لبنان : واقع وكيان

العدد 5 - تشرين الثاني 2005 : منصور عازار
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
لقـد وصلت الامور الى مأزق ، وبلغت المأساة ذروتها ، وحققت التداعيات الاخيرة افـعالها الشنبعة ، لم يعد امامنا ، الا ان نعود الى البداية ، التي منها ، تكون النهاية ويبدأ الخلاص .

لـسنا ندعي ان العصا السحرية بين ايدينا لنلغي اسباب هذه المأسـاة وتداعياتها ، ولسنا ندعي اننا نملك كلمة السر التي بها تكون خاتمة درب الالام التي مشيناها صليبا صليبا ، وتوكأنا على جراحنا حتى بلغنا سدة الالم ... ولسنا ندعي ايضا ، اننا نملك من حطام هذه السياسة اللبنانية الفانية ، الا التغيب الدائم عنها ، حتى لا نشارك بلغتها العنيفة ، في قتل الضحية كل يوم . لـسنا ندعي كل هذه المعطيات ، الا اننا نملك الايمان بالارض والشعب ، وبلبنان المقاوم والمتطلع الى غد افضل والمحصن بوحدته وقدرة شعبه على المواجهة والصراع .

ولا خـوف على لبنان ، ان كان اكثر ابنائه ، يعيشون هذا الايمان ، ولاننا كذلك ، مؤمنون بلبنان في المستقبل ، نقول دائما : انه سينتصر في النهاية على جميع اعدائه والمتربصين به .

لنقل الاشياء بصراحة ووضوح ، فلم يعد مجديا ان نخبيء علتنا واسبابها وآثامها فمن كتم علته قتلته فلا نختبىء خلف بريق الكلمات ، ووهج الشعارات ، وعدد المظاهرات فالحقيقة ليست هنا .

ليسـت الحقيقة في ان لبنان طوائف يجب ان نأخذ (مصالحها) و (طموحاتها) بعين الاعتبار ، حتى لا نفجر الكيان .

وليسـت الحقيقة كل هذه التسميات والمسميات بل هي اعمق وابرز ، والجواب عنها ، يشكل بداية الخلاص .

ان لبنان واقع وكيان .

الذين ينظرون الى لبنان على انه واقع مفصول عن الكيان السياسي الحقوقي القانـوني ، يخبطون خبط عشواء ، ويسيئون الى لبنان ، واقعا وكيانا ... والذين ينظرون الى لبنان ، على انه كيان مفصول عن واقعه الجغرافي الحياتي البشري وعن محيطه ، يهوون بلبنان الى القعر ، ويسيئون الى لبنان ، كيانا وواقعا .

وبتفسير يصل الى حدود التبسيط نقول :

ان واقع لبنان التاريخي والجغرافي والسكاني ، ليس منفصلا عن محيطه العربي البعيد ، وليس منفصلا ، ولا يمكن ان ينفصل عن محيطه العربي القريب . فواقع الحياة اقوى من وقائع السياسة ... الحياة باقية ، والسياسة تتبدل وتتغير ، ومنطق الحياة اقوى من منطق السياسة . فلماذا الوقوف ضد منطق الحياة . وضد منطق الواقع ؟

الـواقع اللبناني ، ليس منفردا ، بل هو متفاعل طبيعيا مع محيطه العربي ، الداني والقاصي ، وهو في هذا المجال ، كما كان مرارا ، سيد من اسياد العمل والفعل ، لغة وحضارة ، اقتصادا وثقافة ، ابداعا وتضحية ، ولا يستطيع ان يلغي هذا التفاعل الحضاري الطبيعي، غير الالزامي ، قرار سياسي ، او تعديل قانوني ، او حتى قيام كيان سياسي حر وسيد ومستقل .

فالعائلات اللبنانية لا يتكون منها المجتمع اللبناني ، بل ان الكثير من جذور وفروع هذه العائلات يمتد الى ابعد من ارض وكيان لبنان ... ان الحباة ممتدة بشكل طبيعي على المحيط ليس فقط عائليا ، بل اقتصاديا وثقافيا وحضاريا .

ان من يضرب هذا الواقع ، باسم الكيان اللبناني السيد المستقل ، يضرب اسس الكيان اللبناني ، لان اقامة التناقض بين الكيان والواقع يعني تمزيق الواقع والكيـان معا .

