أسئلة النهضة والهوية

العدد 5 - تشرين الثاني 2005 : سركيس أبو زيد
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

يواجه مشروع التحديث في العالم العربي صعوبات وعقبات عديدة يصعب اختزالها أو اختصارها. وقد تنوّعت المدارس في قراءة هذه المرحلة وتوصيف أسبابها وتحديد طرق الخروج منها.

على المستوى الخارجي ما زال العالم العربي محكوما بمشاريع الهيمنة من أجل استغلال ثرواته وإلحاقه بتبعية لمركزية التسلط وذلك منذ الاستبداد الطوراني مروراً بالانتداب الأوروبي والاستيطان التوسّعي الصهيوني وصولاً إلى العولمة الأميركية.

على المستوى الداخلي ما زال العالم العربي غارقاً ومكبّلاً بمخططات التجزئة والتخلّف وفوضى المفاهيم والعجز عن النهوض، مواجهة التحديات على أنواعها؟! إنه الرجل المريض الغارق في اليأس والاستسلام والاتباع. قاومت التحديات الخارجية والداخلية حركات قومية وإسلامية وماركسية وليبرالية على أنواعها وقد فشلت بمجملها عن بناء نظام جديد قادر على النهضة وتحقيق الاستقلال والتنمية والمواطنية.

نشأت مدارس مختلفة اعتمدت وعي الذات القومية من أجل تأكيد الهوية في مواجهة الغرب والصهيونية من جهة وبعث النهضة من جهة ثانية.

وقد مرّت النهضة في ثلاث مراحل: النهضة الأولى انطلقت في أواخر القرن التاسع عشر وقد عبّرت عن مواجهة الشرق العربي، مع الحداثة الأوروبية، ثمّ تحوّلت النهضة إلى ثورة تجسّدت في أنظمة قومية وحركات ثورية وتقدمية، سرعان ما فشلت في تحقيق أهدافها، وعجزت عن بناء نظام جديد وإنسان جديد. وقد تمثّلت هذه المرحلة بهزيمة حزيران 1967 يوم ضربت إسرائيل الثورة القومية الناصرية وامتدت وصولاً إلى ضرب الولايات المتحدة الأميركية في العام 2003 للثورة القومية البعثية في العراق مروراً بالحروب الأهلية العربية ـ العربية في لبنان والأردن والسودان والجزائر وغيرها، من أجل تطويق المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين وتدجين الأنظمة العربية التي تسعى إلى التمسّك بالثوابت القومية والتوجهات الوحدوية. وقد تم فعلياً محاصرة وتدجين اليمن والسودان وليبيا ويجرى اليوم الضغط على سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية من أجل إجهاض آخر مواقع للمقاومة والصمود. هذه المرحلة انتهت بغرق العالم العربي بأزمة حضارية شاملة تضعه أمام مفترق مصيري: إما استمرار العجز والسير على طريق التبعية والقمع والتخلّف والتجزئة، وإما إبداع نهضة ثانية وعبور طريق الحرية والتنمية.

والنهضة العربية الثانية إذا كانت ممكنة، هي في جوهرها استجابة للتحديات الخارجية والداخلية وتعبير عن مكامن قوّة الأمة من أجل إيداع طريقنا الخاص والمستقل في الإجابة على سؤال الهوية والنهضة معاً.

إن فكر النهضة الأولى كان أسير ثنائية الشرق/ الغرب، التراث/ الحداثة، العروبة/ الإسلام، الأصالة/ المعاصرة، العقل والإيمان...

لقد كتب الكثير عن روّاد النهضة، وعن أسباب النهضة العربية في القرن التاسع عشر كما طرحت أسئلة عديدة واكبت النهضة الأولى وتنوعت الإجابة عليها.

سؤال النهضة والهوية ما زال مطروحاً حتى اليوم لأن الإجابات كانت منحازة إلى الحاكم على حساب "الرعية" وفي معظمها كانت مشاريع تبرير للسلطة. الأسئلة تجاوزها الزمن والإجابات أصبحت تقليدية واليوم نحن بحاجة ملحة إلى طرح أسئلة جديدة وأجوبة حديثة.

استمرت الأزمة ولم يتمكن العرب من معرفة ووعي أسباب تخلّفهم. كل جهة قرأت الأزمة حسب عقيدتها فأعطت تفسيراً يوافق نظرتها ومنها:

ـ البعض ردّ أسباب الأزمة إلى النظام الأبوي العربي السائد وما يحمل من أساليب تربوية تسلطية.

ـ آخرون حمّلوا "العقل العربي" مسؤولية تكريس التخلّف بسبب نتاج الخطاب الفكري والثقافي والأدبي والفلسفي وقصوره عن ممارسة النقد.

ـ فئة ربطت أزمة المجتمع العربي بأزمة الرأسمالية العالمية وانعكاساتها. وغلبت البعد الاقتصادي الاجتماعي وراهنت على الاشتراكية كحل.

ـ وفئة أخرى ركّزت على التحليل السياسي وطبيعة النظم والدساتير للدولة العربية القطرية التي أخفقت في تحديث المجتمع وبناء المؤسسات المدنية الفاعلة القادرة على التقدّم فكانت الدولة مسرحاً للصراعات والتناقضات والتي أرهقت الدولة وهدّدت وحدة المجتمع.

ـ أما سؤال الهوية الذي تعرّض له العديد من المفكّرين والكتّاب ظلّ هاجساً رافق مختلف المراحل وواكب بحضور مميّز كل المستويات والإجابة عليه توزّعت بين مدارس إسلامية وقومية وليبرالية زادت من تصدّع الهوية وتفكّكها وتناقضها لأنها تناولت مختلف الأبعاد القطرية والإقليمية والدينية والاقوامية دون التوصّل إلى صيغة موحّدة للهوية التي أضحت هويات متنازعة.

رافق سؤال النهضة والهوية نشوء ونمو الفكر القومي العربي، الغارق في أزمته الحادة بعد فشله وعجزه على الأقل في صياغة النظام القومي وبناء الإنسان الجديد والالتزام بنهج عقلاني نقدي حرّ.