الإنتلجنسيا عبر تكوين وزرع مفهوم المعرفة المصلحية وتدمير مشاعر الهدوء والسلام والإنسانية خدمة للطاقة والذرة وسموم التكنولوجية الملوثة للبيئة والطبيعة .

انه تدمير فاضح للعقل الحضاري يقوده من لا يمتلك في تاريخ خمسة قرون سوى حضارة الإبادة والتوسع والاستعباد وإرادة القتل المصمِم والمصمَم على إلغاء إرادة الإنسان المبدع تحت عناوين واهية كبدعة الحرية والديمقراطية والحضارة .

ما الذي يثير سخطنا يا ترى ؟ والى أي مدى أو حد ؟

هذا السؤال ، جوابه طي ما أرفقته الروائية الهندية ارونداتي روي وهي من رموز منتقدي العولمة الأميركية حين قالت في حديث لها أجرته مجلة " درشبيغل " الألمانية في عددها الأخير .

تقول روي : " أكافح من أجل أن أبقي غضبي وغيظي تحت السيطرة . إن أهوال الحرب التي يتوجب أن أراها ورعب الدعاية الأمريكية الذي يتوجب أن أتحمله في النهاية ، اشعر أنه قد أجهز على كياني ، وأنه قد سرقت مني اللغة .. "

ونحن في ظل هذه الحمأة المجنونة التي تجتاحنا والتي لا نعرف ماذا سيكون بعدها ، نتداعى كمثقفين وهيئات ثقافية إلى كبح جماح الغضب الشيطاني لنبقي عقولنا ومشاعرنا تحت السيطرة ، ولكي نقول كلمة واحدة في محاولة هذه الانتكاسة الذهنية المعرفية ، وبهدوء تام ماذا علينا أن نفعل كي لا نشعر أن اللغة ـ العقل قد سرقت منا حقيقة ؟؟

ويبقى السؤال : ماذا نفعل بالعقل ؟ ماذا نفعل بالحياة ؟.