نحو عالم أفضل

العدد 4 - تشرين أول 2005 : منصور عازار
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

ها أن سنة تدخل التاريخ وأخرى تقف على أعتابه.. ولعل ما شهدته السنة الماضي من أحداث تشبه زلزالا هائلا لم يستفق البشر من وهلته بعد.. فالتغيرات الحاصلة في شرق أوروبا تدعو الإنسان إلى أن يعيد النظر في كل ما عرف وتعلم واختبر خلال حياته الماضية إذ من كان ينتظر سقوط النظام الماركسي في هذه السرعة، وعودة هذه الشعوب إلى التفتيش عن هويتها وجذورها من جديد؟!.

وبعد هذا الحدث الخطير، كيف تتجه القوى المعنية في التعامل مع هذه المتغيرات التاريخية والجذرية؟

إن سؤالاً كهذا، للإجابة عليه، يجب أن نعود إلى حقيقة النظرة الماركسية، وتحليل قواعدها وفلسفتها ومراحل تطبيقها على الإنسان الروسي أولاً والإنسان إجمالا في كل أوطان العالم وأممه!.

العقيدة الماركسية منذ تكوينها، في دماغ واضعها، اعتمدت فقط على تحديد الإنسان أنه طاقة مادية ـ جسدية، يجب تأمين حاجاتها البيولوجية أولاً، وأن هذا الإنسان هو أخ الإنسان حيث وجد، وإن مشكلة الإنسانية هي واحدة في الكون، وناجمة عن صراع العامل مع رب العمل، عن قتال طبقي بين طبقة محرومة مسحوقة هي الأكثرية الساحقة للجنس البشري، وطبقة حاكمة هي القلة التي في يدها وسائل الإنتاج صناعة وغلالا.. ومن هنا كانت الصرخة الماركسية التي عمت الكون: يا عمال العالم اتحدوا.

وخلال سبعين عاما من القتال الطبقي والصراع الفكري والعقائدي لم تتمكن هذه النظرة إلى الحياة والكون من أن تصالح الإنسان مع نفسه، إذ أنها اعتمدت في أساسها على تحديد خاطئ للإنسان والإنسانية..

وقد أثبتت التجارب الحياتية أن الانتماء الإنساني إلى طبقة منتشرة في العالم، ولئن تشابهت أحوالها، ليس هو الانتماء الحقيقي المعبر عن الحياة في عمقها القومي وشمولها الحياتي، وإن صراع الطبقات في المجتمع الواحد ما هو إلا قتل لهذا المجتمع في عملية تفتيت قواه وهدرها بدون طائل، وإن الإنسان الذي يؤمن الدخل كونه خاضع لإله الدولة لم يحل مشكلة توزيع الثروة في المجتمع الواحد، فظل الإنسان عبدا للأجهزة الحاكمة، حتى إذا انهارت، كما هي الحال الآن في روسيا السوفياتية وأصبحت واحة للفقر والمجاعة والفوضى والاقتتال الداخلي الهدام.

ولأن الفكر الماركسي هدفه فقط إشباع معدة الإنسان فقد أهمل النواحي الأخرى في هذا الإنسان، أهمل فكرة وكرامته وثقافته وحضارته وعزة نفسه، أهمل الروح المحيي النابع من داخله، خيرا وجمالاً وإبداعا وتوقا إلى الأفضل والأحسن.

لذا كان هذا الانهيار الحاصل كشفا صحيحا للفشل الذريع التي وصلت إليه هذه الشعوب، والتي أخضعت لما هو مناقض لحقيقتها وحقها في الحياة طوال سبعين عاما، ولقد انتصر فكر الإنسان الحقيقي ـ الإنسان المجتمع على الإنسان الوهمي الطبقي الإنسان الفرد نتيجة لهذا الإخضاع التعسفي والمستبد، وبهذا تجد العقول المهتمة بمصلحة الإنسانية العليا نفسها أمام حالة جديدة، يجب عليها بحثها والتدقيق في نتائجها للوصول إلى إعطاء هذه الإنسانية النظرة الصحيحة التي تؤمن حقيقة نموها وانتصارها على عوامل الهدم والانهيار والانحلال التي أدت إليها النظرة الخاطئة وقد دوخت العالم سبعين عاما وحرمته من الاستقرار الحقيقي المنشود.

