العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

التفكك العائلي بين القيم الثابتة والقيم المتبدلة

د. ايلين دمعة
الاربعاء 5 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

د. ايلين دمعة

الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية

 

إذا كانت العائلة ركيزة المحتمع الأساسية، فإن وحدة العائلة، المتجلية في الانسجام والتضامن بين أفرادها، هي من اهم القيم الانسانية الاجتماعية. وهذه القيمة تتجسد في اتفاق الزوجين «على الاهتمامات الأساسية، أي على المفاهيم العامة في الثقافة والحضارة والسياسة والدين والفن وتربية الأولاد. بهذا تكون الحياة الزوجية كما يجب أن تكون، أي سعياً مشتركاً لتحقيق نظرة واحدة إلى الإنسان والعالم»(1). أما التفكك العائلي فيعني غياب هذا التناغم وانحلال الروابط الزوجية السليمة. هنا تصبح العلاقة الزوجية علاقة إخضاع يمارسها أحد الزوجين، وغالباً الرجل، على الزوج الآخر، يميزها السلوك العنفي الذي تسحق معه حرية الزوجة وتمتهن كرامتها وتعامل كوسيلة للزوج غير مساوية له.

إنّ المساواة حالة من حالات الحرية. وهذا يعني أن الناس متساوون في حرياتهم، أي في حقوقهم الانسانية الأساسية، وإن كانوا غير متساوين في بعض أنواع المحدوديات التي تحيط كل فرد منهم. هناك، إذاً، نطاق تصح فيه المساواة، لكنها لا تصح خارجه. إلا أن المساواة بين الزوجين هي من أهم الأسس التي توحد العائلة، كما أنّ التسلط والعنف من أقوى الأسس التي تفككها، لأن الاخضاع هو نقيض الحرية والمساواة. هكذا يغدو التفكك العائلي نتيجةً وسبباً للمارسات العنيفة. وإذا نظرنا إلى معظم المجتمعات، مهما بلغت درجة تطورها الثقافي والاقتصادي، لوجدنا أن المساواة، كقيمة اجتماعية وإنسانية، ضعيفة، وإن اختلفت نسبة هذا الضعف من مجتمع إلى آخر. من هنا كان التفكك العائلي، الناتج عن العنف والتسلط وعدم المساواة، ظاهرة واسعة الانتشار في جميع الثقافات والطبقات الاجتماعية، كأنما العنف والتسلط هما من القيم الثابتة في كل زمان ومكان.

وإذا تعمقنا في تحليل ظاهرة العنف، لوجدناها مرتبطة بمفهوم الرجولة في أذهان العديد من الناس.

لكن أتكون الرجولة حقاً مرتبطة بالهيمنة وممارسة العنف؟ وإذا كانت القيم التقليدية السائدة في المجتمعات الشرقية عموماً هي التي تحفز الرجل على هذه الممارسات، انطلاقاً من دوره كربّ العائلة، فكيف نفسّر انتشار هذه الممارسات في كل الحضارات، مهما علا شأنها، كما سنرى لاحقاً؟ هل يعني هذا أن العنف والتسلط والهيمنة هي من أهم القيم الثابتة أو المطلقة، المشتركة في كل المجتمعات على اختلاف ثقافاتها وطبقاتها؟

بالتالي، هل يعني هذا أن هذه القيم، المفترض أن تكون متبدلة مع التطور الثقافي، اختلطت مع القيم الثابتة المطلقة المتعارف عليها، وهي الحق والخير والجمال؟ أوليست الوحدة العائلية مستمدة من هذه القيم الثابتة بالذات؟

هذا ما سنحاول الاجابة عليه في بحثنا.

وللإحاطة بالموضوع من مختلف جوانبه، ارتأينا تقسيمه إلى النقاط الرئيسية الآتية:

أولاً: الثقافة والقيم الاجتماعية.

1 ـ تحديد الثقافة وخصائصها.

2 ـ القيم الاجتماعية وتصنيفها من حيث مضمونها وتحركها: قيم مطلقة ثابتة، وقيم نسبية متحركة.

ثانياً: التفكك العائلي كسبب ونتيجة للعنف الأسري.

1 ـ تحديد العنف بشكل عام، موقعه عبر التاريخ، أهمية القوانين لتنظيم المجتمعات.

2 ـ أنواع العنف.

3 ـ العنف الأسري: مفعوله، حجمه، أشكاله.

4 ـ بعض نظريات علم النفس الاجتماعي المفسرة للعنف وأسبابه.

5 ـ تحليلنا الشخصي لأسباب العنف.

خاتمة: آليات وحلول.

أولاً: الثقافة والقيم الاجتماعية

1 ـ تحديد الثقافة وخصائصها

إذا أردنا الغوص في مفهوم التفكك العائلي المتأرجح بين القيم الاجتماعية الثابتة والمتبدلة، فلا بد لنا من تحديد الثقافة لأنها هي التي تحدد القيم وتحفز الأفراد على ترجمتها إلى انماط سلوكية معينة.

الثقافة نتاج انساني جماعي تراكم لعدّة عهود، وهو يتضمن عمليات التدخل والتفاعل والتعديل. انها الاطار الاجتماعي العام الذي يعيش ضمنه الأفراد، ممارسين انماطاً سلوكية منسجمة معها.

من أبرز التعريفات التي اوردها علماء الأنتروبولوجيا للثقافة تعريف وليم كلباتريك الذي يذهب إلى ان الثقافة هي ما صنعه الانسان بعقله ويده من اشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية، أي كل ما اخترعه الانسان أو اكتشفه وكان له دور في العملية الاجتماعية(2).

ويعرّف كلايد كلكهون (kluckhohn) الثقافة بأنها «وسائل الحياة المختلفة، الظاهر منها والضمني كما العقلي واللاعقلي، التي توصل اليها الانسان عبر التاريخ، والتي توجد في وقت معيّن، وتكوّن وسائل إرشاد توجه سلوك الأفراد في المجتمع»(3).

ويقول ادوارد تايلور إن «الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادات والمواقف والقيم وكل القدرات التي يكتسبها الانسان كعضو في جماعة»(4).

ويصف غي روشيه الثقافة بأنها «كيان مركّب من أساليب التفكير والشعور والعمل. وهي أساليب منظّمة، إلى حد أو آخر، يعتنقها ويعمل بموجبها عدد من الأفراد، فتحوّلهم، موضوعياً ورمزياً، إلى جماعة موحّدة ذات خصائص مشتركة»(5).

