العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

... ويسألوني: هل أنت لبناني؟

منصور عازار
الاربعاء 5 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 
New Page 1

لا يسعني، وأنا أرسم للطريق نهايتها، وللخطوات ما تبقّى من ارادة الحياة، وللقلب المتعب ما يفوق النبض، إلا أن ابتسم. أطمئن نفسي وأقول لها: القليل في خابية العمر، يرتوي ويزداد، من عنب الذاكرة.

كلما اقتربت من القمة، اضأت من ماضي شموعاً. هكذا، يشتعل الضوء فيّ، فأراني شاباً في مقتبل الحياة، أقفز في ساحة الضيعة، الى مشاوير الحياة، ومن قاعة الصف الى دروب الحزب الوعرة، ومن الجامعة الى لقاء القوميين، ومن صفوف الدراسة الى كتاب الحياة.

كلما اقتربت من الباب الأخير، أنظر خلفي، فأفتح بقلبي ابواباً تفضي الى لبنان في الأربعينات. الى فلسطين في النكبة، الى دمشق في الثورة، الى رمال بيروت التي حضنت دماء سعادة... فلا ينتابني حزن، ولا تعتريني لفحات يأس. بل أقبض على زمني، وأدفعه أمامي: لقد كان الحقل واسعاً، زرع فيه الكثير، ولعل أبرز ما زرعناه، دفاعنا عن لبنان الحرية والمنارة، بالكلمة والفكر والدم.

أحياناً أغضب، ومن حقي ان اثور، لأنهم اتهمونا بلبنانيتنا. كم كان ذلك ظلماً والذين اتهمونا، كانوا قد أخذوا لبنان الى كل العواصم، الغربية والبعيدة، فيما كنا نعمل، كي يبقى لبنانياً بأفق قومي طبيعي، لا قسر فيه ولا قهر ولا إلزام.

بودي، وانا اليوم أتذكر تلك الحقبة الدراسية، ان اجيب عن السؤال التالي:

 

هل نحن لبنانيون؟

يا أحفادي ويا أصدقاءهم واصدقاءهن، لا أعرف الجواب على هذا السؤال.

فكلما اختلف فريق لبناني مع فريق آخر، اتهمه بلبنانيته، وهمه بأنه غير لبناني.

ماذا ينفعكم ان اقول لكم اليوم، نعم أنا لبناني؟ ماذا ينفع اللبنانيين ان يثبتوا كل يوم انتماءهم الى لبنان، ثم يجدون، اما انهم خارج لبنان، او خارجين على لبنان، او ضد لبنان، او خونة للبنان؟ ماذا يعرف شعب، يصر نصفه على اتهام النصف الآخر، بأنه ليس لبنانياَ؟

بصراحة تعرضنا، في عز انتمائنا القومي الى أمتنا السورية، الى طعنة سياسية طائفية، اتهمتنا بأننا أعداء لبنان. لقد جربنا هذه التهمة وخضنا صراعاً ثقافياً علمانياً لإزالة الالتباس، الذي لحق بمواقفنا. واسمحوا لي يا أصدقائي، قبل ان اساجل في لبنانيتي، للمرة الأخيرة، ان ابرهن، ونحن بعد نصف قرن ونيف من تلك الأيام، ان العلة ليست في السياسة، بل في الثقافة، وان التهمة تتأسس من فهم نافر للكيان اللبناني.

اتهمنا بلبنانيتنا بسبب قولنا بأن انتماءنا القومي هو لأمتنا السورية العربية، وأن هذا الانتماء، يشمل لبنان بالتأكيد، ولا يلغيه أبداً. وهذا الانتماء، ينطلق من مفهوم للبنان، ودور له وريادة فيه، تختلف عن مفاهيم لبنان الطوائف، ولبنان الأقليات، ولبنان الجبل والبحر، ولبنان ملتقى الشرق والغرب، كأنه مجرد اوتوستراد، ولبنان المسيحي/ الماروني، ولبنان المتصرفية، ولبنان خطيئة نصف قرن، ولبنان المحاصصة الاقطاعية الطائفية... كنا نرى لبنان، رهن ارادة ابنائه، وفق منطق التعبير عن اللبنانيين الأحرار. كنا نرى لبنان مغارة لا يستطيع ان يكون كذلك، الا اذا اتصل بروابط الجوار الجغرافي والقرابة التاريخية، والتواصل التراثي، وتفاعل الحياة، ومنطق المستقبل.

