العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

بالتربية نبني...

زهير فياض
الثلاثاء 4 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

عندما نولي التربية أهمية خاصة، ونوحد نظرتنا إلى كل المسائل المتعلقة بمنظومة التربية في بلادنا من النظرة إلى الذات، إلى حل إشكالية العلاقة بينالفرد ومجتمعه، بينالفرد ودولته ـ بالطبع بعد تحديد ماهية الدولة ودورها -، مروراً بالمسائل المتعلقة بتحديد الهوية والانتماء بعد توحيد مناهجنا في التربية والتعليم وكتابة التاريخ الواحد للأمة الواحدة، عندها فقط نكون قد وضعنا أنفسنا ومجتمعنا وشعبنا وبلادنا على سكة النمو والتقدم والرفعة وتحقيق الذات ونكون قد خطونا الخطوات الأولى الأساسية للارتقاء إلى مصاف الأمم المتقدمة روحياً ومادياً وثقافياً وحضارياً...

وهناك تجارب الشعوب والأمم أمثلة صارخة وحاضرة في الذاكرة الإنسانية تدل على أهمية التربية ودورها في تحقيق النقلات الكبرى والهادئة في حياة الأمم...

ما الذي نقل شعوب وأمم أوروبا من قرون الظلمة والتطاحن الديني، والتفاضل العرقي والسلالي، والحروب المدمرة في القرون الوسطى؟ إنها حتماً حركات الإصلاح التربوي والثقافي والديني ـ من لوثر إلى غيره ـ التي ضخت مفاهيم قيمة جديدة، وأطلقت رؤى وأفكاراً قاربت المشاكل التي تخبطت فيها تلك الشعوب ووضعت لها الحلول الملائمة وانتقلت بأوروبا من حل إشكاليات الواقع الاجتماعي المرتبطة بالهوية والانتماء إلى حل إشكاليات النمو والتطور والتقدم لبنى اجتماعية ثابتة موحدة متراصة متماسكة ثقافة ومنهجاً وأساليب عمل، فكانت الثورة الصناعية، وكان هذا التقدم التكنولوجي الهائل الذي أطلقته حركة العقل المتحرر من كل العقد والترهات ومركبات النقص التي تعطل فعله وتحد من قدرته على محاكاة الواقع...

وبالمقارنة والتحليل نفهم لماذا ما زلنا نتخبط في هذا الدرك من التخلف وعدم القدرة على مجاراة العالم في الاكتشافات العلمية والحضارية؟ إذ أنه عندما يكون العقل أسير واقع اجتماعي مفكك يخوض صراعاته الداخلية غير المجدية، وعندما يكون هذا العقل منشغلاً في حل مسائل وجودية وطنية وقومية وإنسانية بديهية، فهو حتماً لن يتفرغ ولن يكون بمقدوره التصدي لتحديات العصرنة...

وبالمقاربة العقلانية نفهم هذا السر الكامن في إبداع أفراد من بلادنا وتميزهم في مجالات الاختراعات والاكتشافات العلمية والتقنية عندما يهاجرون، والجواب هو في حالات الصفاء الذهني والعقلي التي يعيشونها في بلاد اغترابهم بعيداً عن الاضطرابات السياسية والثقافية والاجتماعية التي يعيشونها هنا في بلادهم والتي تعطل القدرة على التركيز والبحث العلمي الهادئ المنتج...

التربية إذاً أساس لكل نمو إنساني، وفيما عدا ذلك سنبقى نجر أذيال الخيبة عاماً بعد عام، وعقداً إثر عقد، وسنبقى نضيف قرناً جديداً كل مائة عام إلى قرون عصر الظلمة والضعف والانحطاط بالرغم من كل المساحات المتوهجة التي تشع في أماكن متفرقة من جسم هذه الأمة...

لم يكن الحديث عن أهمية التربية أخطر مما هو عليه اليوم ونحن نغامر بمصير أمتنا، ونحن نراها ـ شأنها شأن غالبية الأمم في هذا العالم المترامي الأطراف ـ تندفع صوب مجتمع المعلومات، تتنازعها الآمال والمخاوف، وتنتظرها تحديات جسام لا عهد لها بها من قبل، وتلوح لها في الأفق فرص نادرة لم تكن متاحة من قبل.

إن النهضة الشاملة التي نتوخاها هي ثورة التربية في الأصل، وثورة التربية هي شرط لكل ثورة.

