إعلام بلا قضية

العدد 5 - تشرين الثاني 2005 : زيد قطريب
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
عاد الطارئون إلى مواقعهم، وانفتح قمقمُ المال السياسي على أفواج من العسس والمرائين، وما لمَّ لمّهم، في حملة يراد لها أن تنقلب على الحقائق والأزليات، فتصبح الجغرافيا كذبةً، والتاريخ عاراً جيّره (المستبدون) مثلما يشتهون!!.

هذه المرة، لم تصرخ النساء (وامعتصماه)، بل تقاطر ملوك الطوائف مع افتئاتاتهم يحشدون إلى (داحس وغبراء) جديدة.. ووزع قميص عثمان على المحطات الفضائية ووسائل الاعام العاربة والمستعربة، وانطلقت الأقلام المأجورة، والحناجر المسعورة، تندب على الشاشات وتلطم: نريد الحقيقة.. الحقيقة التي نحددها (نحن) ونعرفها سلفاً (نحن).. وإن كان بين تلك (النحن) والنحن سوف تضيع البلاد!!.

خلف هذا المشهد البانورامي، كان ديك تشيني في منزله الريفي يراقب الأحداث، ويقلب على ظهره من شدة الضحك!! فالأمور تجري أسهل مما توقع بكثير..

ولكي لا يصبح كلامي هذا منسجماً مع نظرية (المؤامرة) التي أصبحت تهمة جهزة توجه إلى كل من يحول الخروج على السرب المغرب داخل الجوقة الأميركية، يكفي أن نراجع الحملات الاعلامية المنظمة لبعض المحطات العربية والغربية، وأيضاً الاسرائيلية التي سبقت اغتيال الحريري وصدور القرار 1559.

للأسف، فإن معظم الهاربين أو الساخرين من نظرية (المؤامرة) تلك، وقعوا في مطب نظرية أشد خطورةً منها هي (التواطؤ والتسويف) عندما استعبدوا النس ووظّفوا الاعلام، وجيّشوا ما ملكت أيمانهم في سبيل خدمة احتمال واحد أحد، لا يقبلون بموجبه أي تفسير آخر!!.

حينها لم يتساءل أحد عن الموضوعية والدقة في الاعلام، تلك القيم التي تشكل ميثاق الشرف الصحي، وتغنّى بها الكثيرون قبل أن يدخلوا في هذا الامتحان الصعب والخطير.

ندرك تماماً أننا الآن دخلنا في عصر اللاقضية، أو هكذا يخطط لنا على أقل تقدير، حيث ينكفىء كل كيان عربي داخل ذاته، منشغلاً بجملة طويلة من المشاكل ولتعقيدت القديمة والمختلقة، لتتشكل حالة فصل لجميع العرى التي تجلت سابقاً في العروبة وأناشيد (بلاد العرب أوطاني).

وربم لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فم بدأ يرشح من أروقة الدارة الأميركية ومؤسسات الأبحاث والدراسات التابعة لها، يشير إلى سايكس بيكو جديدة تطبخ للمنطقة، وهي ليست جغرافية وحسب، إنما اجتماعية تهدف الى شرذمتنا الى طوائف وأعراق وإتنيات متحاربة..!

عندما قطعت إحدى المحطات الفضائية برامجها المعتادة عن الأزياء والطبخ ومطربات الجيل الجديد، ليباغتنا المذيع اليعربيّ الماكر بابتسامته الخبيثة، مسرّباً بعض ما جاء في تقرير ميليس قائلاً: (هذا صكّ إعدام سوريا)!! أو عندما رسم أحد الفنانين (الموهوبين) كاريكاتيراً في فضائية أخرى يصور فيه مبنى الأمم المتحدة منعقداً كالحبل حول سوريا التي بدت وكأنها تختنق..!! عندها فقط شعرت بالمرارة تجتاحني من كلّ صوب.. وتساءلت في نفسي: إلى أي درك نحن نازلون؟!.. عندما يصبح الإعلام بلا قضية، فكل شيء ممكن على أية حال!!.