هذا غيض من فيض التعاريف الاجتماعية للثقافة. ومؤداها أن الثقافة هي مجموع الأفكار والقيم والمعتقدات والتقاليد والأخلاق والنظم والمهارات وطرائق التفكير والعيش والفنون والآداب والعلوم، وكل ما أبدعه عقل الانسان وصنعته يده من نتاج مادي ومعنوي أضافه إلى تراث الأجيال السالفة نتيجة خبرته في مجتمع معين.

أما بالنسبة إلى خصائص الثقافة، فلكل مجتمع انساني ثقافته التي تمنحه خصوصيته وتميزه عن باقي المجتمعات، علماً أن هناك ايضاً ثقافة انسانية عامة تشارك فيها المجتمعات المختلفة.

ويمكن تحديد خصائص الثقافة على النحو الآتي:

أ ـ الثقافة عملية انسانية، أي انها تخص الانسان دون سواه.

ب ـ الثقافة عملية اجتماعية مكتسبة، تنشأ عن طريق التفاعل بين الأفراد. فالانسان يكتسب ثقافته من مجتمعه. ولا يوجد مجتمع بلا ثقافة ولا ثقافة خارج المجتمع. والتراث الثقافي الذي ابدعه الانسان ينتقل من جيل إلى جيل عن طريق التعليم المصمَّم وغير المصمّم.

ج ـ الثقافة افكار واعمال. وهذا يعني ان الانسان يكوّن علاقات مع العالم المادي والفكري والرمزي والاجتماعي. وقد استطاع التحكم بالبيئة المادية من اجل التطور والرقي.

د ـ الثقافة عملية متغيرة. وهي تتحرك معظم الأحيان نحو الأفضل. الا ان درجة التغير تختلف من مجتمع إلى آخر، فتكون بطيئة تبعاً لصغر المجتمع أو انغلاقه، أو سريعة تبعاً لاتساع المجتمع وانفتاحه وتوافر الحوافز فيه.

هـ ـ الثقافة متنوعة المضمون. تختلف الثقافات في مضمونها إلى ان تبلغ أحياناً حد التناقض: فما هو ايجابي في مجتمع قد يبدو سلبياً في مجتمع آخر.

وـ الثقافة عملية تحدد اسلوب الحياة. فهي تحتم على المشاركين فيها نمطاً معيناً من الممارسات الحياتية عبر رسمها خطاً ينتهجونه على نحو يتلاءم مع الجماعة أو المجتمع.

2 ـ القيم الاجتماعية وتصنيفها

اذا كانت الثقافة هي ذلك الكل المركّب الذي يحدد طرائق التفكير والشعور والسلوك، فلا بد من ان تكون القيم جزءاً لا يتجزأ من الثقافة. ويمكن تعريف القيم بأنها «الصفات الشخصية التي يفضلها أو يرغب فيها الناس في ثقافة معينة»(6). ويحدد غي روشيه القيمة بأنها نموذج أو مثل أعلى في نظر فرد أو جماعة، يستمد منه كل شخص توجهه نحو سلوك منحى معين(7). ويرى هنري مندراس ان القيمة الاجتماعية تتحدد بصلابتها وشدّة سيطرتها(8).

ومن الصفات المرغوبة في معظم الثقافات الشجاعة والرجولة وضبط النفس.

غير ان القيم ليست صفات مجردة، بل هي مظاهر مجسّدة في انماط سلوكية تعبّر عنها. وقد نظرت الفلسفة المثالية إلى القيم على انها موجودة موضوعياً قبل وجود الانسان الذي لا دخل له فيها. وحددتها بقيم ثلاث ثابتة أو مطلقة، هي: الحق المطلق، الخير المطلق، الجمال المطلق. ومن هذه القيم الأصلية تنبثق كل القيم البشرية.

من ناحية أخرى، نظرت الفلسفة الواقعية إلى القيم كما لو كانت من نتاج الانسان وخبراته، وهو الذي يحددها ويمنحها معانيها ورموزها وفق حاجاته. لكن الفلسفة البراغماتية لا تؤمن بوجود قيم مطلقة، بل تذهب إلى ان صلاحية القيم تحددها ابعادها النفعية. هذا يعني ان الانسان هو الغاية والقيم وسيلة. فالقيمة وجدت لخدمة الانسان، ولم يوجد الانسان لخدمتها.

وفي الواقع، نرى ان لكل مجتمع نظرة خاصة إلى القيم. اليونانيون الأقدمون، مثلاً، حددوا الصفات الضرورية للانسان الفاضل. وفي المجتمعات البدائية كان هناك اتفاق عام حول الصفات التي يجب ان تتوافر في القادة والزعماء، والخصائص التي تجعل من الفرد بالغ الأهمية أو ضئيل الأهمية(9). لذلك نرى اجماعاً لدى علماء الاجتماع على ان «القيم هي التي تضفي معنى محدداً وتعطي مؤشرات ارشادية لتوجيه تفاعل البشر مع العالم الاجتماعي»(10).

وتختلف القيم اختلافاً بيّناً من ثقافة إلى أخرى. فبعض الثقافات تغدق قيمة عالية على النزعة الفردية، في حين تشدد ثقافات أخرى على الاحتياجات المشتركة بين افراد المجتمع. كما ان القيم قد تتناقض داخل المجتمع الواحد، اذ ينزع بعض الأفراد أو الجماعات إلى التركيز على قيمة المعتقدات الدينية التقليدية، فيما ينزع آخرون إلى تفضيل التقدم والعلوم. وفي حين يفضل بعضهم الراحة المادية، نجد آخرين يفضلون الهدوء وبساطة العيش. وفي هذا العصر الحافل بالتغيرات في اطار العولمة، ليس مستغرباً ان يواجه مجتمع ما صراعاً بين القيم الثقافية التي يعتنقها مختلف الأفراد والجماعات(11).

هكذا نرى ان القيم تدور على احكام من نوع «جيد» و«رديء»، أو «سليم» و«غير سليم»، أو «ملائم» و«غير ملائم». والقيم، كالمواقف، على انواع. فهناك قيم علمية ونفسية واجتماعية وخلقية ودينية وجمالية. «والمواقف تعتمد على القيم. فالموقف الذي يتخذه الفرد من نشاط علمي أو اجتماعي أو فني يبنى على القيمة التي يعطيها لهذا النوع من النشاط. في رأس القيم جميعاً يجب ان تأتي قيمة الانسان كغاية. وهذه تستتبع موقفاً هو احترام كرامة الانسان. ان أثر العائلة كبير في تنمية القيم والمواقف لدى الأفراد. وللمواقف والقيم اثر كبير في فهم الذات والآخرين والبيئة وفي تكوين المعارف. وربّ موقف سلبي سابق، اكتسبه الفرد من مصدر أو آخر، كان عائقاً له عن فهم الأشياء على حقيقتها أو دراسة الحقائق كما هي»(12). ولعل هذا يفسر الخلط بين الرجولة والتسلط من ناحية وبين الأنوثة والضعف من ناحية اخرى. وهذا الخلط القائم على سوء فهم للقيم هو المسؤول عن التفكك العائلي وعن النزاع والعنف الأسري، وهو محور بحثنا.

