العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

مازن نجار : الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه

حاورته مريم خريباني
الجمعة 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 
New Page 1

بعد فوز مجموعته الاخيرة  بالمركز الاول لجائزة المزرعة, الشعرية ,وهي لا تزال مخطوطة , و نأمل ان نجدها في المكتبات قريبا . كان ل"تحولات" الحظّ  في محاورته حول تلك الجائزة وحول امور عديدة تشكل هموما ثقافية  , ينوء تحتها الشاعر  تحديدا , لشدة حساسيته و شفافية  ردات فعله .

مازن نجار الشاعر الذي صرح أن الأنثى هي الأصل فقال

أنا من تعرى مني حتى صرت أنثى

تهجره حبيبته فيستصرخ عودتها وينادي

دعيني أعود

نسيتً على

مراياكِ وجهي

وما عاد يعرفني أحد أو يراني

يقول عن طفولته البريئة

 عندما كنتُ صغيراً

كانت المآذنُ أعلى

  ربما قد طالت قامته .........أو ربما أصبحت المآذن أقصر ....أو ربما ازداد يقينه أو فقد براءته...أو ربما تحمل القيمة أبعاداً أخرى عن النسق و المقدس و الحتميّ

يمشي في درب حياته الطويل أو في درب الشعر ويتوه عند المنتصف لأن اسمي البداية و النهاية يصبحان غير ذي قيمة فيقول

لم أستدرْ

سوى حين أيقنتُ أني لن أستطيع الرجوع

وحين يأزف عمره على الانقضاء يوقن أنه سيكتشف أن ما حققه كان غير ما تمناه حقيقة فيقول

 ليتني أعرف الآن حقاً

أن كل الذي قد تمنيت ليس مناي

أبدأ معك بتهنئتك بفوز مجموعتك الاخيرة   بالمركز الاول  لجائزة المزرعة , و هي الجائزة الرصينة التي تجري في سوريا  منذ ما يقارب العشر سنوات .

ما الذي يعنيه هذا الفوز و ما هي رؤيتك لمسألة الجوائز في مثل هذه المجالات الابداعية ؟

الشعر الحقيقي لا يحتاج لجائزة للدلالة عليه و إثبات وجوده ..يبدو الأمر بديهية غير قابلة للدحض إلا في زمان كزماننا تغربت فيه الكلمة والمبدع معاً...وربما أصبحت الجوائز  بعيضاً من مناخات ينيخ فيها السائرون  في دروبهم...

يحتاج الأمر لنقاش أعمق, أيضاً حين نرى مجموعات شعرية لم تفز إلا لتسد الأمكنة الشاغرة في سلم التراتب من الأول حتى الثالث في بعض الجوائز ...أو حين نرى مجموعات كاملة وكأنها كتبت خصيصاً للجائزة حتى أفرزت ما يمكن أن أسميه شعر الجوائز ....الاكاديمي في رؤيته للتجديد و المحايد مع الذات و المجتمع في  لونه الرمادي.

شخصياً أكن احتراماً لجائزة المزرعة حينما كنت أقرأ المجموعات الفائزة فيها  ,و سعدت حينما عرفت أسماء الشعراء المحكمين هذه السنة الذين أحببت ما قرأته لهم من قبل من شعر و نقد

الشعر الحقيقي, بعيدأ عن أي جائزة,  هو ما يدميني حتى لا أعرف حدود جرحي أو حتى  , أحن على السكين لتصبح جزءا مني وتتهمني بأني من  طعنها ....هو الذي يجعلني أحدث كل من أعرفهم عنه , ومن يجعلني أهتم بإطعام عصافير الأسطحة حينما يباغتني الصباح بسطرين صارخين ..وربما تتصاغر الجائزة بكل ما فيها أمام شعر حقيقي, أو بالأحرى يصبح الشعر هو الجائزة التي تكسبها أي مسابقة , لأن الشعر يهب ولا يوهب .

ذلك ما أريد أن أبلغه حقيقة, ويعرف الأصدقاء والندماء في رابطة الأدباء في الكويت  ,الذين أشتمّ معهم ذات الأنفاس  والذين يشاطروني نصوصي , أني كنت سأرمي سبعين بالمئة من مجموعتي تلك لأني أحس أنها ليست ما كنت أريد قوله حقيقةً .

ما الدور الذي لعبته الغربة عن الوطن , و عن ادلب مسقط الرأس و مرتع الطفولة و الذكريات , في دفعك الى الشعر اكثر فأكثر وأنت تزاول  العمل باختصاصك في الهندسة المعمارية في دولة الكويت.

