العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

سهام الشعشاع: التلفزيونات العربية لا تهتم بالمشهد الشعري التلفزيوني

أسماء وهبة
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

المهرجانات الشعرية خسرت خصوصيتها وعلاقتها بالثقافة

"كوني جميلة واصمتي" عبارة لا يمكن ان تنطبق على الشاعرة والإعلامية السورية سهام الشعشاع. عندما تراها للوهلة الأولى يلفتك إطلالتها الأنيقة، حضورها الرقيق، روحها المرحة، وثقتها بالنفس. والأهم حديثها المشوق عن القصيدة، المرأة، والأغنية. التقتها "تحولات" في بيروت وكان هذا الحوار:

تقولين ان الأغنية بمثابة قصيدة مكثفة. ماذا تعنين بذلك؟

عندما أكون في حالة شعر ولا أستطيع قطف القصيدة أكتب الأغنية، التي تتطلب أن أخففها من الخيال والصور الشعرية، لأن الناس تبغي الأغنية البسيطة التي تحرك مشاعرها دون خيالها. إلا أن ملعبي الأول والأخير هو القصيدة، أما الأغنية فهي جزء من عملي مثل الصحافة، لأن الشعر ما بيطعمي خبز.

هل شاعر الأغنية أقل مكانة من شاعر القصيدة؟

ليس بالضبط، لكن الجمهور ينسى أنني أكتب الشعر بعد أن عرفني من خلال كتابة الأغنيات. ولكن عبر الفضائيات أستطيع أن أشرح للجمهور أنني بالإَضافة إلى كتابتي الأغنية أكتب الشعرأيضا.

هل يداهمك الشعر فجأة أم هو نتيجة تراكمات معينة؟

الشعر خليط منهما. ولا أعي أنه نتيجة تراكمات حياتي اليومية فيباغتني فجاة. ودائما أقول أن القصيدة مثل الحب تأتي من المكان الذي لا ننتظره. وفي إحدى المرات شكوت للشاعر الكبير أدونيس أنني خلال نومي أكتب قصيدة كاملة دون أن أسجلها لأنني ظننت أنني حفظتها، وعندما أستيقظ كأن شيئا لم يكن! فقال لي: ان القصيدة يجب أن تشعر باهتمامك وأن تنتظريها بكامل أناقتك وإلا تخنك! وهنا أعترف أنني أضعت الكثير من القصائد كانت من أجمل ما كتبت.

كان لك تجربة فيدو كليب شعري من خلال قصيدة "صباح الخير يا أمي". كيف جاءتك الفكرة؟

لقد اعتاد الجمهور على الأغنية ونسي الشعر. كما أن البرامج الثقافية تحاور المثقف بأسلوب يظهره "ثقيل الدم". أما التلفزيونات العربية فلا تهتم بالمشهد الشعري التلفزيوني. لذلك فكرت في تصوير قصيدة "صباح الخير يا أمي" في محاولة لتكريس الشعر لدى الجمهور. واعتقدت لوهلة أن هذه التجربة ستفتح الباب لتصوير قصائد أخرى، لكن للأسف لم يحدث ذلك لأن الفيديو كليب لا يعرض إلا في عيد الأم، ولو عرض بصورة دائمة لتشجع آخرون على تقديم فكرة مماثلة!

لماذا كتبت قصيدة "صباح الخير يا أمي"؟

كانت تحية لوالدتي التي تربطني بها علاقة استثنائية. فهي من احتضنني بعد وفاة والدي وأنا في السابعة من عمري، وعلمتني مفردات الحياة الأنثوية مما زاد من منسوب الأنوثة في حياتي.

خصوصية الكتابة إلى من نحب هل تترجم بسهولة على الورق؟

لم استطع أن أقول لأمي كل ما يعتريني من مشاعر. فكانت القصيدة سطراَ من جملة أشياء أردت البوح بها، لأن هناك أحاسيس أعمق من أن نصل إليها عبر الكتابة.

هل الشاعر كائن غريب مثير للدهشة تطرح حوله الكثير من علامات الاستفهام؟

أحب أن يكون الشاعر مثيراَ للدهشة من خلال مباغتته للقارىء بأفكاره، وقدرته على قول أشياء لا يستطيع القارىء العادي البوح بها. وأتعجب من الشعراء الذين يعيشون بعيدا عن الناس. فالشاعر يجب أن يلتقط مفرداته وتكوين القصيدة من الحياة ومن بين الناس. فهو جزء من الحياة ومن "عجقة السير" والنسيج الاجتماعي. لذلك أنا لست كائناَ أحادياَ، وعشت حياتي أتنقل من مدينة لأخرى لأتخلص من وحدتي الداخلية.

ما الذي يقف عائقا بين الشاعر والمتلقي؟

نص الشاعر الذي يكون مثقلا بالأفكار وتكثيف المعاني والفسلفة.

هل أنت مع الشعر الحر؟

لا يعنيني شكل القصيدة بل مضمونها، لأن الشعر هو إحساس يلمس وجدان الآخر. لذلك أتعجب من الشعراء الذين يضيعون على الشعر هذه الوظيفة. فمثلا أقرأ نزار قباني عند نومي أما أدونيس "بيوجعلي راسي"!

