العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

قتلوها...قتلوني...أعرف من هم

زاهر العريضي
الجمعة 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

يمشي في الشوارع ، يستوقفه الكبار والصغار، يغرقون ساعات في الضحك معه ، يتغامزون عليه، يطاردهم  فيتبعونه. يعود الى بيته، وفي كثير من المرات لا يعود .

"قتلوها، قتلوني، بعرفهن مين"، عبارة لا ينفك يرددها طوال الليل والنهار .

كنت أراهم مجتمعين حوله في ساحة البلدة، يسألونه ويغرقون في الضحك، يقول اشياء لا يفهمها احد ، يظنون انها من نسج خيال مجنون ليس الا.

لا احد يريد ان يصدقه ،بالنسبة اليهم هو مجرد مجنون يستمتعون باوقات من الفرح معه، ربما لانه يقول ما لا يستطيع احد قوله، فلا حدود وحواجز لكلماته، هو الوحيد الذي لا يحسب حسابا" لشيء ، ولا احد يمنعه من قول ما يريد .

كأنه بعد ان اصبح مجنونا، فك عقدة لسانه وحطم قيود الممنوع ، وكسر حواجز الخط الاحمر واعادة الثقة بنفسه. هو الذي حبل الحزن في داخله حتى اصبح مولودا غير شرعي ، يلاحقه رجال الامن باستمرار، يقيدونه، يعذبونه يستجوبونه حتى يقول كل الحقيقة، ثم يفكون قيده بعد مسرحية من الضحك المتواصل بعنوان الخرافات الذي يبتدعها.

الحقيقة تعمي ابصارهم وتحولهم من محققين وجلادين الى سجناء. تهمة الجنون تعطيه حريته ، فلا تغتال افكاره ولا تجمرك كلماته ، ولا يحاسب على فعله ولا يدفع ثمن مواقفه.

هو الذي حاول ان يبحث عن الحرية عبثا وفشلا، فنجح في إدراك ذاته .

في بادىء الأمر، كنت أحاول ان استشف منه لماذا يردد هذه العبارات. لكنني فشلت بعدما أدركت جنونه.

انه صديقي الذي تحول جرحاً، أتألم ولا استطيع فعل شيء لأشفيه. وأكثر الأحيان اشعر بأن المعادلة مقلوبة. قد يكون هو كل الحقيقة وكل الحرية،وانا المريض .

قصته لم تنتهي فصولها بعد، كانت قد بدأت منذ ثلاث سنوات يوم دخلنا في دائرة العنف، الذي ضمنياً كان يلاحقنا منذ ان ولدنا.

لم نكد ننته من شبح الانفجار الكبير حتى أطل مسلسل متنوع بعيناته الصغيرة الموزعة هنا وهناك. أضحى الوطن وشعبه ضحية ما يجري، ولكن لماذا؟ ومن تلك اليد السوداء التي تقترف كل هذه الأعمال ما زالت حتى الساعة مجهولة الا لليد الأخرى الجاهزة دوماً لتوجيه أصابع الاتهام لها.

قد يكون هنا الجزء الأساسي من الحادثة.

السؤال: كيف أصبح صديقي مجنوناً؟ ولماذا يردد عباراته المشهورة " قتلوها، قتلوني، أعرف من هم"؟

كانت ظله، مرآته. وكانت ابتساماتهما تغرق العتمة ببصيص أمل، هما من مرا بجانب الموت فاختبأ من وهجهما. لم تشأ ان ترحل برصاصة طائشة ولكن، في وطني الموت جبان وحاقد على الأبرياء، يصطادهم عند المفارق، في وضح النهار، امام أعين الناس.

كان على موعد معها، كالعادة... في ذاك اليوم وهي آتية اليه على وشك ان تصل.. قبل ان تلتقيه.. قبل ان تطبع قبلة وتترك وردة وتقول وداعاً يا حبيبي ..كان الانفجار. الانفجار اليوم بات شيئا" طبيعيا"، تنظر الى تلفاز وتعود الى عملك... أربعة قتلى او خمسة...

موكب لشخصية سياسية... اضرار في المباني... لم يعرف من السياسيين المستهدفين... بعد قليل يأتي الخبر. وتزاول عملك بشكل طبيعي، كم هو صعب ان يصبح العنف شيئاً عادياً من حياتنا اليومية. لكننا اعتدناه...

لكن مع صديقي، كل شيء انتهى في احدى حلقات مسلسل الحوادث الوطنية. كانت هي تمر وكان الموت جباناً وحاقداً على مسافة قصيرة من موعدهما كان ينتظرها. صرخت، تناثرت دماؤها، هرع صديقي اليها. بين يديه، قالت كلماتها الأخيرة. تمتمت وغرقت عيناها بالنعاس الأبدي، وغرقت عيناه بالدموع التي ما جفت حتى اليوم.

كانت قصتهما اجمل من ان تحكى، وابعد من ان تنتهي، لكنها غرقت في النعاس، وهو اصبح مجنوناً... يردد عباراته في الشوارع وبين الأزقة، يستوقفه الكبار والصغار، يغرق في الضحك حتى الثمالة، هو يعرف من فعل ذلك ولكن لا احد يريد ان يصدق.

يقول صديقي: "قتلوها... قتلوني... اعرف من هم".

يكفي ان تعرف حجم الكراهية التي نحملها تجاه بعضنا، وحجم الحقد الذي نكنّه لبعضنا، والمسافة الكبيرة التي بيننا، والتي تزداد حدّة وتغذيها طوائفنا، لنعرف من قتل حبيبة صديقي وكل احبائنا، ويقتلنا كل لحظة.

قد يشفى صديقي...قد يشفى حين نصبح جميعنا مجانين