وإذا كانت القيم، في تعددها وتنوعها، هي الصفات المثلى التي يتبناها الأفراد والمجتمع في مواقفهم ويجسدونها في سلوكهم، فلا بد من أن تكون هناك عدة أسس لتصنيفها، سواء من حيث المحتوى أو من حيث المقاصد أو الأهداف أو من حيث قوة القيم وضعفها. وقد صنّفها ادوارد سبرانغر، في كتابه «انماط الرجال»، على النحو الآتي(13):

ـ من حيث المحتوى، هناك القيم النظرية والاقتصادية والجمالية والاجتماعية والسياسية والدينية. فالقيم النظرية يعبر عنها اهتمام الفرد باكتشاف الحقيقة. والقيم الاقتصادية يعبر عنها اهتمامه بما هو نافع. والقيم الاجتماعية يعبر عنها نزوعه إلى التفاعل مع الآخرين. والقيم السياسية تتجلى في اهتمامه بالنشاط السياسي وحل مشاكل الآخرين. والقيم الدينية تظهر في رغبة الفرد بمعرفة الماورائيات، مثل اصل الانسان ومصيره ومعنى حياته.

ـ من حيث المقاصد، تتفرّع القيم إلى وسائل لبلوغ اهداف معينة وغايات مثل حب البقاء.

ـ من حيث شدتها، هناك قيم جازمة وملزمة لكل الناس وقيم لفئات معينة أو افراد.

ـ من حيث العمومية أو الانتشار، هناك قيم عامة مثل العفة والاخلاص والقيم الدينية عموماً، وقيم خاصة تتعلق بطبقة اجتماعية أو دور معين.

ـ من حيث الوضوح، هناك القيم العلنية المتعلقة بالمصلحة العامة.

ـ من حيث الدوام، هناك قيم مطلقة لكل زمان ومكان وقيم نسبية خاضعة للتبدل.

القيم التي صنفت على هذه الأسس تتميز بخصائص تساعد في قوتها واستمراريتها(14). ومن هذه الخصائص انها حصيلة تجربة جماعية وليست من نتاج فرد معين، وان كانت تتجسد في انماط السلوك الفردي. وهي معايير أو ضوابط للسلوك البشري، تنتقل من جيل إلى جيل عبر التربية والتنشئة الاجتماعية. ولهذه القيم صفة العمومية بمعنى انها لجميع أفراد المجتمع، وإن اختلفت احياناً من فئة إلى اخرى، على الرغم من اشتراكها في نواح معينة.

من كلامنا هذا عن القيم، يمكن ان نستخلص ان هناك قيماً ثابتة وقيماً متحولة. القيم الثابتة هي قيم مطلقة أو عامة، تشترك فيها كل المجتمعات البشرية، كالحق المطلق والخير المطلق والجمال المطلق، والحرية والعدالة والمساواة والسلام واحترام الآخر كغاية. والقيم المتحولة هي قيم نسبية متبدلة في الزمان والمكان، مع تطور المجتمع الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي ومع انفتاحه على المجتمعات الأخرى، وبالتالي مع النظرة النقدية العميقة إلى الأمور. ومن هذه القيم توحيد انوثة المرأة بالضعف والخنوع والطاعة العمياء للرجل. ولنا في المثل الشعبي القائل في مدح الفتاة بأن لها «فماً يأكل، لا فماً يتكلم» دليل على هذه النظرة التقليدية إلى الأنوثة. فهي المرأة الخاضعة المستسلمة، والا فقدت انوثتها أو خصوصيتها. من هذه القيم أيضاً ما هو متعلق بعمل المرأة. فحتّى عهد غير بعيد، كان الزوج في مجتمعنا يشعر بالاهانة والذل وضعف الرجولة امام عمل زوجته خارج البيت. أما اليوم فبات هذا العمل، خصوصاً مع علوّ المنصب، مصدر فخر له.

الا ان هيمنة الرجل تبقى من القيم التقليدية السائدة في كل الثقافات أو في غالبيتها العظمى. ومن مظاهر هذه الهيمنة العنف العائلي، وهو العامل الأساسي في كل تفكك عائلي. فأين موقعه؟ أهو ضمن منظومة القيم النسبية المتبدلة مع تطور المجتمع والثقافة والنظرة النقدية؟ إذا كان للقيم صفة القوة والعمومية والانتشار كما مرّ معنا، فهل يعقل ان يكون العنف العائلي من القيم العامة المشتركة في مختلف المجتمعات والطبقات، مهما بلغت درجة تطورها الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي؟ واذا صحّ هذا، أتكون القيم والمعايير اختلطت إلى الحد الذي بات معه العنف العائلي من القيم المطلقة والثابتة والمشتركة في كل المجتمعات، ينطبق عليه ما ينطبق على قيم كالحق والخير والجمال؟ وما هي الطريقة لجعل العنف العائلي خبراً من الماضي، وقيمة بالية تخطاها الزمن؟

لقد رأينا ان بعض القيم تخضع لنمو المجتمع وتطوره واكتساب أفراده نظرة نقدية عميقة. فلماذا لا يكون العنف العائلي واحداً من هذه القيم؟ هذا ما سنحاول الاجابة عنه في القسم التالي من بحثنا.

ثانياً: التفكك العائلي كسبب ونتيجة للعنف الأسري

التفكك العائلي من ابرز الظواهرالتي تدرسها العلوم الاجتماعية، ولا سيما علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. وهذا التفكك ظاهرة منتشرة في كل الحضارات والثقافات على تنوعها واختلافها. ولهذه الظاهرة بعد بنائي وآخر نفسي. ويتجلّى البعد البنائي عند فقد احد الوالدين أو كليهما بالموت أو الهجرة أو الطلاق، وكذلك من خلال تعدد الزوجات أو وجود مرض مزمن أو إعاقة جسدية أو نفسية لدى احد الزوجين.

أما البعد النفسي، الذي يحتل حيزاً واسعاً من هذه الدراسة، فيبرز في ظل خلافات مستمرة بين الزوجين أو الوالدين، ترافقها اعمال عنف معنوية وجسدية، الأمر الذي يضعف احترام افراد العائلة بعضهم لبعض ويهدد شعورهم بالانتماء اليها ويؤدي بالتالي إلى تفككها أو انحلالها.