وإذا كانت الماركسية قد لعبت هذا الدور الخطير في تفتيت الشعوب التي نزلت فيها وفي ما أحدثته عالميا من تشنجات في جسم الإنسانية جمعاء، فإن نظيرتها في الخراب، هي الرأسمالية التي لم تؤد هي أيضا، إلا إلى التعاسة والشقاء فتحكمت بضع مؤسسات في عملية الإنتاج، وسيطرت قوى مريضة ومتحجرة في إنسانيتها على موارد الكون، أهمها الطاقة، وبدأت تحارب الماركسية في سبيل القضاء عليها مدعية إنها وحدها، تحوي في عمقها الفكري الحرية والديمقراطية.. فكانت هذه الخدعة الناتجة عن سحر هذه الألفاظ قوية لدرجة إن غالبية شعوب العالم اليوم قد صدقتها فعلا، فإذا الاستعمار والسيطرة على خيرات الشعوب يدعي حرية العصر، وإن الهيمنة الكاملة على المؤسسات الفاعلة، في هذا الكون التي اعتمدت التكنولوجيا الحديثة وسائل لها لاداء أدوارها تسمى الديموقراطية.. وما تقسيم العالم إلى شعوب من عالم ثالث، وشعوب من عالم أول إلا نتيجة هذه الديمقراطية المزيفة الكاذبة والمخادعة، وهنا يمكن شر الصراع الخفي بين نظامين بربريين تجاه الإنسانية: نظام الطبقات الماركسي الهدام، والنظام الرأسمالي بشقها الصهيوني، الذي ورث بقايا اليهود في العالم ليغذي بهم مجتمع إسرائيل المريض والاصطناعي من جهة، وليسيطر على الأسواق المحلية الفارغة من كل إنتاج وعطاء، والتي بدأت تشحذ لقمة العيش من سيد الكون الجديد والأوحد من جهة ثانية.

إذ إن المتغيرات في هذه الجهة من العالم، ليست لصالح الشعوب التي تحررت من الماركسية، وليست لصالح ما يسمونه الحرية والديمقراطية، لأن انهيار الماركسية سيؤدي بهذه الشعوب التعيسة إلى عبودية خانقة، تخضع فيها لنظرية الاستهلاك وحضارة الكوكا كولا، والهامبرغر الخ..

إذ ليست هذه التغيرات عودة إلى مناخ الحرية والنظام الرأسمالي بقدر ما هي سقطة في خدعة هائلة وكذبة تاريخية خطيرة تروج لها وسائل الإعلام في هذا العالم!! وما الإنسانية إلا ضحية لهذا الصراع الذي يستعبدها بنتائجه الخانقة والمدمرة في آن!!.

لقد آن الأوان لمخاطبة هذا الكون بلغة الحقيقة، ودلّه على مكامن الخطر التي تحملها هذه النظرات الناقصة والخاطئة، والتي استعبدت عقل الإنسان و إرادته طوال قرون سحيقة في القدم.

وإذا كانت الأديان والمذاهب قد حاولت إيجاد العقائد المطمئنة للإنسان، فإن دورها في الحقيقة، قد انتهى دون أن تصل إلى المطلوب والمقصود، إذ إنها أعطت للإنسان تفسيرا عقائديا واقعه في انفصام خطير، فإذا به معلق بين الأرض والسماء ينشد السعادة في الأبدية أو في جنة تجري من تحتها الأنهار، ويغرق في أحوال هذه الدنيا، فلا ربحها ولا ربح الآخرة وأصبح خلال ممارسته شعائره وكأنه صنما يتحرك بفعل الأوهام والمخاوف وترداد الأقوال التي أبعدته كليا عن ممارسة معانيها ومقاصدها فأصبح مجرد صدى يتكرر بلا فائدة ولا معنى.

