العلاقة بين الدين والدولة

العدد 4 - تشرين أول 2005 : المطران غريغور حداد
الاربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 

في القرن التاسع عشر، أعلن الفيلسوف نيتشه أن الله قد مات. وسار في جنازة الله الكثيرون من الفلاسفة والعلماء والشعراء.

وتحرك السياسيون والعلماء في السياسة والاقتصاد وأنظمة المجتمعات. ونشأت نزاعات بين الراغبين في السيطرة على الدول. من جهة المنتمين إلى ديانات مختلفة والمقتنعين بأن الله يجب أن يوجه الحكام في سياساتهم، ومن جهة أخرى المعتبرين أن المجتمعات يجب أن تحدث أنظمتها بدون أي رجوع إلى دين أو إيمان.

" ـ لا يكفي القول بأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة.
ـ العلمانية لا تنشأ من فوق بل من القاعدة الشعبية.
ـ العلمانية تلتقي مع قيم الديمقراطية والحرية والمساواة والمواطنة.
ـ العلمانية الشاملة تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان. "

وبعد أن سادت في الدول الغربية القوانين الدينية المسيحية، وجابهتها حركات التحرر من المسيحية، واستبدالها بالأنظمة العلمانية، أخذت الدول الإسلامية تحاول استعادة دور الدين والشريعة القرآنية، إما لإنشاء دول إسلامية، أو دول تستوحي تشريعاتها من القرآن، كلياً أو جزئياً.

وإذاً مقولة موت الله في أيامنا تتلاشى شيئاً فشيئاً لتحل مكانها مقولة الروحية الدينية المطلوب أن تأخذ مكان العقائد الدينية. وكثر الكلام عن التعددية أو التنوعية الدينية، ونما مفهوم العلمانية لتجاوز الصراع الذي استشرى بين الأنظمة المدنية والشرائع الدينية.

ولكن هذه العلمانية لم تولد أحادية المفهوم، بل تشعبت إلى علمانيات متنوعة، منها ملحدة، ومنها لا أدرية، ومنها لا مبالية بالدين وبالروحيات. وقد نشأ في لبنان أوائل القرن الحادي والعشرين، ما سُمي بالعلمانية الشاملة، تبناها تيار المجتمع المدني، وبعض الهيئات الأهلية أو المدنية الأخرى.

وتحدد العلمانية الشاملة بأنها استقلالية مكونات وقيم الدين عن مكونات وقيم العالم، (ونشدد على فتح العين في العَلمانية على أنها مشتقة من العالم لا من العِلم). وتعتبر هذه العلمانية الشاملة أنها ذات حياد إيجابي تجاه الأديان. أي تعتبر أن الأديان لها قيمها، وأنها من مستلزمات بناء الإنسانية، وتترك الحرية للمجتمعات لكي تتألف وتنمو. لذلك فالعلمانية الشاملة هي على مسافة واحدة من جميع الأديان.

والعلمانية تدعى شاملة لأنها تشمل جميع أبعاد العالم فهناك العلمانية الشخصية، العلمانية السياسية، والعلمانية الوظيفية، والعلمانية القانونية، والعلمانية المؤسساتية، والعلمانية القيمية.

والعلمانية الشاملة يجب أن تبقي الحرية لباقي النظريات المجتمعية، فلا تصبح دغمائية متشددة تحكم على كل ما سواها فتصبح ديناً مدنياً متعسفاً.

وقد نشأت علمانيات في بعض الدول الماركسية التي حاربت الأديان.

والعلمانية لا بد لها إلا أن تلتقي مع قيم مجتمعية أخرى، مثل الديمقراطية، والحرية، والمساواة، والمواطنة. ولا يكفي القول بأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، فهذا أحد أبعاد العلمانية، الذي لا يتم إلا بعد أن يتغير مفهوم الناس لمجتمعهم. فالعلمانية لا تنشأ من فوق بل من القاعدة الشعبية، في أفقيات المدنية.

وبلداننا العربية بحاجة إلى هذا المفهوم من العلمانية الشاملة الحيادية.