العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

كرفان السينما العربية الأوربية تذكير بالسينما..وبأوربا

نجيب نصير
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

في عمان كما غيرها من المدن والعواصم الشرق أوسطية، يشعر الداخل إليها بطاقة التغير القلق والمتردد،طاقة منثورة في المكان يحار المرء في توصيفها أو في تحديد اتجاه سيرورتها، فثقافة الناس تبدو في سياقها المتأرجح وكأنها تتقاسم الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة.

في عمان تبدو السينما وكأنها فعل ماض حاضر منقوص، ففي حين تحتفي صالات السينما في الفنادق ذات النجوم الخمسة بآخر الإنتاجات الاميريكية، تبدو سوق الـ dvd عامرة بأنواع شتى من الأفلام المسروقة أو المدسوسة تتراوح بين الديني والمصري والأميركي، حيث تبدو جرعات المشاهدة ربما أكثر من كافية بالنسبة للمشاهد الأردني،فإذا أضفنا ( مثل باقي العواصم العربية ) محطات التلفزة المختصة بعرض الأفلام الأميركية حصرا نكون قد اطلعنا على نقطة التذبذب الثقافي في تشكيلات اجتماعية تقتسمها الحداثة مع التراث مع لقمة العيش، ولكن الغياب الأبرز هو لتلك الأفلام المنتجة على ضفة البحر المتوسط الشمالية أي أوربا والتي تبدو في صيغتها الفلمية أكثر إنسانية وإبداعية من منتجات هوليود الساحقة.

وكرفان الفيلم العربي الأوربي ( عمان 2 _ 7 أيلول 2007 ) هو فعالية مهرجانية تسعى إلى إقامته ( يوروميد) بدعم من الاتحاد ألأوربي كبرنامج لتعزيز التعاون السمعي البصري والثقافي بين ضفتي المتوسط كدعوة مفتوحة للناس من أجل التواصل مع السينما كطريقة تواصل إبداعية للاطلاع عبر لغة الإبداع على الثقافات كمعبر أساسي عن محاولة التواصل بين الشعوب، وربما ومن ناحية أخرى كتذكير بالسينما الأوربية وتنويعاتها كسينما عالمية على الرغم من محليتها أو على الرغم من الاكتساح الأميركي لسوق الثقافة بما فيها السينما. ليبدو مهرجان كرفان كمبادرة للوصول إلى الجمهور دون الاعتماد على آليات التسويق المعهودة، فالعروض تمت في الحدائق وفي صالات المراكز الثقافية المتوفرة داعية العادي من الجمهور في محاولة لنزع صفة النخبوية عن الفعاليات وهذا ما كان بالفعل والذي بدا في إقبال الجمهور على الأفلام العربية نتيجة عدم وجود ترجمة للأفلام الأوربية المعروضة والتي حافظت على نخبوية المشاهدة.

كان من الملفت في عروض هذا المهرجان هو ردود أفعال الجمهور الذي وربما كان لأول مرة يغادر شاشة التلفزيون إلى عرض سينمائي عمومي، أو غادر شاشة التلفزيون ليتذكر أيام الصالات السينمائية التي أضحت خاوية أو مغلقة في أكثر من عاصمة ومدينة عربية، فتراوحت هذه الانفعالات بين القبول والرفض والاندهاش حسب الفئة العمرية والثقافية التي ينتمي إليها المشاهدون وهذا بحد ذاته تفاعل يعبر عن حوار أكيد بين الناس والشاشة.

قدمت السينما العربية في هذا الكرفان العديد من أنواع السينما فهناك الطويل والقصير الروائي والتسجيلي في تجارب تعتبر متميزة في السنوات الأخيرة كتجربة اللبناني ميشيل كمون في فيلم فلافل كتجربة متميزة ترصد يوما من حياة الإنسان العادي ومما تتعرض له من استثناءات (إذا لم نقل شواذات) حقوقية تقتحم عليه إنسانيته وتجرحها ليتحول تراكم التجريح إلى تربية مضنية وشوهاء قدم كمون فيلما يتشابه في بساطته وعمقه لمنتجات زياد الرحباني الموسيقية والغنائية ما يذكرنا بتجارب بداية القرن الماضي الإبداعية الاختصاصية، على الطرف الآخر نلحظ تجربة المصري رامي عبد الجبار في أفلامه الروائية القصير " فلوس ميتة " و " بيت من لحم "حيث يعود هذا الشاب الطموح إلى الممرات الإجبارية في التربية الاجتماعية والتي تحرف الفرد عن مساره الاجتماعي،فبين الجوع الشديد للعمل في فلوس ميته إلى الجوع الشديد إلى الجنس في بيت من لحم، تنحرف مسارات الأفراد اضطراريا في بيئة مشرفة على الانهيار ليبدو الخلاص الفردي مدمرا أو يزيد الدمار على الدمار اجتماعيا وحقوقيا.

أما السوري عبد اللطيف عبد الحميد فقدم فيلما غنائيا بأمتياز على الرغم من عدم اعتماده على تيمة الاعتماد على مغن كبطل للفيلم، إذ اعتمد في فيلمه على برنامج إذاعي شهير كان يبث على الإذاعة السورية اسمه " ما يطلبه المستمعون " حيث شكل هذا البرنامج فضاء لمحاولات كسر العزلة بكافة أشكالها لتمد إسرائيل أصبعها فتقضي على هذه المحاولات ومعها الحب والفرح والبهجة في تيمة تعبر تجارب عبد الحميد الحياتية.

أما المصري محمد مصطفى فاستطاع في فيلمه الروائي الطويل" أوقات فراغ " المزاوجة بين الأسلوب المصري الكلاسيكي والطرح المعاصر لهموم الناس عبر التقاطه لمفاصل حياة مجموعة من الشباب الجامعي المتنوعين من حيث الانتماء العائلي والمادي لنكتشف كم الخواء الذي يكتنف جيل عاطل عن المسؤولية أو بطريقة أدق جيل مسحوب منه المسؤولية، لينتج عنها فقدان بوصلة اجتماعية تودي بشكل حتمي إلى المهالك.

في فيلم سوسن دروزة الإشكالي ( تسجيلي قصير ) تندفع المخرجة وراء الهوية كبطاقة رسمية تعترف لحاملها بحقوق المواطنة كتعريف حقوقي للإنسان أثناء تجواله في عالم معولم يضطر المرء فيه للانتقال بين الأمكنة المتقاربة بفعل الاتصالات والمواصلات، راصدة تلك الفروقات بين الهويات كبطاقات تسمح للبعض دون البعض الأخر بصفات وممارسات حقوقية مختلفة،وتأثير هذه الصفات في مجموعة من الفنانين الشرق أوسطيين وردود أفعالهم نحوها والتي تنوعت حساسيتها حسب بعد أو قرب الشخصية من الحصول على بطاقة انتمائية جديدة تاركة للمشاهدين فرصة التفكير بأحوالهم كحاملي بطاقات هوية عربية.

لم يكن مهرجان كرفان مجرد مناسبة سينمائية أعدت له اليور ميد بل هو فرصة لأعاد التفكر بالثقافة وثقافة الأخر كنوع من المجال المفتوح على أغناء التجربة الإنسانية.. ولكنه وسينمائيا قرعت الجرس لتسأل هل ماتت السينما اجتماعيا وإبداعيا ؟