سنحاول في هذه الدراسة التعمق في تحليل العنف لأنه يحتل حيّزاً واسعاً في معظم المجتمعات، على اختلاف ثقافاتها وقيمها ودرجة تطورها الاقتصادي والاجتماعي. وما يزال المشترعون، منذ شرعة حمورابي في العالم القديم حتى اليوم، يسنّون القوانين لتحصين الحياة الاجتماعية وصيانة الحياة الفردية من اعمال العنف على انواعها. وقد احتل هذا الموضوع حيّزاً مهماً في حقل الدراسات الاجتماعية وحاز اهتمام العديد من المفكرين وعلماء النفس التربوي، نظراً إلى ان التفكك العائلي يؤدي إلى العنف الأسري، وهذا بدوره يؤدي إلى التفكك العائلي.

1 ـ تحديد العنف بشكل عام، موقعه عبر التاريخ، اهمية القوانين لتنظيم المجتمعات

يمكن تحديد العنف بأنه كل تعد على كرامة الآخر أو حريته أو ممتلكاته أو حياته. لذلك لا تقتصر اعمال العنف على التعابير المادية، مثل الضرب والقتل والسرقة والاغتصاب والحروب الأهلية والقومية، بل تشمل ايضاً التعابير الكلامية كالإهانة والشتم والتهديد والتغرير.

واذا راجعنا علم النفس الاجتماعي لوجدنا الكثير من التحديدات والمفاهيم. ففي نظر عالم النفس الفرد آدلر، العنف هو تعبير عن ارادة القوة. ويعبّر سيغموند فرويد عن العنف بأنه أي سلوك واع شعوري ناتج عن غريزة الموت التي افترض فرويد وجودها واعتبرها مسؤولة عن سلوك العدوان والتدمير(15). ويحدد جيمس دريفر العنف بأنه الهجوم على الآخرين الذي يعود غالباً إلى معارضة ما، كما انه ممارسة لارادة القوة ضد الأفراد. ويشير فيليب هريمان إلى ان العنف هو السلوك الذي يقصد به ايذاء شخص آخر أو جرحه لتعويض احباط معين. وكلما زاد احباط الفرد زاد عدوانه(16). ويشير هيلغارد (E.R. Hilgard) إلى العنف على انه نشاط هدام أو تخريبي مهما كان نوعه، أو انه نشاط يقدم عليه الفرد لإلحاق الأذى بشخص آخر عن طريق الجرح المادي أو المعنوي. فهو سلوك الاستهزاء والسخرية والضحك والاستهجان والهجاء(17). ويذهب انطوني ستور إلى ان العنف سمة طبيعية لدى الانسان الذي هو اكثر الأجناس الحية تدميراً لبني جنسه واكثرها حباً واستمتاعاً بممارسة القوة مع بني جنسه. كما ان الانسان، في معاملته لأخيه الانسان، يذهب إلى حد الوحشية والهمجية في المعاملة. اننا اقسى الكائنات الحية على سطح الأرض وأكثرها غلظةً. وعلى الرغم من اننا نجزع عندما نقرأ أخبار الرعب والمجازر في الصحف أو في كتب التاريخ، الا ان كلاً منا يعلم انه يحمل في طواياه الدوافع التي تقود إلى الأذى والقتل وسفك الدماء(18).

وإذا القينا نظرة إلى الوراء لوجدنا كيف اهتم المفكرون، منذ اقدم الأزمنة، بالتصدي لظاهرة العنف سعياً إلى السلام الفردي والاجتماعي. كما كان التصدي للعنف حاضراً بقوة في الوصايا الدينية: لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، لا تضع عينك على ما لسواك... ونال الموضوع حيّزاً كبيراً من اعمال افلاطون الذي خصص اكبر عملين له، وهما «الجمهورية» و«القوانين»، للبحث في طريق تنظيم الحياة الاجتماعية. ففي «الجمهورية» يقول: إن الدولة المثالية دولة يحكم فيها الضمير، لا القانون. ولكن بما ان الدولة المثالية دولة بعيدة المنال، فالسعي الواقعي يجب ان يكون إلى حكم القانون، مع العمل الدائم على تعديل القوانين كي تكون اكثر انسجاماً مع العدالة، لعلّ القانون الصالح يؤدي، في النهاية، إلى الدولة المثالية التي يغني فيها ضمير كل فرد عن القوانين.اما القاعدة الذهبية التي توصل اليها افلاطون، والتي نجدها في تعاليم الحكيم الصيني كونفوشيوس قبله وفي تعاليم المسيح بعده، فهي الآتية: «إفعل للآخرين ما تريد ان يفعله الآخرون لك». وقد جاء في مستهل الكتاب التاسع من «القوانين»: «إما ان يسنّ البشر قانوناً لأنفسهم ينظّمون حياتهم به وإما لن تكون حياتهم افضل كثيراً من حياة وحوش الغاب»(19).

وفي القرن السابع عشر وضع المفكر البريطاني توماس هوبس فلسفة للدولة قائمة على التمييز بين حال الطبيعة، حيث «الانسان ذئب لأخيه الانسان»، وحال النظام، حيث تضبط الدولة تعديّات الناس بعضهم على بعض بواسطة سن القوانين.

2 ـ انواع العنف

يذهب علماء النفس الاجتماعي إلى ان هناك عدة انواع من العنف: منها العنف المباشر، وهو العنف الذي يوجه مباشرة إلى الشخص أو الشيء الذي سبب لنا الاحباط والاخفاق، والعنف المستبدل، وفيه يوجّه الفرد العنف إلى شخص آخر غير الفرد الذي سبب له الاحباط، وذلك عندما يكون مصدر الاحباط قوياً ويخشى الفرد أو يهاب سببه، فينقل عنفه أو انفعاله إلى فرد آخر يكون اقل قوة ومقاومة من الفرد المسبب، كالموظف الصغير الذي لا يستطيع ان يثور في وجه رئيسه القوي، فيكبت غيظه في نفسه، حتى إذا ما عاد إلى منزله انفجر لأي سبب بسيط ثائراً على زوجته.

هناك ايضاً العنف المقنّع والعنف الصريح. ولدى الانسان نزعة طبيعية لإظهار العنف. وتتضمن هذه النزعة العدوانية الميل نحو ان يحمل الفرد الآخرين على قبول اهتماماته وأهوائه ومواقفه وأفكاره، على الرغم من معارضتهم، وذلك رغبة في التسلط والهيمنة والسيطرة وسط الجماعات الاجتماعية.

وهناك العنف العام الذي يتجّه نحو المجتمع ككل كما هي الحال مع الشخصيات السيكوباتية (psychopathique)، أي المصابة بأمراض نفسية خطيرة، أو الأحداث الجانحين الذين يتعدّون على افراد المجتمع وممتلكاتهم دون أي احساس بالذنب. ويستخدم منهج تصريف الأفعال لايجاد منفذ أو مخرج للعداوة المكبوتة(20).

