العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

لماذا تقدّمت أوروبا.. وتراجعنا؟

نظام مارديني
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

أسئلة عديدة يطرحها كتاب "الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟" للباحث هاشم صالح، الصادر عن دار الساقي، أهمها: كيف يمكن تحرير الروح العربية الاسلامية من عقالها؟ وهل تحرير الروح الداخلي يسبق التحرير الخارجي؟

يأتي هذا السؤال والعلماء ما زالوا حائرين في سبب انهيار الحضارة العربية-الإسلامية الكلاسيكية بعد فترة ازدهار. بعضهم يقدم أسباباً داخلية، والبعض الآخر خارجية، ولكن الشيء المؤكد هو أن هذه الحضارة كانت مشرقة طوال القرون الأولى ثم انتكست على نحو مفاجئ يدعو إلى الاستغراب فعلاً. ففي ذلك الوقت، "ما كان الإنسان مثقفاً إن لم يكن يعرف العربية" على حدّ قول المستشرق مارتن كريمر، الذي يحبِّذ "لو أن جائزة نوبل كانت موجودة في ذلك الزمان لكانت الغالبية العظمى ممن ينالونها هم من المسلمين". أما اليوم، انقلبت الأحوال، فإذا لم تكن تتقن إحدى اللغات الأوروبية الحديثة يمكن اعتبارك أمياً من قبل مراكز البحوث العالمية.

إن العوامل الخارجية أدت إلى ذبول الحضارة العربية-الإسلامية كالغزو المغولي، وتحول الخطوط التجارية عنا إلى أوروبا، واكتشاف أميركا على يد كريستوفر كولومبس الذي فتح صفحة جديدة في التاريخ العالمي، لكنها انعكست إيجاباً على أوروبا حيث أغنت حضارتها وهمشت العالم الإسلامي أكثر فأكثر بعدما كان العرب مزدهرين في مجال العلوم الدينية، والفلسفة، والعلم الطبيعي، وكأنهم ختموا العلم الآن ولم يعودوا بحاجة إلى بحث أو تساؤل! بل أصبح البحث العلمي عندهم بمنزلة تطاول على الله في خلقه!

فالبرغم من كل الثورات والانقلابات التي حصلت منذ القرن الخامس عشر، كان العالمان العربي والإسلامي بمعزل عنها لمدة ستة قرون، في حين كانت أوروبا تشهد عصر النهضة والإصلاح الديني في القرن السادس عشر، ثم الثورة العلمية الحديثة على يد غاليليو وكيبلر وديكارت ونيوتن في القرن السابع عشر، ثم فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر، وهي الفلسفة التي أدت إلى نقد الدوغمائية المسيحية المتحجّرة وفتح ثغرة في جدار التاريخ المسدود. كما شهدت أوروبا في القرن السابع عشر انبلاج عصر الثورة الصناعية التي تواصلت انجازاتها في القرن العشرين. ونتساءل: كيف يمكن للعرب، أو للمسلمين بشكل عام، أن يدخلوا التاريخ مرة أخرى؟

قبل المطالبة بدخول التاريخ يجب تسليط أضواء المناهج العلمية على التراثين العربي والإسلامي. لفهم ما يجري في العالم العربي عموماً وفي المشرق العربي خصوصاً، يلزمنا اعتماد تحليل فلسفي يصل إلى أعماق الأمور أو جذورها الدفينة كما حاول بذلك الباحث هاشم صالح الذي يستشهد بما قاله فرويد بأن "كل ما كُتب على مدار التاريخ سوف يستيقظ يوماً ما، وينفجر كما تنفجر البراكين من أعماق الأرض ويطالب بحقه في الوجود والتعبير عن نفسه. وسوف ينتقم لنفسه ممن كبتوه وظلموه". ولكن، كيف يمكن تطبيق هذه الفلسفة على الواقع العربي الحالي؟ الجواب ليس صعباً على الباحث صالح الذي يعاكس الوجدان العربي، ويرى أن التدخل الأميركي-الانكليزي في العراق، وعلى الرغم من ضحاياه البريئة وتجاوزاته إلا أنه ليس سبباً لاندلاع المشكلة الطائفية والعرقية هناك وفي المنطقة برمّتها. هذه المشكلة لها جذور عميقة في الذاكرة الجماعية تعود إلى مئات السنين، وكل ما فعله التدخل الأجنبي هو أنّه حرر الطاقات المكبوتة والأصوات المخنوقة والفئات المضطهدة على مدار التاريخ.

لا شك أن أي باحث أو مفكر يحاول النبش عن قانون الهيمنة المخفي وإخراجه إلى السطح وجعله عرضة للنقاش والمراجعة يدرك انه سوف يواجه فوراً بالردّ الحازم من أجل قطع الطريق عليه وإطالة أمد قانون الهيمنة إلى اجل غير مسمى، فالإنسان المهيمن صاحب الامتيازات يحب الوضع القائم ولا يشعر بوجود أي مشكلة. ولكن، هل يمكن أي قانون هيمنة واستعلاء أن يستمر إلى الأبد؟

من ينظر إلى ما آلت إليه الأمور في أوروبا، سيعرف كيف استطاعت أن تتجاوز المرحلة اللاهوتية الطائفية القديمة وتتوصّل إلى المرحلة العلمية والفلسفية الحديثة التي لا تقيّم الإنسان إلا على أساس إمكاناته وكفاءاته وميزاته الشخصية، ولأن العالم العربي لم يتوصل إلى هذه المرحلة بعد فإن الطائفية أو المذهبية أو العرقية ستبقى منتعشة، وستظل هي المعيار الأساسي لتقييم الناس.

أخيراً، لا بد من التوقف أمام إشارة الباحث في معرض حديثه عن أهمية تفكيك العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية كشرط مسبق وضروري لتشكيل مجتمع مدني متماسك ومنسجم، معتبراً أن هذا العمل لم يتحقق حتى الآن ولم يجرؤ عليه أي حزب سياسي أو حتى أي مفكر ذي وزن... لا شك أن في هذا الكلام إجحافاً بحق مفكر كبير، لا بل ذي وزن، هو انطون سعادة، الذي يعتبر أول من أطلق الحداثة في العالم العربي، وحرّر الناس من الطائفية والمذهبية والقبلية من خلال وضعه مبادئ إصلاحية تطالب بفصل الدين عن الدولة، وإلغاء الحواجز بين الناس، وعدم تدخل رجال الدين في السياسة والقضاء منذ العام 1932. والسؤال الذي كان لا بد من طرحه (كما يطرحه جميع الماركسيين): كيف استطاع سعادة حلّ المسألة الطائفية عند أتباع حركته في حين لم يستطع الفكر الماركسي وأتباعه تحقيق ذلك؟!

تحدّث الباحث في الصفحة 26-27 عن خصوصية مشروعة للأقاليم العربية (المغرب الكبير، وشبه الجزيرة العربية، وادي النيل، بلاد الشام والعراق) وأهمية المحافظة على العناصر المتنوعة. أليس هذا الطرح هو الذي أودى بحياة سعادة بعدما طرحت بريطانيا مشروع الجامعة العربية.. والوحدة العربية؟!

قد تختلفون مع طروحات سعادة السياسية والفكرية، وهذا شأن مشروع في الصراع الفكري، ولكن أن ننقص من قيمة حق هذا المفكر، فهو إيغال من قبل مفكري بلادنا في العُقد الإيديولوجية التي يعيش أكبر تجلياتها الآن حازم صاغية، على الرغم من كثرة الحديث عن التحرر الفكري