العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

الغزو الثقافي الالكتروني

داليدا المولى
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

تحظى شبكات المعلوماتية "الانترنت" اليوم باهتمام شرائح اجتماعية مختلفة نظراً لما تقدمه من خدمات متنوعة كألعاب التسلية والمعلومات ومتابعة أخبار العالم وآخر المستجدات لسهولة الحصول عليها، بالإضافة إلى خدمات التعارف والإعلان وإمكانية الشراء والبيع الخ...

باستطاعة كل من يتقن استعمالها أن يتواصل مع العالم اجمع عبر التعرف على أصدقاء وتبادل الأحاديث معهم، وبالتالي إنشاء شبكة علاقات ضخمة بين أفراد من جنسيات وثقافات مختلفة نظراً لتشاركهم ذات الاهتمام أو الهواية  أو التوجه أو طريقة الحياة...

تجذب هذه المادة الدسمة الحداثة بشكل خاص الشباب المهتم بالدخول إلى المواقع الالكترونية وتصفحها وخصوصاً تلك التي تقدم شيئاً جديداً وتوسع نطاق العلاقات، كأندية الموسيقى والفنانين ومنابر النقاش السياسي وما إلى ذلك، وجديد "الانترنت" ما قام بإنشائه "ماك زوكربرغ" الطالب اليهودي في جامعة هارفرد الأميركية كمشروع لدراسته للمعلوماتية والاتصالات وهو الـ " facebook " الموقع الأكثر انتشاراً حالياً، إذ بات يضم إلى الآن أكثر من 35 مليون مشترك حول العالم، وهو في ازدياد دائم بنسبة 3% أسبوعياً، ومردّ ذلك إلى المواد التي يقدمها، من إنشاء صداقات وتبادل الرسائل والهدايا الافتراضية إلى إنشاء تجمعات تتبنى فكرة أو اتجاهاً معيناً وتدعو الأعضاء في الموقع للتسجيل فيها. هذه التجمعات أو الـ "Group" قد يدعم أي فكرة، فقد يخلق المشتركون "Group" تحت اسم "أنا بدي اتسلى"، ويتم إرسال الدعوات إلى الأصدقاء للانضمام إليه، وباستطاعة هذه المجموعة أن يقولوا "نحن منحب إسرائيل"، وان يدعوا أصدقاءهم إلى دعم هذه الفكرة والتسجيل في المجموعة.

هذا العرض ليس لمجرد الحديث عن صفات الـ "فايس بوك"، بل للإضاءة على ما يحاول البعض استغلاله من خلال هذا الموقع الإلكتروني الرائج في أوساط الشباب، فعندما نتصفح مجموعاته تطالعنا ثلة من الأندية إذا صحّ إطلاق هذا الاسم عليها تعنى بطرح فكرة السلام مع "إسرائيل". هذا الموضوع أمر متوقَّع على مواقع عالمية كهذه مع اختلاف إيديولوجيات المنتسبين إليه، لكن الغريب لا بل المفاجئ أن تضمّ هذه المجموعات عدداً ليس بقليل من العـرب على مختلف جنسياتهم وخصـوصاً اللبنانيين منهم، بحيث يتم التـداول في إمكانية إرساء السلام والاعتراف بـ "إسرائيل" وإقامة العلاقات معها وبأنها دولة شرعية على أراضي فلسطين المحتلة، ما ينمّ عن إرساء ثقافة ونهج خطيرين في المجتمع العربي عامة والمشرقي خاصةً ستنسحب مفاعيلهما إلى المستقبل القريب دون أن تـواجه هذه الأفعال المجرمة قانوناً بأي وسيلة، بل يستغل روّاد هذا النهج العقائدي والثقافي والخلافات المذهبية والإثنية لبث هذه الأفكار والترويج لها على أساس أن الاعتراف بالكيان الصهيوني وإيجاد صيغة للسلام معه هو الحل، لينقلب العدو صديقاً ضمن هذا المفهوم.

يخلق هذا الـ "Group" إيديولوجية مستقبلية مبنية على غرس فكرة وجوب انتهاء الصراع لان وجود "إسرائيل" بات حقاً شرعياً وعلينا تقبل الأمر وإقراره ما ينفي وجوب استمرار ثقافة المقاومة وتأييدها بانتفاء عامل الخطر والاعتداء. على سبيل المثال، مجموعة "السـلام بين لبنان وإسرائيل" أصبحت تضم أكثر من 2000 عضو وأكثرهم من اللبنانيين، يقبل المنتسبون إليها باتفاقية "17 أيار" كحل للأزمة بين الطرفين، كما يدعون عبر كتاباتهم إلى السلام والعلاقات الجيدة مع "الجارة العزيزة" التي فتكت ودمرت وجزرت وهجرت واحتلت ولم تردها سوى مقاومتنا. فهل تكون مقاومة السوبر حداثة هي بالترحيب بها في بلادنا كأعزّ الأصدقاء؟

إنهم يحاولون بشتى الوسائل إجهاض إرادتنا وعزمنا على المواجهة، فقد جربوا فرض شروطهم علينا بنشر الفوضى والخلافات في المجتمع وما استطاعوا... استغلوا ضعف بعض السياسيين اللبنانيين وانهزامهم ليفرضوا اتفاقيات مشبوهة، فرفضنا الخضوع والقبول بالاحتلال المقنع من خلال هذه المشاريع... استعملوا آلاتهم العسكرية وصواريخهم المتطورة ولم يهـزمونا...

واليوم، يعملون على اختراق ثقافتنا، والبنى الاجتماعية الشابة للنيل من قيمنا ومقاومتنا عبر بث وتكريس نهج جديد في تعريف العدو ليسقط اسم "إسرائيل" من اللائحة ولتصبح كلمة "عمالة" بحاجة لتعريف جديد لا ذكر فيه لمن يرابض في مزارعنا وأرضنا، وبمعتقده أن إلغاءنا هو الطريق الوحيد لازدهاره وتوسعه...

هل سيحققون تطبيع الأدمغة بالوسائل الإلكترونية بعدما عجزوا عن ذلك بالحرب والعدوان والاجتياح؟