العدد السابع والعشرون - تشرين الاول

الوَعْدُ

أحمد حافظ
الجمعة 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
 

لِتَنْعَمِ الرمالُ بخفِّةِ أقدارها:

نعالاً تتداولها الرياح،

أَسِرَّةُ تُجَوِّفُها الزواحف،

كتلاً هَشَّةً مُعَرّاةً لسياط الموج.

بلا زمنٍ غير السكون،

ولا نبضٍ غير السراب،

ولا عُمْقٍ غير الفراغ.

 

أمّا الصخور:

فمُخَيٍِّلَةُ ماءٍ، وأعشاشُ لَهَبٍ، ودفاترُ جذور.

تَشْتَقُّ الينابيعَ كلما آنَسَتْ بَرْقاً،

تُفَسِّرُ الخطى للغيم بذوراً/

تحيا أَبَدَ وقفتها بين قَلَقَيْن: نارٍ الأعماق وعواصف الذرى.

لا تنشق إلا لتروية أو تنبت،

لا تنحدر إِلا لتُهذِّبَ سَيْلاً أو تجْرُفَ ركام خريف،

لا تنكسر إلاُ إذا اسْتَدَعَتْها رعشةُ إزميلٍ أو أسُسُ بُنيانْ.

* * *

لِتَشْرُدْ نطافُ النزواتِ الرخوةِ على أعتاب الأرحام:

أسماكَ رغباتٍ في أحواض اللذة،

شظايا فحولةٍ صعقتها بروقُ الأنوثةِ،

جَمْرَ سُلالةٍِ يرتقبُ لهبَ الغدِ في موقد الحاضر.

 

إنْ هي إلاّ غطساتُ لَهْوٍ ونشوةٍ حتى تَكِلَّ الزعانفُ

ويلفظها التيار،

رشقاتُ بهجةٍ يتلوها طنينُ الصمت وارتماءُ الطلقاتِ

فارغةً على تراب العَدَمْ،

هَبَّاتُ دفءٍ وضوءٍ تُؤْنِسُ قميصَ الليل إلى أَنْ يَشُقَّهُ

الفجرُ... فتخْمدَ ويقهقه الدخان.

 

أما صَبيبُ الحُبِّ المبثوثُ في روابي الأمومةِ:

فمُمْسِكٌ بمحاريثه إِلى أَنْ تبزغَ بذرةُُ التكوين فيُغْمِدَ في

بؤرتها ضَوْءَهُ،

شاحذٌ أجنحتَهُ حتى يتمَّ نسيج العش،

مُضاعِفٌ خلاياه بمشينة النسغِ المدمى،

قارعٌ نوافذَ وَحْدَتِهِ هديلَ صداقةٍ لأجنّةٍ أخرى،

مُزَحْزحٌ على مهل أغشيةَ العتمِ كي تندلع ـ في فورةٍ

واحدةٍ ـ شلالاتُ المخاضِ.

* * *

لِيَهِبَّ الغبارُ أَنّى شاءَ له القحط:

مُلمْلِماً أجنحتَهُ من قشور الكائنات،

مُجْتّراً صفيرَهُ بين أشداقِ الحُفَر،

ناكشاً الخرائبَ بعكاكيز الخريفْ.

 

أقصى ما يستطيع رَدْمَهُ ـ إذا تكاثَفَ ـ مواطئُ الأقدام أو هوامشُ الشَجَرْ،

أعْمقُ طعناته يذروها سعالُ رئاتٍ غضة،

وكلُّ ما يكتبه يَمَّحي حين تفرك الغيومٍُ جفونَها.

 

أما الموج:

فشابِكٌ عروقَهُ في سُرَّةِ الكونِ: عناقَيد تَكْنُزُ فيها العناصرُ

نيرانَ أسرارها،

وساكِبٌ خُطاه للمدى: نوافيرَ تُمْلي على الغيمِ مَعْنىَ

المطرْ.

صَدْرهُ للشمس: به تحرث العتمَ، فيه تنسج الفصولَ، منه تَرُشُّ أَخْيلةَ الزمانِ على غُضار الأمكنة.

ونبضه مع القمر: مَدّاً كفوران الشهوةِ: يخلخل

الأسوارَ، يَفُضُّ العُرى، يَفْرُشُ التجاويفَ، يكوي

بشفرات الملح ثآليلَ الخُلجْانْ.

وجَزْراً كرعشة الفيض: يبذر نطافَ أعماقه في صميم

اليابسة مُسْلمِاً للريح مفاتيحَ الجِهاتْ.

* * *

لِتَرْقُدْ أشباحُ (كانَ) على بيض الخرافة محدودبةً طَيَّ

المغارات،

ولْتَشْخَرْ قطعانُ (سَوْفَ) مخمورةً على وُحولِ الأرصفة.

 

أما قطارات (الآن) فعلى السكة:

صفيرُ مراجلَ يُبَخِّرُ المسافات،

وَعْيٌ يَقْدَحُ عجلاتِهِ بين مُتوازِيَيْن: تضاريسِ اللحظة

وسَمْتِ الهدف،

نوافذ تُشْعِلُ ـ قبل الرحيل ـ من كل فسحة أفقاً، تَجْبُلُ ـ في كل محطةٍ ـ صلصالَ فكرةٍ، وتكتظ ـ آنْ الوصول ـ بأعشاش صورٍ ورفرفاتِ أصابع.

* * *

ليزْحَفْ حُواةُ (نَعَمْ) على بلاط الراهن:

بِأَيْدٍ تُؤَوِّلُ الأصفادَ حريراً،

وضمائَر رطبةٍ تتقارضها جرذانُ النَدَمْ،

وألسنةِ ـ ثعابين تسعى لاعقةً بدماء الرعيِّةِ غبارَ العروش.

 

أمّا جذوع (لا) فنافِرةٌ في الساحات:

رماحاً في أيدي القائلين، شُعَلاً في صدور السامعين،

والصدى نواقيس تزفُّ على نوافير الحلم طيورَ الآتي.

* * *

لِيَطْفَحِ الفِطْرُ بُثُوراً على بشرة الأرض:

أصْلُه ـ مهما امتدَّ ـ صدى قهقهاتِ رَعْدٍ طائش،

فَرْعُهُ ـ ولو تناسَلَ ـ صُدْفَةٌ عمياءُ تعثّرتْ بالضوء.

إذا تطاول فِليَنُوسَ أراجيحَ للغربان،

وإذا أثمر فمزيجاً لئيماً من عذوبة السمّ ومرارة الترياق.

 

أمّا القمح فيقينٌ منذورٌ للتجربة:

من عزلة البِذرة بين أنياب الصقيع،

إلى دبيب النَّسْغِ خَفِيْتاً مُقَطَّراً،

فانعقادِ السنابل بِأبَرِ الشمس وخيوطِ الريح.

 

لا يُنْجِزُ وَعْدَهُ إلاّ على وَقْعِ المناجل،

لا يَسْرُدُ معناه إلاَّ لِعَرَقِ عاجِنِيْه،

لا ينشر غايتَهُ إلاّ في فرن الحقيقة.

* * *

الرقة ـ تموز 2006