حوار مع الشاعر عبد القادر الحصني: لا تستطيع الثقافة أن تساهم في التغيير ما لم يكن جديّاً على الصعيد السياسي

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
ـ شعراء السبعينيات والمجيدون من بعدهم قدّموا إضافات حقيقية على صعيد إحكام بنية القصيدة ـ لا تستطيع الثقافة أن تساهم في التغيير ما لم يكن جديّاً على الصعيد السياسي ـ محمد الماغوط يكتب الآن بدراجة مرفوعة العجلات عن الأرض!! ـ أدونيس سمكة في هواء الشعر ـ اكتملت تجربة فايز خضور الشعرية ـ أهم ما صنعه المسؤولون معجزة بقائهم إلى ما لا نهاية!

س ـ كيف ترى الشعر العربي اليوم؟!

ج ـ ثمة برهتان في الشعر العربي اليوم، كما في كل معطى من معطيات الحياة، برهة جمع وبرهة فرق، على حدّ تعبير الصوفيين، في برهة الجمع عدد هائل ممن يكتبون الشعر وعدد مخيف من المجموعات الشعرية التي تشكل في معظمها الأعظم كمّاً لا يفضي إلى نواة ولا يضيف شيئاً إلى التراث الشعري العربي عبر عصوره، أما في برهة الفرق ثمة قامات شعرية مهمة على امتداد العالم العربي وفي كل قطر من أقطاره، نفر قليل العدد من الشعراء يصنعون المميّز في العطاء الشعري العربي ويفرضون خصوصيات تجاربهم وبعضهم يضع اسمه في لائحة كبار شعراء العالم وأنا أعتقد أنّ برهة الفرق هذه، هي التي ينبغي على أساسها أن نقوّم الشعر العربي اليوم، كما جرى تقويمه في عصوره السالفة على هذا النحو. لهذا ترى أن الإجابة على هذا السؤال إجابتان الإجابة الأولى تقوّم المجمل على أنه في معظمه الأعظم حالة مترديّة وأنه في قليله الأقل شعر حقيقي، يقدم الأمة العربية في هذه المرحلة التاريخية خير تقديم.

س ـ هناك رأي يقول إنه لم تظهر أية تجربة شعرية نافرة أو متميزة خلال أكثر من ربع قرن مضى، وكأننا الآن ما زلنا نعيش على إرث جيل الستينيات والسبعينيات، دون أية إضافات حقيقية.. كيف تفسر ذلك..؟!

ج ـ ليس صائباً هذا الرأي، فشعراء السبعينيات ومن تلاهم من المجيدين قدّموا إضافات حقيقية على صعيد إحكام بنية القصيدة والتعامل مع تقنيات شعرية جديدة والسعي إلى تعامل جديد، مع الرؤيا الشعرية على صعيد المضمون. شعراء الستينيات كانوا متحدّرين من الشعراء الرواد تحدراً آلياً إلى حد كبير، فلا نجد لديهم همّ تطوير الشكل في القصيدة فكأنهم كانوا مكتفين بما أنجزه الرواد من كسر نظام البيت وفتح عدد التفعيلات في السطر الشعري فيمكن ببساطة إلحاق كل ما كتبه شعراء الستينيات بتجربة الرواد إلحاقاً آلياً عدا استثناءات كانت تحمل همّ الخروج بالقصيدة الحديثة إلى شكل أكثر حداثة، أحد هذه الاستثناءات فايز خضور في سوريا. من الأسماء الشعرية العربية التي قدّمت إضافتها من جيل السبعينيات وما تلاه: محمد علي شمس الدين، حسن عبد الله، منصف الوهايبي (تونس)، محمد حسين عيسى (اليمن)، طاهر رياض (الأرن)، نزيه أبو عفش، علاء الدين عبد المولى، محمود نقشو (سوريا).

س ـ الأشكال الجديدة التي يحاول الأدباء الشباب اكتشافها وتجربتها هل هي نتاج أزمة ثقافية أم شعرية، أم مقدمات لولادة فنون جديدة؟!