هناك ايضاً العنف المهني الذي نرى مثلاً عنه في ممارسة مسؤول الضغط على موظّف صغير، موهماً ايّاه بترقيته. وهذا يمارس بنوع خاص على الموظفات. وهو امر يكاد يكون شائعاً حول العالم.

ونرى العنف الثقافي أو الحضاري، مثل ختن الاناث الذي يشار اليه احياناً على انه «طهور الإناث» أو «الطهور الفرعوني». وهو ممارسة تقليدية لجماعات عرقية كثيرة، بدءاً من الساحل الشرقي إلى الغربي لأفريقيا وفي المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية، على امتداد الخليج وبين بعض المهاجرين من هذه المناطق في اوروبا واوستراليا واميركا الشمالية. وقد ابلغ ايضاً عن حدوثه في بعض الجماعات التي تمثل اقلية في الهند وماليزيا واندونيسيا(21). ويضم ختن الاناث، وفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية، جميع الاجراءات التي تنطوي على إزالة جزئية أو كاملة للأعضاء التناسلية الأنثوية الخارجية. ويقدّر «ان 120 مليون امرأة موجودات حالياً قد أجري لهن شكل من أشكال الختان، وأن مليون بنت على الأقل يكن معرضات كل سنة للختان»(22). وتجدر الاشارة ان هذه المعتقدات والممارسات المتعلقة بختان الاناث تنم عن رغبة في السيطرة على التجربة الجنسية للمرأة وتأييد اولوية الذكر على الأنثى في ما يتعلق بالاشباع الجنسي. ورغم الجهود الرامية للقضاء على ختان الاناث، فإنه ما يزال ممارساً على شريحة واسعة نسبياً بسبب شدة التمسك بالمعتقدات الثقافية.

وهناك العنف المدرسي، الذي يحدّده جاك دوباكييه (الأستاذ في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في جامعة باريس)، بأنه تعد قاس على نظام المؤسسة المدرسية وخرق للقواعد المتبعة في الحياة الاجتماعية(23).

وأخيراً نأتي إلى العنف الأسري، وهو محور دراستنا.

3 ـ العنف الأسري: مفعوله، حجمه، اشكاله

إن العنف الأسري، من حيث هو ظاهرة اجتماعية، يشكل احد الموضوعات الكبرى التي اوسعها العلماء السلوكيون المعاصرون درساً.

ومما لا شك فيه ان الأسرة هي الملاذ الآمن للأفراد اذ توفر لهم الطمأنينة والحب والاستقرار. لكن هذه الحال لا تنطبق، مع الأسف، على جميع العائلات. بل نرى في الواقع العديد من الأسر التي تحولت حياتها إلى ساحة للعنف الشديد الذي يمارسه أعضاؤها احدهم تجاه الآخر.

وفي الواقع ان مفهوم العنف الأسري بوجه عام يشير إلى «سوء معاملة شخص لشخص آخر تربطه به علاقة وثيقة مثل العلاقة بين الزوج والزوجة، وبين الأخوة، وبين الفتاة وخطيبها أو صديقها في مرحلة ما قبل الخطبة، وبين الأقرباء عموماً. ويتداخل مفهوم العنف الأسري مع مفاهيم كثيرة قريبة منه، مثل العنف المنزلي أو سوء معاملة احد الزوجين للآخر أو سوء معاملة الأطفال»(24).

وفي أكثر الأحيان تأتي اعمال العنف المنزلي من الأزواج ضد زوجاتهم، وان كان من غير المستبعد ان تمارس بعض الزوجات اعمال العنف ضد ازواجهن. أما الأطفال فيكونون احياناً ضحية عنف الآباء أو من يمثلهم في غيابهم. ويمارس العنف أيضاً ضد الأجداد والجدات.

وكان يظن حتى وقت قريب ان الأزواج الذين يعانون أمراضاً نفسية وعقلية أو الأميين وحدهم هم الذين يسيئون معاملة زوجاتهم واطفالهم، وان هذه المعاملة السيئة بين افراد الأسرة الواحدة تنتشر بين الأسر الفقيرة دون سواها. لكن البحوث التي اجراها غيليس (Gelles) وستراوس (Strauss) عام 1988 تبين عدم دقة هذه التصورات. فقد اكدت المقابلات التي اجريت مع 6002 أسرة ان العنف واسع الانتشار، وانه متبادل بين أفراد الأسرة ويأخذ أشكالاً مختلفة تتراوح بين الألفاظ البذيئة والقتل. كما جاء في الدراسات التي اجراها «لوبي النساء الأوروبي» ان العنف تجاه الزوجات يأخذ منحى القاعدة وليس الاستثناء، وانه يطال جميع الطبقات والفئات الثقافية والجغرافية والعمرية، بحيث يمكننا القول بأنه ما من طبقة اجتماعية هي في منأى عنه... حتى المجتمعات التي تشهد درجة عالية من المساواة بين الرجل والمرأة(25).

ويظهر العنف المنزلي في صور متعددة، منها:

ـ الايذاء البدني: هذا هو العنف الأشد خطراً، خصوصاً إذا صحبه جروح أو كسور. وقد يأخذ شكل الاعتداء بالضرب دون احداث اضرار جسيمة، كالصفع على الوجه والركل بالقدم أو الحرمان من الطعام والشراب لفترة محدودة.

ـ الاعتداء الجنسي: هذه الصورة من اعمال العنف تتجسّد في اكراه الزوجة على ممارسة الجنس دون النظر إلى وضعها النفسي والجسدي ورغبتها في ذلك. ويأخذ الاعتداء الجنسي ابشع صوره عندما يحاول الأب اغتصاب ابنته أو الأخ اخته.

ـ الايذاء المعنوي: هذا الايذاء يتجسّد في صور متعددة، كاطلاق الشتائم والألفاظ البذيئة القاسية، مثل سب احد الزوجين للآخر أو لأهله. وقد يأخذ اشكالاً من الاكراه، حيث يهدد احد افراد العائلة بكشف «سرّه» أو بإيذاء احد يحبه أو بإتلاف مقتنيات يعتز بها.

ـ سوء المعاملة الاقتصادية: يتجلى هذا العنف المنزلي هنا في حرمان الزوج زوجته مصروف المنزل أو في الاستيلاء على راتبها لينفقه على ملذّاته أو الاستحواذ على مدخراتها ليعطيها لأهله.

ـ سوء المعاملة الاجتماعية: تبرز هذه الصورة في فرض العزلة الاجتماعية على أحد افراد الأسرة، كحظر خروج الزوجة من المنزل لزيارة اهلها أو صديقاتها أو حرمان الأطفال من الاختلاط بأبناء الجيران أو اصدقائهم أو اقربائهم.