إذا كانت هذه حالة الإنسانية التي أوصلتها إليها تعاليم الماضي، البعيد والقريب، فما هو الحل إذا لإنقاذ هذا الكون قبل أن يضع حدا لوجوده.. فالإنسانية تتقدم بخطوات سريعة إلى الفناء والاندثار، وما يمكن فعله هو أن يعي هذا الإنسان حقيقته، فيعمل لإعادة التوازن والاستقرار إلى وجوده من خلال فهم طبيعة هذا الوجود ويؤسس حياته الجديدة على هذا الفهم الصحيح لتكوينه. ذلك إن الإنسان ليس فردا فحسب بل هو مجتمع، إمكانية اجتماعية هامة، لذا يمكن التأكيد على أن الوجود الإنساني هو وجود مجتمعي، والإنسان ـ المجتمع هو العقيدة الكلية الشاملة لمعنى الحياة في مجتمع معين، ولا وجود كامل ومتكامل خارج المجتمع..

فالفرد هو إمكانية اجتماعية لا تصبح فاعلة ومنتجة إلا ضمن المجتمع، ومن خلال المجتمع المعين والمحدد، إذ إن الإنسانية ليست مجتمعا واحدا، بل مجتمعات متنوعة المصالح والمثل العليا ومتميزة بشخصية كل منها عن الأخرى تميزا واضحا وجليا إن في التكوين، وإن في الأداء والتعبير، وإن في درجة الحضارة والثقافة..

وليس العالم، بالضرورة، عالم حرب فتاكة تتنازع من خلالها موارد الكون، لأنه إذا انتظمت المجتمعات كل على فهم حقيقته وحقه في الحياة وانتفى من داخلها صراع الطبقات والنزاع على الموارد، واتجهت في داخلها إلى توزيع الإنتاج على مبدأ القومية من جهة، وانتظمت العلاقة بين هذه المجتمعات على أساس فهم كل مجتمع لما هو عليه من خصائص وتمايز، من جهة ثانية، واحترمت شعوب الأرض ما هو لها، فحافظت عليه واقتسم كل شعب موارده لسداد حاجاته المتنوعة فيصبح توزيع الثروة في المجتمع الواحد، توزيع غنى لا توزيع فقر، فتعم عندئذ روح العدالة والأخوة بين أبناء المجتمع الواحد ويتوقف النزاع على لقمة العيش، وعلى سيطرة طبقة على طبقة وإنسان فرد على إنسان فرد..

كما سبق يتمكن الإنسان من السيطرة على نوازعه الداخلية وعلى شهواته الغرائزية، ويصبح متكافئا مع نفسه، ويتغير كليا هذا الإنسان تجاه ابن مجتمعة، وتجاه أبناء المجتمعات الأخرى، وتصبح الإنسانية بإمكانها السيطرة على قوة العلم والاختراع، فتسخره لحاجاتها الراقية في تحسين الحياة ودفعها إلى عالم أفضل بدلا من أن تحوله إلى آلة فتاكة لمحو الأحياء والحياة برمتها..

هذه النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن تنقذ الوجود الإنساني، كما تنقل الحياة من اليأس إلى الأمل، ومن الهدم إلى البناء، ومن التضارب المفرق للقوى إلى التفاعل الموحد لها.. وعندئذ فقط، بمكن الانتقال من حالة الرعب التي تعيش عليها الإنسانية اليوم إلى حالة الاستقرار والطمأنينة، التي تنتظرها غدا..

هذا إذا أدركت معنى ما يطرحه هذا الفكر الجديد الذي بدونه سيضمحل الكون، ويقع فريسة الانفصام بين ما هو مادي فحسب وبين ما هو روحي فيخسر الاثنين معا الأرض والسماء.

إنها نظرة تحتاج إلى الكثير من التعمق والتوضيح وليست هذه الدراسة المختصرة إلا منطلقات لتحرك العقول والنفوس، من أصحاب الإيمان والاختصاص والوجدان للاهتمام الجدي بموضوع طال انتظار الاهتمام به بما يستحق من جدية وجرأة..