في الغربة  تكتشفين حقاً أن الوطن هو الذكريات ..يصبح الوطن أكبر من الأرض الفيزيائية و الخريطة و جواز السفر , يصبح هو المعادل الموضوعي للذاكرة بكل أبعادها المكتنزة ألماً ونزيفاً .

أصبح القلق هو أول ما يجحظ من حقيبتي عندما أبدل الأوطان هربا ًمنه , وصار السفر الذي يقتضيه عملي حاجة للتنفيس عن تضخم الذاكرة ... الغربة سجن نعيد فيه إكتشاف ذاتنا من جديد بعد أن يفسح لنا المجال لأن نكون نحن نحن لا أن نكون كما رسم لنا في المرآة أن نكون ..معها نستشعر متعة البدء من جديد ومرارته عندما يصبح الصفر جرعة شجاعة  يمتلكها من لا شيء عنده يخسره .

كتبت حينها :

بين بينين أمضي

أحوك جناحيّ من أغنيات الغجر

أصيف بأمسي و أشتو بشمس غدي

ألامس ظلي قليلاً وأعلو

لأرحل نحو "هناك"

كلما قاربت ذكرياتي "هنا" أن تصير وطناَ

كيف تهندس العالم بطريقتك الشعرية , باعتبار الشعر مقاربة جمالية لغد أجمل  ؟ أتفرّ بالشعر , الى عالمك المغاير ؟

الشعر  "طباق" مع الحياة من نوع آخر!

والطباق كمصطلح في علم البلاغة يمثل جمعاً للأضداد وتآلفها في سياق لفظي واحد.

وفي الشعر المعادل المثالي لتجليات الروح , يصبح الطباق بحثاً عن كينونة أخرى تحلّق فيها الروح كي تمارسَ جنونَها و ما لم تستطعْ أن تناله إلا على الورق .

الشعرُ في هذه الحالة أيضاً قد يحول الطباق ذاك إلى جناسٍ مهمتُه أن يعكسَ مرارة الحياة كما هي كي نستطيع أن نغيرها إلى عالم أفضل .

وبقدر ما نستطيع أن ننقل حياتنا باحتراف بقدر ما تتضح لدينا معالم الحلم كي نراه جهاراً نهاراً....

لم ألجأ إلى الحلم بعد, ربما لأني ما زلت مفتوناً بمتعة الإكتشاف الأول  للقبح حتى الآن وأحس أن دوري يتمثل في عكس هذه المرارة كي أحلم بحلاوة أخرى .

في إحدى قصائدي اكتشفتْ ذاكرتي الطفولية أني كنت لا أحب شرب القهوةِ في صغري بسبب طعمها المرّ ككل الأطفال وذهلت كيف أدمنتُ عليها  الآن كل صبح وعاشرت مرارتها...لأقول

كبرتَ..كبرت

نسيتَ المرارةَ في القهوةِ الآن ...لمّا كبرت

تعودتها كلّ صبحٍ

لتغسله بالسواد

وتحرقَه مثل أمس

هل ترى مفاعيل حقيقية ناجحة لادوار قام بها مثقفون معينون  فساهمت في خلق وضع افضل ( ثقافي , اجتماعي , سياسي , انساني ....... ) ؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه مثقفو الجيل الحالي؟

الأمر منوط بعقلية صانع القرار في أي مجتمع .

لا نزال غير ممتلكين للأدوات التي تمكننا من أن نبرز ما يمكننا عمله بعد زعيقنا و تذمرنا .

قال يحيى حقي مرة " مثقف أخوك لا بطل" وأنا أرى أن الدور التنويري للمثقف يتم الإستيلاء عليه من قبل المجتمع برموزه الماضوية قبل أن يتم الأمر عن طريق السلطة التنفيذية .

نحتاج إلى الكثير من التصالح مع مجتمعنا بعد أن تغربنا عنه .

كل الحركات التقدمية لتي نشأت كانت مشكلتها الأساسية أنها نخبوية ولم تستطع استيلاد ثقافة شعبية ملائمة لتطلعات الحرية كغريزة اساسية لدى أي إنسان .

كيف تصف المشهد الشعري الراهن , تحديدا , و التيمات الشعرية التي تحكمه ؟

المشهد الحالي زاخر بما يحويه من تباين و تنوع .وأثق بأن جيلنا الحالي سيصنع شيئاً مختلفا ً.

وفي ظل هذا الإزدحام و ما وفّرته و سائل الإتصال من إمكانيات للنشر و الظهور, يصبح الجو مشحوناً باختلاف إيجابي و لعلّ مناخ الديمقراطية الثقافية التي وفرتها بيئة الإنترنت, بأن  جعلت الكل على مسافة واحدة من القارئ هي اختبار حقيقي لنا  كمبدعين و لقدرتنا على الوصول و التجاوز.