كيف يمكن أن  ندفع الشباب لقراءة الشعر؟

إذا تخلص الشباب من أفكارهم المسبقة عن الشعر والرعب من القصيدة على أساس أنها تتوجه في الأصل للمثقف. لذلك يجب أن نفتح الباب للتواصل مع الناس العاديين ليقرأوا الشعر. فمثلا لا أؤيد فكرة الكتابة من أجل الكتابة. فأنا أتوجه للناس عند الكتابة وأقدم نفسي لهم عبر نصوصي.

كيف تطورت المرأة في تعبيرها عن ذاتها ومشاعرها؟

أنا متصالحة مع نفسي وأكتب النص كما أشعر به. ولأنني لست وقحة في حياتي فلن تكون قصيدتي وقحة. فهناك فرق بين الجرأة والإبتذال. وأنا أحب الجرأة الأنيقة التي نعكس الحب من خلالها. فمثلا أقول لمن أحب:

العشق تحت الثوب

ينعم بالحرير

وعيون كل الحاضرين

تراقب الجسد المثير

اليوم أعلم كم ثيابي حلوة

والأناقة في الهوى

تعني الكثير

مرت أصابعك الأميرة

أشعلتني

لفظت ثيابي

من حرارة قامتي

النفس الأخير

عدد الشاعرات في العالم العربي أقل بكثير من الشعراء الرجال. لماذا؟

في العالم العربي هناك خفر في الكتابة يلف التجربة النسائية. إلا أن ذلك لا يعني تجريد النص من إحساسه الأنثوي. فمثلا في الخليج العربي العديد من الشاعرات يكتبن باسماء مستعارة. فالرجل قادر على الوصول في اللغة إلى مكان أغنى وأعمق. إلا ان هناك العديد من التجارب النسائية المميزة التي تتمتع بموهبة حقيقية ولغتها الخاصة التي يجب التوقف عندها. إلا أن الرجل لا يقبل المرأة الشاعرة. فمثلا في عام 1992 قدمني الشاعر شوقي بزيع لأول مرة للجمهور والنقاد في ندوة "المرأة والإبداع" وأثناء إلقائي إحدى القصائد وقف أحد الصحفيين قائلا: برافو شوقي. ولأني شرسة في الدفاع عن نصي قلت له: أشكرك لأنك شبهت نصي بنصوص شوقي بزيع.

تغلف نصوصك غلالة من الرومانسية تشبه إطلالتك. فهل يستتر خلف ذلك نقد قاس لكتابتك؟

أنا ناقدة قاسية لنفسي وأمزق الكثير من القصائد التي لا تقنعني. وفي كثير من الأحيان لا أنتصر للنص الأجمل، بل للنص الذي يدغدغ مشاعري ويكون من محفوظاتي.

هل تشكل الكتابة رحلة مخاض بالنسبة لك؟

لا أحب هذه المصطلحات لتوصيف الكتابة. فهي ليست مخاضاَ أو ألماَ، لأنها إحساس جميل بعيد عن الدموية.

لماذا اقتصرت إصداراتك الشعرية على ديوان "كأني لم أكن يوما"؟

لأنني أحب كتابة الأشياء الناضجة وأبحث دائما عن الأجمل. وعلى أي حال أنا بصدد إصدار ديواني الثاني "إنني اختزلتك آدما".

هل القصيدة صناعة؟

بالطبع. فكلمة قصيدة تعني أن هناك ما نقصد قوله. فهي شعور يترجم عبر تقنيات خاصة للكتابة. فالشاعر يتقن استخدام المشاعر الحقيقية وتوظيفها في إطار شعري وتلبيسها الثوب الملائم، رغم أن هناك إنسيابية في الإبداع. لكن عند تنقيح القصيدة يحضر العقل والتقنيات حتى يتخلص النص من الشوائب.

تقولين أن الشعر هو مساحة الحنين بيننا وبين من نخسر. فماذا تعنين بذلك؟

عندما نخسر من نحب نحولهم إلى نصوص، أما من نعيش معهم فلا نترجمهم إلى شعر. وعلى هامش الخسارة نكتب للحبيب والمدينة التي تركناها. وعندما نكون على مساحة قريبة منها لا نرى مواطن الجمال فيها. فمثلا لقد كتبت عن مدينتي السويداء عندما تركتها وانتقلت للإقامة في دبي. ولقد كتبت أعذب النصوص بعد خسارتي لمن أحب. وعندما كان حاضرا كان بطلاََ ما خلف القصيدة، أما اليوم أصبح الشعر واللغة.

هل الكتابة عن الحب تواكبها حالة مماثلة يعيشها الشاعر؟

أنا مازلت في حالة الحب حتى لو خسرت الحبيب. وهنا ِأشعر أنني أغنى لأنني امرأة، أما الرجل فهو مادة خام لم تكتشف كما يجب، على عكس المرأة التي استهلكت في القصيدة واللوحة والسينما والفيديو كليب وعروض الأزياء.

ما هو الدور الذي تلعبه المهرجانات الشعرية اليوم؟

هي ملتقى للشعراء فقط. ويتم تنظيمها حتى لا يقال ان المهرجانات العربية أضاعت الثقافة على حساب الفن. فمثلا في مهرجان قرطاج الأخير لم يحضر الأمسيات الشعرية إلا المثقفون، وغاب الجمهور والنقد الشعري أيضا. لذلك آسف على القول ان المهرجانات الشعرية خسرت خصوصيتها وعلاقتها بالثقافة.