لم نكن نخاف على لبنان، الا اذا كان لبنان يعيش ويقتات على عقيدة الخوف، مكرساً الانفصال، مشككاً بروابط الاتصال.

ولم نكن وحدنا في اعطاء نظرة مختلفة عن لبنان. فمن اللبنانيين من رآه عروبياً وجزءاً لا يتجزأ من هذه الأمة، كما رآه البعض قطعة من فينيقيا القديمة، ترسخت بمعزل عن التاريخ في الحاضر اللبناني. كان لكل منا نظرته الى لبنان ووظيفته ودوره وثقافته واتجاهه. ويعود ذلك الى طبيعة الكيان اللبناني، والى ظروف نشأته، والى اسباب الصراعات الدينية والمذهبية التي فتكت بنسيجه الاجتماعي، منذ عهد القائمقاميتين وصولاً الى لحظة التأسيس.

لقد اتهم السنّة بأنهم غير لبنانيين. لأنهم رفضوا في البداية، الاعتراف بسلخهم عن سوريا. ثم اتهموا بذلك في الخمسينات بعد العدوان الثلاثي على مصر، ثم اتهموا مع حلفائهم بأنهم باعوا لبنان للفلسطينيين كما اتهم الشيوعيون بأنهم موسكويين.

بالفعل، لا أعرف سبباً لهذا السعار بالتشكيك الذي دفع لبنانيي القرن الواحد والعشرين، الى لصق النعوت الخيانية، بتياراتهم المتنازعة: ففريق الثامن من آذار، متهم بتجيير لبنان للمحور السوري/ الايراني/ الفارسي/ الشيعي. وفريق الرابع عشر من آذار، متهم بوضع لبنان، تحت الوصاية الأميركية/ العربية/ الغربية/ وصولاً الى اسرائيل.

في نفسي حزن شاهق على ما آلت اليه حالنا. ولذلك، انا اليوم، وفيما أصابعي تخونني، اجمع أناملي بقبضتي على الطاولة، وادقها بما تبقى لي من قوة: نعم انا لبناني، ولبنانيتي لم تحبل بها طائفة او مذهب. فالطوائف والمذاهب تلد أتباعاً ولا تلد احراراً، يقومون على التزام وانتماء عقلاني.

اجمع قبضتي واطرق بها باب هذا الجنوب اللبناني، واقول، كلكم لبنانيون، ولكن لبنانكم ضائع الهوية والانتماء وضائع الصورة والجوهر. وكل واحد منكم ايها اللبنانيون، لبناني على طريقته ويؤكد لبنانيته برفض لبنانية الآخر. لبنان الأضداد هذا، لا يولّد لبنانيين للبنان، بل يورث لبنان الواحد، تعدد الولاءات الطائفية. وكل طائفة تأخذ لبنان الى حيث مشاربها المذهبية والسياسة والاقليمية.

اخذوه الى كل العواصم، اخذوه الى واشنطن بعد الأم الحنون، اخذوه الى السعودية بعد القاهرة، واخذوه الى اسرائيل بعد دمشق، واخذوه الى ايران بعد الشام، فأي لبنان هذا الذي يدشر في هذه الغابات، ويظل وطناً لكل اللبنانيين.

نحن لم نأخذ لبنان الى سوريا، لأن سوريته فيه. كما لبنانيته في سوريا. وفلسطينيته فيه كما هو في فلسطين. عقدياً، نحن وطن واحد لا نفاضل من حيث الانتماء، بين كيان وكيان، فنحن هنا كأننا هناك وهنالك. وكأن هنا، وهناك وهنالك هو نحن.

في السياسة، تختلف الأمور عما هي عليه في العقائد. ومع ذلك، فإن سياستنا الحزبية، نادراً ما غلبت كياناً على آخر. ويشهد على ذلك، اننا اضطهدنا في لبنان،كما اضطهدنا ولوحقنا في الشام. وجاء اعدام انطون سعاده زعيم الحزب، بتدبير واتفاق ما بين حكومتي لبنان وسوريا.

فأين البيع والشراء؟

لم نأخذ لبنان الا الى لبنان في موقعه الطبيعي. ولم نكن مع سوريا ضد لبنان. ولعل التهمة التي طالت الحزب في الخمسينات، هي في كونه كان يعمل ضد النظام السوري آنذاك. وذهب ضحية تلك المرحلة، الشهيد غسان جديد. وكاد يسقط غيلة الرفيق الخالد سعيد تقي الدين.