ج ـ هي كل ذلك، ولا أرى تناقضاً في أن تكون مصادر هذه النصوص هي هذه المقدمات، وأنظر إلى ما ينجز في هذا الإطار، نظرتين النظرة الأولى تخص عدداً كبيراً ممن يقترفون هذه الكتابات انطلاقاً من الاستسهال والتفلّت وعدم وعي الشعر، ونظرة ثانية تخصّ المبدعين الذين دأبهم مغادرة الأشكال القديمة والبحث عن شكل جديد، هؤلاء بعددهم القليل بل النادر، منهم ستكون الأسماء القادمة التي سيحسب لها شرف المغامرة، وأعتقد أن هناك في الواقع، عوامل كثيرة وراء دخول الشعر في هذا الدرك من الاتّضاع وإلى هذه الدرجة من القلق المشروع لاجتراح الجديد. وإذا كانت هذه التجارب في إبان بزوغها الآن فإننا نجد اللافت والمهم فيها قليل ونادر، وهذا شأن كل تجربة في بدايتها فمعظم الشعراء، أقول معظمهم وليس كلهم الذين رسخت أسماؤهم فيما بعد قدموا في البداية مجموعات شعرية متواضعة: فايز خضور، محمد عمران، علي الجندي.. وكل من يخطر على بالك إلا من رحم الشعر.

س ـ تُوجه انتقادات شديدة لاتحاد الكتاب العرب خصوصاً من الأدباء الشباب، على أنه مؤسسة ديكتاتورية تغرق بالروتين، وتتصف بعدم الفاعلية، كيف ترى أداء هذه المؤسسة، وهل أنت راضٍ عنه؟!

ج ـ اتحاد الكتاب العرب مؤسسة، وفيها شيء من هذه الاتهامات التي تُوجّه إليه، ولا نستطيع أن نفصله عن مجمل الحياتين السياسية والثقافية في سوريا، فهو يحمل مميزات هاتين الحياتين في الثلاثين سنة الأخيرة ولكن من جهة أخرى، ينبغي ألا نغمض أعيننا عن الإيجابيات الموجودة في هذه المؤسسة، فالاتحاد قد أصدر حتّى تاريخه حوالى ألفي عنوان من الكتب، ومن ضمن هذا العدد عدد كبير من العناوين لكتّاب وشعراء يصدرون لأول مرة، أليست هذه إيجابية؟! والاتحاد يصدر مجموعة من الإصدارات الدورية (صحف ومجلات) وهي مستمرة منذ عقود من الزمن (الأسبوع الأدبي، الموقف الأدبي، الآداب الأجنبية، التراث العربي، الأدب العربي باللغة الإنكليزية، الأدب العربي باللغة الفرنسية). وهذه الإصدارات تنشر للمئات من الكتّاب السوريين والعرب، هذه إيجابية أيضاً. والاتحاد يغطّي القطر العربي السوري بالنشاطات الثقافية بمئات الأنشطة في مختلف المحافظات وبمشاركة عدد كبير من الكتاب والشعراء، هذه إيجابية أيضاً. وليكن بالعلم أن هذه الإنجازات تتم بالإمكانيات المادية الذاتية للاتحاد أي أنّ الاتحاد لا يتلقى أية مساعدة أو معونة أو ميزانية من أية جهة فمن إيرادات مبناه وإصداراته يحقق هذه المنجزات يضاف إلى ذلك ما أنجزه من مقرات لفروع الاتحاد بالشراء أو بالإعمار، وبعض المشاريع الاستثمارية التي تقوّي الوضع المادي للاتحاد وتتيح له الاستمرارية على مختلف الصعد بما في ذلك صندوق التقاعد الذي يقدم مرتبات شهرية للأعضاء المتقاعدين. ولا يحسبنّ حاسب أنني أورد هذه المنجزات لأغطي على ما في الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد من صدق في بعض الحالات لاسيما تلك التي يطرحها المبدعون الذين يريدون للإبداع منابر متعددة ومختلفة تمتلك قدراً أكبر من الحيوية والتناقض. ولجان القراءة في الاتحاد هي آلية عمل لابدّ منها، فما من جهة مصدرة للكتاب إلا وتعتمد قراءً أو هيئة استشارية لتقويم المخطوطات قبل طبعها. هل يمكن أن تظهر بعض المآخذ على هذه اللجان؟ أجيب نعم. فثمة قرّاء يتأخرون كثيراً في قراءة المخطوط ويبقى المخطوط لديهم شهوراً، وثمة قراء يكونون منحازين في بعض الأوقات إلى نمط شعري معين أو إلى رؤيا فكرية معينة وبعضهم يمكن أن يكون غير جدير بتقويم المخطوط الذي بين يديه ولكن هذه المآخذ يعالجها الاتحاد أولاً بأول. وآلية القراءة في الاتحاد لا تتيح لرأي واحد أن يكون مستبداً بمصير المخطوط. فالمخطوط يقرؤه أولاً قارئان من اللجنة المختصة في الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه ثم يقرؤه قارئ ثالث من أعضاء المكتب التنفيذي وثمّة مخطوطات يبلغ عدد قرائها في بعض الأحيان خمسة قرّاء، إذا وجد المكتب ضرورة ذلك.