لكن السؤال المطروح هنا يتناول العنف بصوره البشعة: ما هو حجمه؟ وما هي نسبة حدوثه؟

إذا اخذنا المجتمع الأميركي لوجدنا، وفق دراسة وطنية اجريت في الولايات المتحدة، ان ما يتراوح بين 21 و30% من النساء يضربهن الشريك مرة واحدة على الأقل في حياتهن، والنصف على الأقل من هؤلاء النساء يتعرضن للضرب اكثر من ثلاث مرات كل سنة(26).

وفي كولومبيا نرى ان نحو 20% من النساء تعرّضن للضرب من جانب الشريك.

وفي بابوا ـ غينيا الجديدة نرى ان هناك نسبة 67% من نساء الريف و56% من نساء الحضر تعرّضن للعنف الجسدي. وفي دراسة محلية جرت في احدى مناطق كينيا، تبيّن ان 42% من النساء يتعرّضن للضرب بانتظام من جانب ازواجهن.

وتؤيد الدراسات توقع وجود قدر كبير من العنف العائلي ضد المرأة. والانتحار هو الاستجابة المتطرفة لهذا العنف. ففي دراسة للأسر الهندية، تجد نسبة 41% من تلك الأسر ان العنف الزوجي هو سبب انتحار الأحباء.

وفي سيريلانكا، تشير الدراسات التي اجريت في منتصف الثمانينات إلى ان حالات الانتحار بين النساء اللواتي تراوح اعمارهن بين 15 و24 عاماً أعلى 5 مرّات من معدل الوفيات الناجمة عن الاصابة بالأمراض المعدية وأعلى 55 مرة من معدل الوفيات الناجمة عن عمليات التوليد.

وفي بنغلاديش نجد ان ما يصل إلى 50% من جميع عمليات القتل كانت تعزى احياناً إلى عنف الزوج ضد المرأة. وفي بابواـ غينيا الجديدة نجد ان قرابة ثلاثة ارباع النساء المقتولات قتلهن ازواجهن. وقتل الأزواج للنساء كثيراً ما يكون نتيجة لإساءة المعاملة بصورة مستمرة ومتصاعدة(27).

وبالنسبة إلى العنف المتمثل بالاغتصاب الجنسي، تشير الدراسات الاستقصائية في الولايات المتحدة إلى 700.000 امرأة يتعرضن سنوياً للاعتداء الجنسي. وتغتصب امرأة واحدة حول العالم كل 6 دقائق. وغالبية ضحايا الاعتداء الجنسي صغيرات السن. ففي الولايات المتحدة قدّر تقرير صدر عام 1992 أن 61% من ضحايا الاعتداء الجنسي هن دون الثامنة عشرة.

وفي كندا، اكدت دراسة جرت عام 1993 أن أكثر من 54% من الإناث تعرّضن لشكل من أشكال التجربة الجنسية غير المرغوبة أو المقحومة قبل بلوغهن السادسة عشرة(28).

أما في المجتمعات الأوروبية فإن الوضع لا يقلّ سوءاً. وتجيبنا إحصاءات «لوبي النساء الأوروبي» بالمعطيات الآتية:

ـ فنلندا (1988): 52% من النساء الراشدات كن ضحية عنف بدني أو جنسي منذ سن الخامسة عشرة، أي ما قبل الزواج وما بعد الزواج.

ـ البرتغال (1997): ان نسبة النساء اللواتي واجهن العنف تبلغ 56.3% في ضواحي المدن، و55.4% في قلب المدن و37.9% في الريف.

ـ بلجيكا (1988): 68% من النساء تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي.

ـ المانيا: 14.5% من النساء وقعن ضحية اعتداء جنسي من أحد افراد العائلة.

وبالنسبة إلى العنف الموجه من الزوج أو الشريك إلى الزوجة أو الشريكة نرى الاحصاءات الآتية:

ـ هولندا (1988): 20.8% من النساء كن عرضة العنف الجسدي من الشريك. 26.25% كنّ يتبادلن العنف.

ـ بلجيكا (1988): 48.4% من النساء تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي.

ـ فنلندا (1988): 22% من النساء المتزوجات أو المساكنات كنّ ضحية عنف ازواجهن أو شركائهن، و19% من هذه الحالات حصلت تحت وطأة الكحول.

ـ البرتغال: 52.8% من النساء المتزوجات أو المساكنات كن ضحية العنف الجسدي، و47% يتألمن من العنف المعنوي والنفسي، و16% من هذه الحالات فقط حصلت مع تناول الكحول.

ـ فرنسا: في آخر دراسة وطنية سنة 2001، تبين ان اكثر من 20% من النساء المتزوجات يتعرضن للعنف الجسدي بما فيه العنف الجنسي. وبالتحديد، 12.6% تعرضن للعنف الجسدي و11.6% تعرّضن للعنف الجنسي. أما نسبة النساء اللواتي يتعرضن للعنف المعنوي والنفسي فهي 40.3%(29).

وتجدر الاشارة هنا إلى أن كثيراً من النساء اللواتي يتعرّضن للعنف كن اما خلال فترة الحمل، أو بعد الولادة، أو اللواتي ما زال اطفالهن صغاراً، أو خلال فترة الانفصال.

بعد أن ألقينا الضوء على حجم المشكلة، نشير إلى أن هذه النسب تبقى أقل من العنف الممارس في الواقع في هذه المجتمعات، وذلك لأن بعض حالات العنف تبقى مستترة أو غير معلنة لما تنطوي عليه من تحريم اجتماعي (tabou). كما ان النساء المتعلمات أو اللواتي يتميزن بوضع اجتماعي رفيع هن أقل جرأة للاعلان عن معاناتهن للعنف.

وهذا ما جاء في الدراسة الفرنسية: «بقدر ما يرتفع مركز النساء الاجتماعي، فهنّ يجدن صعوبة في التعبير أو الاعلان عنه»(30).

4 ـ بعض نظريات علم النفس الاجتماعي المفسّرة للعنف واسبابه

ان تحليل العنف المنزلي (وتحديداً إساءة معاملة النساء) من حيث هو ظاهرة اجتماعية كان محور اهتمام العديد من الباحثين. من هنا نرى كثيراً من النظريات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة من خلال مجموعة عوامل فردية وثقافية وعوامل التنظيم الاجتماعي.

وفي إطار بحثنا سنتناول أربع نظريات:

ـ النظرية النسوية.

ـ نظرية العلاقة بين الدور والجنس (gender)، والدور المتوقع في الحياة الأسرية.

ـ نظرية ثقافة العنف.

ـ نظرية تناقل الخبرات بين الأجيال.