أعود الى السؤال: هل يجوز ان يبقى السؤال من هو لبناني اكثر من الآخر في حين اننا كلنا لبنانيون، ولكل منا تصوره لهذا الكيان، ولا حل لمعرفة صورته الحقيقية، الا بالحوار الديمقراطي، والتفاعل الثقافي، وازالة الحواجز الطائفية المذهبية، والنظر الى مصالح شعبه. عندها، يقرر اللبنانيون بإرادتهم ان كان لبنان يشبههم ام لا. فلبنان اليوم لا يشبه احداً من بنيه. انه مغترب عنهم جميعاً.

هكذا أجيب اليوم عن لبنانيتي، كما يجيب الرفيق القومي في الشام عن سوريته، كما يجيب الرفيق القومي في فلسطين عن فلسطينيته، فسوريتنا ليست الكيان السوري، بل هو الأمة المأمولة في المستقبل، والتي تتكون من بقعة جغرافية سكانية تاريخية.

سابقاً، كانت إجابتنا فجة، كنا مؤمنين اكثر من كوننا مقنعين. كنا نظن ان الايمان وترجمته بالألفاظ، يقنع ابناء الوطن الآخرين. لم يكن ذلك سهلاً ابداً. الهجوم الطائفي على سعاده والحزب وعلى قوميته وعلمانيته، استدعت منا استنفاراً ايمانياً. كنا نغالب الجميع في المدارس والجامعات، فانتشر الحزب واسعاَ بين شباب توّاق الى التعبير عن انسانيته ووطنيته عبر الالتزام بالعقيدة.

هل اخترق الحزب الطوائف ؟

والله زمن يا سلامي، كما يقول المصريون. سقى الله تلك السنوات الخصبة، حيث كانت الطائفية تسقط اما م وضوح الفكرة وصدق الحالة ومنطق الأمور.

قيل، في ما بعد، ان الأحزاب العقائدية، هي بنت الأقليات. الأكثريات تطمئن الى عددها. ولكن هذا لم يصدق في مطلع الرسالة، طرابلس الشام، كانت فيحاء الحزب،. انتشرت في صفوف العائلات الطرابلسية التاريخية، وفي الطلاب والشباب القادم اليها من الأرياف. يذكر ذلك صديقي، وشريكي في باريس واصف فقال.

بيروت فتحت ابوابها للأساتذة. زكي النقاش في المقاصد الاسلامية، محمد البعلبكي في الانترناشيونال كوليج، الجامعة الأميركية، ملتقى طلاب العرب، يتقاطرون للتناظر في العقيدة القومية. اخترقت الجبل بمارونيته ودرزيته، برغم ما في الجبل من طبيعة خاصة تعاند وتكابر. فكنا عابرين للطوائف والمناطق والكيانات، ليس استناداً الى هوى طائفي او مذهبي كاسح، يجد صداه لدى طائفيين اشقاء، بل كنا خياراً صعباً، يلزم على من سلكه، ان يتجرد كلياً من طائفيته وعنصريته وتخلفه وتعصبه، وينفتح على الفكر والثقافة والمجتمع.

لقد اتهمونا بلبنانيتنا، ولكن اللبنانيين لم ينغلقوا علينا آنذاك. اما اليوم، فأنا اشد ايماناً بلبنان، من دون ان يعني ذلك انعزالاً، او تراجعاً، لقد نضجت لبنانيتي، صارت اكثر انفتاحاً والتصاقاً، خاصة، وان هذا اللبنان الصغير، استثنى نفسه في ممارسة النضال الخاص به، فدمر اسرائيل مرة وصمد في وجهها مرة.

هذا اللبنان، اعتز به.

اما لبنان الطوائفيات المسعورة، فإنني انكره واستنكره، ولا انتسب اليه.

قديماً، قال جبران، لكم لبنانكم ولي لبناني. صحيح يا أحفادي، لهم لبنانهم، وسيكون لكم لبنانكم على صورتكم، مقاوماً، علمانياً، حراً، منفتحاً، منارة للفكر، بوتقة للحياة.

شرط بقائه ان يكون طليعة امته، وطليعة انتصاراتها. ولكم انا اشعر بالإطمئنان، فيما أمسك عصاي وأمضي منتشياً، برغم تعب القلب، لأن لبنان الذي اشبهه، بات اسطورة. لأعظم صبر ولأعظم نصر في التاريخ.

هنيئاً لي: لقد عشت وشفت انتصارين. فإلى لبناني تحية بزاوية قائمة: ويحيا سعاده.

 منصور عازار

  فصل من كتاب سيصدر قريباَ