س ـ يحاول بعض الأدباء الشباب تأسيس روابط وجمعيات لهم مستقلة عن اتحاد الكتاب، هل ترى جدوى لذلك؟!

ج ـ أنا شخصياً مع إنشاء هذه الروابط والجمعيات وينبغي أن تكون حاضرة في الحياة الثقافية لأنها تعني التنوع، تعني التيارات المتجادلة والمتحاورة تعني الحياة السليمة في الثقافة والفكر، ولكن هذه الظاهرة لابد من أن تعاني مبدئياً من مخاض صعب بعد قرابة نصف قرن من غيابها عن ساحة الثقافة السورية. ويصعب الحكم الآن على أهميتها وما ستكون عليه ولكنني معها على أية حال. لأنني مع الحرية.

س ـ يدور الآن حديث عن الإصلاح والتغيير والانفتاح، فلماذا لا يأخذ الأدباء والمثقفون دورهم في هذا المجال؟! هل للاتحاد دور في ذلك؟ أو للأدباء بشكل عام؟!

ج ـ أولاً هذه الكلمات المتداولة في هذه الأيام عن الإصلاح والديموقراطية والانفتاح والتغيير لا أرى منها شيئاً على الصعيد العملي في الواقع. لن تستطيع الثقافة المساهمة في مثل هذه التوجّهات ما لم تكن في الأصل مطروحة بجدية وبقوة وبجرأة على الصعيد السياسي ولا أكتمك أنني أشعر بوجود بيان داخلي للجهات صاحبة الشأن في طرح هذه المفاهيم لاسيما الجهات الحاكمة وصاحبة السلطة، هذا البيان مفاده: كيف نغيّر على أن يبقى كلّ شيء على ما هو عليه؟ التغيير يحتاج إلى درجة عالية من الصدق والمسؤولية والإيمان به إلى درجة ألا يجد من يطرحه مانعاً من أن يتغيّر هو نفسه، وهذا أمر ليس بالسهل كما ترى بعد زمن طويل كان أهم ما صنعه المسؤولون معجزة بقائهم إلى ما لا نهاية.

س ـ أريد منك جملة أو رأياً مقتضباً بـ: محمد الماغوط ـ فايز خضور ـ أدونيس ـ محمود درويش.

ج ـ محمد الماغوط: مؤخراً يكتب بدرّاجة مرفوعة العجلات عن الأرض. فايز خضّور: اكتملت تجربته. أدونيس: هو مؤخراً سمكة في هواء الشعر. محمود درويش: أشبّه تجربته الشعرية بطيار يمضي في التحليق إلى أعلاه حتى الغياب ولن يقول أحد: رأينا طائرته تسقط.