والتربية بهذا المعنى سلاح ذو حدين، فإما أن تكون في حالة النهضة محركاً دافعاً للأمة والمجتمع نحو التقدم والرفعة والبناء، وإما أن تكون ذلك الخاضع المستكين لأهواء من يقبض على زمام الأمور في المجتمع. فالشعب الفرنسي ممثلاً بشرائحه المثقفة طالب اثر هزيمته مع بروسيا في 1870 بتربية جديدة شاملة، وكذلك فعلت حكومة فرنسا الحرة بعد هزيمتها على أيدي الألمان إذ أصدرت وثيقتها الشهيرة للتجديد التربوي والمعروفة باسم تقرير الجزائر، وكذلك الصين التي أطلقت الثورة الثقافية في الخمسينيات حركة علمية ناشطة فيها أدت إلى إحداث نقلة نوعية في موقعها الاقتصادي والسياسي ما نزال نعيش تردداته إلى يومنا هذا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية فقد قامت فيها حركة الإصلاح التربوي الشامل كرد على نجاح السوفييت العام 1957 في إطلاق أول قمر صناعي سبوتنيك، وها نحن اليوم نجد الولايات المتحدة الأميركية تسعى جاهدة إلى عولمة التربية تحت شعارات متعددة منهاحماية حقوق الإنسان، والدمقرطة، تعزيز الحريات فيما هي ترنو إلى تحقيق عولمتها الاقتصادية، وبسط نفوذها وهيمنتها السياسية على العالم.

فبالتربية نبني الإنسان بناء أخلاقياً وثقافياً ومناقبياً، وبالتربية نؤسس لثقافة المقاومة والصراع، وبالتربية ننزع عن أمتنا ذل القرون الغابرة، ونحررها من ثقافات الخضوع للمستعمر الأجنبي، وثقافات التسكع على أبواب قصور الاقطاع والرجعية في بلادنا، وبالتربية نبني مواطناً ينتمي إلى دولته مباشرة لا مداورة عبر الدوائر الوسيطة من مرجعيات طائفية ومذهبية نصبت نفسها أو نصبها المستبد الأجنبي في عهود الاستعمار لتكون وصية على عباد الله الأحرار أصلاً ليصبحوا وقفا على الطبقة السياسية الفاسدة التي ما زالت حتى اللحظة تمسك بمقومات هذا الوطن، وبالتربية نبني دولة المواطنين الأحرار في قناعاتهم وخياراتهم وممارساتهم في إطار قانون عصري يضمن للمواطن حقوقه ويجعله يتقدم للقيام بواجباته نحو دولته بكل محبة وإرادة طيبة وتصميم أكيد، وبالتربية نتمرس على مفاهيم الديمقراطية الحقيقية التي تنحر كل يوم على مذبح الممارسات الخاطئة والمفاهيم المشوهة لمبدأ حكم الشعب لنفسه.

التربية ركن أساسي لبناء المجتمع ولتقوية بنيته الداخلية وتنمية شخصيته ومواهبه وقدراته، ولعل إسرائيل ـ مع الأسف ـ تسبقنا في تقييمها لمدى أهمية التربية كسلاح في المعركة ضد شعبنا وضد أمتنا وفي مواجهة عالمنا العربي، وهي أدرجت عن وعي وإدراك وبتصميم موضوع التربية ومناهج التعليم كبند مهم من بنود المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية، وهدف إسرائيل فرض التطبيع علينا قسراً، من خلال تغيير مناهجنا التعليمية وخاصة في موضوع التاريخ والجغرافيا السياسية، بحيث تأتي مناهج تربيتنا متسقة مع ما تنتجه صناعة الأفلام في هوليوود محاباةً للصهاينة، من الوصايا العشر إلى أفلام الكرتون.

العمل التربوي إذاً أساسي في عملية بناء الإنسان في مجتمعنا، وهو الطريق الوحيد للوصول إلى الشعب، لتغيير وعيه باتجاه يخدم أكثر مصالح حياته العليا، وهو المخرج الوحيد الذي نتلمسه كمقدمة لتحقيق الإصلاح وتطوير المجتمع وتثويره ووضعه على سكة التقدم الحقيقي في المجالات المختلفة.

هذه هي الرؤية العقلانية باختصار للتربية ودورها في بناء الذات...