فـي مواجهة هذه الحقيقة التاريخية ، حقيقة الواقع اللبناني المتصل بمحيطه والمتفاعل معه ، والرائد في مجالاته ، تقوم حقيقة اخرى ثابتة هي حقيقة الكيان السياسي اللبناني .

فـلبنان دولـة مستقلة . ولبنان دولة ذات سيادة . ولبنان دولة معترف بها عربيا ، ودوليا ، وعضو فاعل في الاسرة العربية والمجتمع الدولي ... بمعنى آخر ، لبنان كيان سياسي جزء من واقع المنطقة السياسي ، فليس طارئـا عليها ، ولا هو دخيل ، ولا هو غريب عنها ... فمن يقوم باسم الواقع الحياتي ، ليضرب هذا الكيان ، الذي له اشقاء يشبهونه سياسيا ، يضرب الواقع الحالي ايضا . وليس المطلوب ، الغاء هذا اللبنان ، الذي هو ضرورة سياسية وحضارية ، في ظل ظروف سياسية اقليمية ودولية خطيرة جدا ، بل المطلوب ، اقامة العدل بالقسطاس ، بين الواقع والكيان ... وليس المطلوب ان نضع الكيان ضد الواقع ، ولا ان نقاوم الكيان بعقيدة الواقع ، فهذا الامر قد حصل على مدار هذه السنين المضطربة مرات عديدة ، بل المطلوب ان نزاوج بين عقيدة الواقع الحياتية وعقيدة الكيان السياسية ... فلبنان هو هذه التوأمة الحضارية الخلاقة التي يجب المحافظة عليها ، والتي من دونها يتمزق نسيج الواقع الحياتي ، الى طوائف متنابذة ،ويتقسم الكيان السياسي على قياس هذه الطوائف المعطلة لنمو الواقع الحياتي بشكل طبيعي والتي تحرف المسار الحياتي عن طريقه الصحيح

من هنا يجب ان نبدأ .

من احترام الواقع اللبناني الممتد عربيا ، ومن احترام الكيان اللبناني المستقل والسيد ، والمتصل بمحيطه اتصالا طبيعيا ، من دون الزام او اكراه ... فلا اكراه في الوطنية ، ولا اكراه في اللبنانية ، ولا اكراه في العروبة .

اذا ساد هذا المنطق ، واذا انكشفت هذه الحقيقة ، فانه لا يجوز بعدها ان نقع في التباس ، كأن نسوي ، بين الوجود السوري في لبنان ، والخطر الاسرائيلي الجاثم على حدوده ، كما لا يجوز ان نقع في التباس آخر ، يقضي بالتضحية بالكيان ، من اجل مواءمة الواقع الذي مزقته السياسة .

فلا واقع لبنان الجغرافي ، التاريخي ، قابل للتغير قسرا : لانه ضد قوانين الحياة ... ولا كيان لبنان السياسي والحقوقي ، قابل للتبديل قسرا ، ولو بالحرب لانـه ، ضد قوانين السياسة السائدة اليوم في العالم ... فلا الغاء ، ولا تعديل ، الا ان هذين الامرين لا يعفيان ضرورة اجراء اصلاحات اساسية اعلنا عنها مرارا ، وصلب الاصلاحات التي طرحناها ، يقوم على المواءمة بين الواقع الحياتي والكيان السياسي للبنان الحضاري .

انطلاقا من هذه الحقيقة وتأسيسا على هذا الفهم ، لواقع وكيان لبنان ، نقول لمن يهمهم الامر اليوم ، ولمن وضع مصير لبنان بين ايديهم : نحن معكم ، واذهبوا في المعالجة ، حيث الداء : اي الى تمكين اللبنانيين من ان يعترفوا جميعا ، بان هذا الكيان اللبناني هو التعبيـر الاسمى ، عن واقعهم وعن طموحاتهم .

الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان كان انتصارا رائعا للمقاومة وللشعب اللبناني بأجمله ولاعادة الحياة الى هذا الكيان السيد المستقل ، الذي يقيم اطيب العلاقات واكثرها صدقا ، مع اخوته العرب واقربهم اليه السوريون .

اننا نقول ذلك ، ونحن نشد على ايماننا ، لاننا مقتنعون بان الحياة اقوى من الموت ، والسلام مهما نأى ، اقوى من الحرب ، ولبنان اقوى من قاتليه .