العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

مرايا العابرات في المنام

أسماء وهبة
الخميس 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

" و"سيجيء الموت وستكون له عيناك" لجمانة حداد لا يُقرأ هذان الكتابان إلا بالتدجين

أسماء وهبة

أشباح هم المنتحرون، "شهداء الشعر وربما شهداء أنفسهم"، كما يحلو للشاعرة جمانة حداد وصفهم. هي لا تعرف كيف وجدت نفسها في عالم هؤلاء "الشهداء"، لكنها قررت الدخول إليه لسبر أغواره وكسر المحرمات فيه. وما إن خطت نحوه خطواتها الأولى حتى خاطبوها، نادوها، أولئك الذين انتحروا شعراً. هكذا قررت جمانة أن تكشف عن تجربتهم الخاصة جدا مع الموت (ومن خلالهم عن تجربتها أيضاً معه)، لأنها اكتشفت أن معظم الشاعرات والشعراء الأثيرين لديها ماتوا انتحارا.

حول هذا المحور بالذات، أصدرت جمانة حداد أخيراً كتابين: مجموعة شعرية عنوانها "مرايا العابرات في المنام"، رأت النور أخيراً في بيروت (176 صفحة، "دار النهار" و"الدار العربية للعلوم")، وأنطولوجيا شعرية ضخمة سبقتها، بعنوان "سيجيء الموت وستكون له عيناك" (656 صفحة، لدى الناشرين نفسيهما).

أما المجموعة الشعرية، "مرايا العابرات في المنام"، فتنطلق من انتحار اثنتي عشرة شاعرة من اثني عشر بلداً باثنتي عشرة طريقة مختلفة (حبوب منوّمة، إطلاق نار، غرق، شنق، غاز، تحت عجلات قطار، قفز من شاهق، سمّ، مخدرات، قطع شرايين الرسغ، حريق، وكهرباء)، لتخترع لهؤلاء الشاعرات المنتحرات عوالمَ وميتات. تتقمّصهنّ جمانة حداد وتتماهى معهنّ وتتكلّم باسمهنّ تارةً، وتخاطبهنّ طوراً، ثم تروح تنقّب في فلسفة عيشهنّ، وتعرّي أساليب انتحارهنّ وطقوسها، مقدِّمةً تفسيرات وجودية وتخييلية لها، بناء على مثلّث الدين والعلم والأدب.

"مجموعة عنيفة، صادمة، شرسة، فظّة، وكابوسية"، على قول الناشر على الغلاف الخلفي للكتاب، لأنها "تأتي الموتَ من فوق، وتعقد ميثاقاً ساديّاً معه". أما جمانة حداد نفسها، فنراها تحذّر القارىء في بداية ديوانها بقولها: "حلٌّ من اثنين: إماّ أن تهرب، إما أن تدجّن موتكَ... لا يُقرأ هذا الكتاب إلا بالتدجين".

كذلك حقّقت جمانة حداد فيلماً قصيراً من كتابتها وإخراجها حول الموضوع نفسه، الى جانب 12 كولاجاً، يتمحور كلّ واحدٍ منها حول إحدى الشاعرات الاثنتي عشرة، وسوف تعرضها في أمسية توقيع الكتاب التي من المقرّر أن تقام في بيروت في السادس من كانون الأول المقبل.

أما في ما يتعلق بالأنطولوجيا، "سيجيء الموت وستكون له عيناك"، التي تجمع فيها حداد شمل 150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين، والتي تتكامل مع المجموعة الشعرية، فقد كانت بداياتها مع 33 شاعرا. ولكن مع البحث الدؤوب، وصل عددهم الى 150 شاعرا "ملعوناً"، جمعت لهم الشاعرة والمترجمة نصوصا ترجمتها عن 6 لغات مختلفة الى العربية. وقد ركزت جمانة في الكتاب على القصائد التي تستبق القدر، حيث يخلق الشاعر لنفسه عالما شعريا وفكريا متناغما مع الموت. وهنا اجتهدت في إثارة تساؤلات حول انتحار منظومة واسعة من الشعراء دون البحث في الأسباب التي حملتهم على ذلك. فهي تقدم نبذة عن كل شاعر تتضمن الطريقة التي استخدمها لقتل نفسه ثم تقتبس مقاطع محددة من شعره توحي باقترابه من الموت الإرادي. مجهود كبير بذلته جمانة في تعريب مقتبسات من لغات عدة موقظة في النفس رهبة الموت وقسوة إلحاق الأذى بالجسد الضعيف. وفي الوقت عينه تلتقط التألق الشعري في الوجوه المكتئبة التي تخطو نحو الهاوية.

وربما ليس من المصادفة أن تختار جمانة العبارة الشعرية الشهيرة للشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي التي قيلت في الموت لتكون عنوان الكتاب، للربط بين الشعر وقيمة الموت، لأن كل انتحار هو قصيدة، كما تقول. وتضيف: "الشعر أيضا انتحار، لا في تجسداته البكائية ولا في حلاوته الزائدة فقط بل في بعده المطلق كذلك".

ولعل التحدي الأكبر الذي واجهته حداد في هذا الكتاب هو فتحها باب أحد المحرمات في عالم الأدب وفي الحياة بشكل عام، إذ تناولت موضوع الموت والقدر وبشكل خاص الإنتحار، الذي قد يثير حفيظة القارىء العربي و"تحفظّه" ربما. فعنوان الكتاب الذي يحمل أقصى معاني الحب وأجملها يقرن بمئة وخمسين شاعرا انتحروا في القرن العشرين، وكأن الموت هو الخلاص من حياة بات من الصعب احتمالها. من هنا يطرح السؤال التالي: من سيمتلك جرأة قراءة هذا الكتاب؟

سؤال آخر: هل أقدم هؤلاء الشعراء على الانتحار لأنهم شعراء أم لأنهم أفراد عاديون حملتهم ظروفهم النفسية والحياتية الصعبة على هذا الفعل؟

يبدو أن الكاتبة تميل إلى ترجيح المأزق الوجودي كسبب رئيسي حملهم على الانتحار، والذي كان له تأثير إيجابي على نصوصهم الشعرية، كأنهم كانوا عاجزين عن الكتابة الإبداعية دون أن تمتلكهم هذه الكآبة المدمرة. على هذا الأساس أقامت الكاتبة نظريتها على خلفية إعجابها بهؤلاء الشعراء. فوضعت أمامنا نصوصا مذعورة، متوترة، مرتجفة، وحائرة رغم شفافيتها، من دون أن تنبش القبور، بل احترمت سكينتها وكشفت عن تعاطف مرهف مع معاناة هؤلاء الذين شهدوا الموت وسعوا نحوه!

 

من كتاب "سيجيء الموت وستكون له عيناك"، قصيدة "توق" للشاعر البلغاري "بيو بافوروف":

 

القلب يرتجف من جديد

أمام طرق بلا بداية ولا نهاية

أنا ذاهب وحيداً في رحلة

وإذ أنظر عبر ضباب الغد

لا أرى إلا ظل كآبتي

مرفأ سفينتي الوحيد.