العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

ثنائية الزعيم والقبيلة: صورة كردستان المستمرة

نظام مارديني
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

في فصوله الثلاثة، يتناول كتاب "الآغا والشيخ والدولة"، للباحث المتخصص في التاريخ والمجتمع الكردي مارتن فان بروينسن الصادر عن معهد الدراسات الإستراتيجية، الولاءات البدئية كمدخل لمعالجة "المجتمع الكردي" كاشفاً تأثيرها على البنى الاجتماعية والسياسية فيه.

منذ بدايات الكفاح الكردي ضد الظلم، كانت الحركة الكردية ذات مظهر محافظ، بل رجعي، بالرغم من عدالة مطالبها. وإذا كانت هذه الحركة في البداية "معادية للامبريالية"، إلا أنها بدت وعلى نحو تدريجي راغبة في حصول تدخل إمبريالي، فاتجه الملا مصطفى البارزاني للتعبير عن مشاعره الحارة تجاه الولايات المتحدة التي أراد منها ضم كردستان لتصبح الولاية الحادية والخمسين مقابل منحها حق السيطرة على النفط.

وعلى هذا النحو التدريجي، تم تطهير الحركة الكردية من عناصرها اليسارية، كما ساندت الأغلبية الواسعة من أكراد العراق البارزاني في هذا الموقف. وفي هذا الاتجاه، بدت الحركة الكردية مناقضة لحركة تحرير أخرى لشعب قبلي في معظمه، هي حركة "الظفاريين" في عُمان، حيث كانت هذه الحركة تتمتع بسمعة ثورية واسعة. لقد حظيت إحدى الحركات بإعجاب الصحافة اليسارية، مثلما حظيت الحركة الكردية بإعجاب الصحافة المحافظة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة، ومرد هذا التباين يعود لسببين: الأول هو أن الحركة الأولى كانت تحارب نظاماً رجعياً، قمعياً، موالياً للغرب، بينما كانت الحركة الثانية تحارب نظاماً تسلطياً، إصلاحياً، قمعياً، موالياً للسوفييت. أما السبب الثاني فهو اختلاف خلفية قيادتي الحركتين. ولكن، هل قدم هذان السببان تفسيراً للتباين؟ أم أن هناك أسباباً داخلية جعلت الحركة الكردية في العراق ذات صبغة محافظة أكثر على نحو مكشوف خلال الفترة 1964-1961؟ وإلى أي مدى منع التنظيم القبلي فقراء الفلاحين من الدفاع عن حقوقهم ضد زعماء القبائل وملاك الأرض، وجعلهم يحاربون من اجل مصالح غيرهم؟

هذا الواقع جعل الباحث بروينسن يختار هذه المنطقة لإجراء دراسته، ليكشف أن الولاءات البدئية في كردستان هي، بالدرجة الأولى، للعائلة والقبيلة وزعيم القبيلة والآغا، ومثلها في القوة الولاءات الدينية، خصوصاً الولاءات للشيوخ.

في ضوء هذا الواقع، أظهرت العلاقة بين النزعة القومية الكردية والولاءات القبلية والدينية أنها علاقة متأرجحة. فمن ناحية، كان القوميون الأكراد الأوائل متحدرين من صفوف السلطات التقليدية، أي الشيوخ والآغوات، فقد كانت الولاءات البدئية لهؤلاء الزعماء وللقيم التي جسدوها هي، تحديداً، السبب الذي أدى إلى اكتساب الحركة القومية سمتها الجماهيرية. ومن ناحية أخرى، فإن النزاعات المستمرة بين هؤلاء الزعماء التقليديين حالت، ولا تزال تحول، دون توحد الأكراد توحداً حقيقياً.

لا شك ثمة حاجة إلى إمعان النظر لإدراك حقيقة أن منظوراً نشوئياً بسيطاً لا يكفي تماماً لفهم التطورات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الكردي، إذ لم تعد الأشكال الأكثر "تقدماً" للتنظيم السياسي الأهلي، تنظيم الإمارات، قائمة، كما تشتت أكبر القبائل وأكثرها تعقيداً، أو على الأقل لم تعد تعمل كوحدات تشاركية. بمنظور القبائل، إن الميل خلال القرن ونصف القرن الماضيين لم يتجه نحو التعقيد المتزايد، بل اتجه نحو التعقيد المتناقض. ويتمم ما قيل سابقاً منظور آخر يتعلق بالدول التي ضمت إليها الإمارات والقبائل والتي غدت إدارتها أكثر تعقيداً على نحو مطرد. أما الإمارات الأخيرة، فقد دُمّرت عمداً باستخدام القوة العسكرية من جانب الدولة العثمانية في مجرى عملية الإصلاح الإداري الذي طبقته.

وعليه، فإن القبائل الكردية لا توجد في فراغ من شأنه أن يسمح لها بالنشوء نشوءاً مستقلاً، فأداؤها الوظيفي وتنظيمها الداخلي، كما يتضح من الفصل الثاني، متأثران جداً بالعوامل الخارجية. وتشمل هذه العوامل القبائل الأخرى والجماعات اللا قبلية بالإضافة، وهي الأهم، إلى الدول التي لها تأثير على القبائل، حتى يمكن القول أن النظر إلى القبيلة بصفتها كياناً من خلق الدولة، أكثر من كونها تشكيلاً اجتماعياً وسياسياً سابقاً لذلك.

على أهمية هذا الكتاب، إلا انه لا يمكن له الادعاء بأنه يعرض صورة شاملة للمجتمع الكردي، فهو لم يبحث في جوانب مهمة مثل التمدين والهجرة ونشاطات الأحزاب السياسية ونقابات العمال، وما هو أهم منذ ذلك، اعني العلاقات الاقتصادية.