ـ النظرية النسويّة:

هذه النظرية، التي تفسّر سوء معاملة الأزواج لزوجاتهن، حظيت باهتمام الباحثين، وكانت الأكثر استخداماً وانتشاراً في بحوثهم. وهي ترمي إلى تحليل سوء معاملة الزوجة عن طريق التعمق في البنية الاجتماعية والقيود الثقافية التي تمتد جذورها بعمق منذ تربية الأنثى وهي طفلة. لذلك تركّز هذه النظرية على عدد من المسائل، مثل ضرورة التأكيد على الخبرات التي يكتسبها أفراد المجتمع وفق هويتهم الجنسية (ذكور وإناث)، والاقرار بأن المرأة يتعين عليها الخضوع في المجتمع، والتأكيد على الالتزام بتخليص المرأة من هذا الخضوع. كما تركّز النظرية النسوية على الطرق التي تستخدم لصياغة أساليب التمييز بين الرجال والنساء، وعلى الأساليب التي تضمن استمرار علاقات القوة لمصلحة الرجال. ومن هذا المنطلق أن القوة التي يتمتع بها الرجل تسمح له بفرض سيطرته على العلاقة بينه وبين زوجته وبإخضاع الزوجة لأساليب مختلفة: بدنية ومادية ونفسية ومعنوية.

كما تهدف هذه النظرية إلى مراقبة استبداد الرجل بالمرأة على وجه العموم، ولماذا ينظر المجتمع إلى الزوجة كخاضعة لزوجها رغم أنها تعمل خارج البيت وتساهم في ميزانية المنزل. ولعلها الأكثر شجاعة في مواجهة مشاكل غير متوقعة في العائلة. وتركز النظرية على السياق التاريخي الذي حصل فيه تغاضي المجتمع عن سوء معاملة الزوجات، وتنظر إلى هذه الممارسة كأنها أمر طبيعي أو بديهي لا يثير الاستهجان أو يستوجب العقاب. وتشير هذه النظرية أيضاً إلى أن المجتمعات ذات التراث اليهودي ـ المسيحي هي التي شرّعت فكرة السيطرة على النساء، هذه الفكرة التي ما تزال مستمرة حتى اليوم في مجتمعنا من خلال تربية الصغيرات على طاعة الرجال عموماً، مثل الأب والأخ الأكبر والزوج، وعلى رعاية الرجال لهنّ باعتبارهم مصدر الأمن والحماية. هكذا تنشأ المرأة قاصرة عن ردّ العنف ومستسلمة له ومتخلية عن مقومات الدفاع عن النفس والتصدي لسوء معاملتها. بكلام آخر، إن طريقة التنشئة الاجتماعية التي تمنح الرجل القوة والحق في إساءة معاملة زوجته هي من أهم الأسباب الجوهرية للعنف المنزلي.

ـ نظرية ارتباط الدور بالجنس والدور المتوقع في الحياة الأسرية:

هذه النظرية مكمّلة للنظرية الأولى ومرتبطة بها. ويذهب دعاتها إلى ان التنشئة الاجتماعية التقليدية للأطفال وإعدادهم للقيام بأدوار اجتماعية معينة وفق هويتهم الجنسية، ذكوراً كانوا أم اناثاً، من الأمور التي تعزّز سوء معاملة المرأة. ويرى بعض العلماء ان تنشئة الذكور من الناحية الجنسية في سن مبكرة تؤثر على علاقاتهم الجنسية مع زوجاتهم في المستقبل. «فالفتاة يتم تنشئتها على الخجل وكتمان كل ما يتعلّق بحياتها الجنسية، في حين ان المجتمع يكون اكثر تسامحاً مع الفتى»(31). ولهذا تكون الزوجة أكثر خضوعاً للزوج، وربما تعرّضت لسوء معاملته في ما يتعلق بتفاعلهما في شأن إشباع الرغبة الجنسية. وهكذا تقدم نظرية الارتباط بين الدور والهوية الجنسية «تفسيراً مبسّطاً لسوء معاملة الأزواج لزوجاتهن، يكمن في ان الأدوار التي يقوم بها الرجال والنّساء تضع الرجال في وضع أفضل من النساء وتسمح لهم بإساءة معاملتهنّ»(32).

ـ نظرية ثقافة العنف:

يؤكد أصحاب هذه النظرية ان سوء معاملة الأزواج لزوجاتهم يكمن في شيوع ثقافة العنف وقبولها في المجتمع. وهذا القبول يضفي الشرعية على استخدام العنف في الحياة الأسرية ويدعم اللجوء إليه. لهذا نرى بعض الأزواج لا يتورعون عن صفع زوجاتهم أو غير ذلك من افعال قاسية. ويرى أحد العلماء (M.A. Strauss) ان هناك حدّاً ادنى من الاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع على تأييد استخدام الأزواج للعنف مع زوجاتهم. وقد أطلق على ذلك التأييد «عقد الزواج وترخيص بالضرب»(33).

ويذهب رصل (G.W. Russell) إلى ان وسائل الاعلام والقانون تشجع، أو على الأقل تسمح، بالعنف ضد الزوجين. وهكذا، في ضوء التوقعات القضائية، فإن المجتمع يتوقع ان يظهر الأطفال الذكور مزيداً من العداوة أكثر مما يتوقع من الإناث(34).

ـ نظرية تناقل الخبرات بين الأجيال:

تذهب هذه النظرية إلى انّ الأطفال الذين عاينوا أو عاشوا تجربة العنف في منازل ذويهم هم أكثر ميلاً إلى استخدام العنف في منازلهم في المستقبل. فالأولاد الذين كان آباؤهم يسيئون معاملة امهاتهم وكانوا يتعرّضون هم انفسهم للمعاملة السيئة من آبائهم، غالباً ما يلجأون إلى العنف مع زوجاتهم وأولادهم. وقد أكد دعاة هذه النظرية ان هناك علاقة وثيقة بين درجة حب الأهل لأولادهم واستخدام العنف. فالقسوة أو العنف مع الطفل محبة له وخوف عليه. وبكلام آخر، إنّ الأب الأكثر حباً لأطفاله هو الأكثر عنفاً. وهكذا، فإن الطفل يتماثل مع أبيه ويتقبّل هذه القيمة الثقافية لينقلها ويمارسها، عندما يصبح أباً، مع أطفاله.

ـ تحليلنا الشخصي لأسباب العنف:

بعد عرض هذه النظريات يمكننا القول بأنّ العنف مع الزوجات لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة، وذلك لتعدد المتغيرات التي تشتمل عليها هذه الظاهرة. لذلك يمكننا ايجاز هذه الأسباب وتحليلها على النحو الآتي:

ـ رغبة أحد الزوجين في السيطرة على الآخر. وغالباً ما يأخذ الزوج هذا الدور، اعتقاداً منه ان السيطرة قيمة اجتماعية ملازمة للرجولة وحق طبيعي، وأن الزوجة من ملكيّته. وهذا الاعتقاد ناتج عن هيمنة القيم التقليدية وقوتها، كما أشرنا سابقاً، إذ أن المجتمع الشرقي، كما الأوروبي، كان يشجّع الرجال، عبر تاريخه الطويل، على المغامرة وممارسة القوة، ويشجّع النّساء على ان يتميزن بالخضوع والضعف.

وهنا نتساءل: كيف يمكن باسم القيم الاجتماعية ان يمارس العنف؟ وإذا كانت مثل هذه القيم تشجّع ذلك، فأين هي من جوهرها؟ انها تغدو عندئذ قيماً فارغة لا تحمل سوى اسمها. وهنا أحب أن أشير إلى أن ّ كل قيمة اجتماعية سائدة لا تلامس العدالة والجوهر الإنساني في المطلق، أي الإنسان كإنسان، ذكراً كان أم أنثى، ليست بقيمة وليست جديرة باسمها أو بالتمسك بها واحترامها. من هنا يعيش المجتمع صراعاً مع القيم البالية.

ـ شعور أحد الزوجين بإساءة الطرف الآخر له، خصوصاً إذا ما رافق ذلك سخرية بالآخر.

ـ عدم ممارسة الحوار والمنطق السليم وتفهّم الأفراد بعضهم لبعض لمقاصدهم ولنيّاتهم، أي للظرف أو السياق الذي تحدث فيه اساءة معينة. إن سوء التفاهم يشعر المرء باليأس والألم والإحباط ويدفعه أحياناً إلى القيام بأعمال عنيفة. وإذا كانت المرأة الضحية، ففي كثير من الأحيان تردّ على العنف بعنف مضاد على نفسها بضربها نفسها مثلاً في ثورة غضب. وإذا تأملنا في ذلك لوجدنا أننا نادراً ما نرى ردود الفعل هذه عند الرجال. وبهذا تكون المرأة ضحية العنف مرتين في آن معاً: مرة من زوجها ومرة أخرى منها هي على نفسها، وذلك لأنها غير قادرة، في الوعي واللاوعي، على مجابهة زوجها كونها امرأة. وهذا ما نراه حتى في المجتمعات الأوروبية كما ورد في دراسة اوروبية في فرنسا: «ان العنف يختلف باختلاف الأفراد: ان النساء اللواتي يتصفن بمستوى علمي وضيع، كما المتقدمات بالسنّ، هن الأكثر عرضة لتوجيه العنف ضد انفسهن. بينما الرجال والشبان الذين يتصفون بمستوى علمي لائق يوجّهون العنف ضد الآخرين، وفي معظم الحالات ضد النساء»(35).

ـ اعتقاد أحد الزوجين، ولا سيما الزوج، ان العنف هو السبيل الوحيد لحل مشكلاته مع الطرف الآخر، خصوصاً إذا كان قد عاش تجربة في محيطه أكدت له ان العنف هو الحل.

ـ اعتقاد الزوج انه رب البيت، وعلى هذا الأساس له حق العقاب بأي وسيلة، والتصرف كما يحلو له، وعلى جميع أفراد العائلة الاقتناع بذلك والخضوع له.

ـ عدم اصغاء احد الزوجين للآخر. إنّ هذا التجاهل يُشعر الشريك بالعزلة وعدم القدرة على التفاعل معه.

ـ شعور أحد الزوجين بالإحباط في عمله، وعدم قدرته على التعبير عن شعوره بالغضب أمام رئيسه، فيأتي إلى المنزل ليصبّ غضبه على أفراد العائلة المستضعفين في نظره. وهذا ما أشرنا اليه بالعنف المستبدل.

ـ البطالة ومعاناة أحد الزوجين من مشكلة مادية.

ـ رضوخ احد الزوجين، وغالباً المرأة، للنقد المستمر. وهذا يعود إلى أمرين: الأول اعتقاد المرأة ان التسامح والتهاون من شأنه خفض النزاع، في الوقت الذي يجب ان تلجأ إلى الحوار المنطقي الذي يبرر نقاط الضعف عند كليهما، وبالتالي معالجة الوضع. أما الثاني فيعود، كما يراه عالم النفس سنيل (Snell)، إلى شخصية المرأة المازوشية، التي تتلذّذ بشعور الألم والتعذيب الذي ينزله بها زوجها، خصوصاً عند الممارسة الجنسية(36).

لكن هذه النظرية لم تلق تجاوباً كثيراً من علماء النفس.

ـ فقدان الثقة بين الزوجين، أو الخيانة الزوجية.

ـ تباين الثقافة والميول والطموحات بين الزوجين. ان تعارض الاهتمامات ودرجة أولويتها وعدم الانسجام عوامل تؤدي، في غالب الأحيان، إلى ردود فعل سلبية.

ـ الصراع بين أدوار المرأة الأسرية وأدوارها الخارجية، والصراع بين دور الرجل ودور المرأة داخل الأسرة. وهذا ما عبر عنه تالكوت بارسونز عندما اعتبر دور الرجل وظيفياً (rôle fonctionnel)، أي انه المسؤول الأول والأخير عن توفير حاجات العائلة، ودور المرأة عاطفياً (rôle expressif)، أي انها المسؤولة عن توفير العطف والحنان والعناية. وإذا حاولت المرأة تأدية دور الرجل، دبّت المنافسة بين الزوج والزوجة، ونشأت بالتالي النزاعات العائلية والممارسات العنفية.

والمؤسف، رغم شعور الرجل بحاجة عمل المرأة خارج الأسرة وسط الأزمة الاقتصادية التي نعيشها، اننا نراه يترفّع عن مساندتها في الأعمال المنزلية، وكأن هذه الأعمال تخفف من رجولته أو مستواه. وما هذه الذهنية سوى تجسيد للقيم التقليدية التي نحن في صراع معها.

ـ العامل البيوكيميائي، أي الطبع، حيث نرى بعض الرجال غير قادرين على التعبير عن مشاعرهم الا بالسلوك العنيف. بكلام آخر، ان نزعة العنف متقدمة لدى الرجال بالفطرة، لذلك لا يستطيعون السيطرة على انفسهم ولجم غريزة الدفاع عن النفس. كما ان العامل البيولوجي يأخذ منحى آخر، وبالتحديد عند المرأة، في مرحلة انقطاع الدورة الشهرية. ففي هذه المرحلة تعيش المرأة تغيرات نفسية وجسدية، مما يساهم في عدم قدرتها على السيطرة في مواقف معينة.

ـ أفلام العنف والرعب والجنس وأثر المخدرات. لقد بيّنت الدراسات في فرنسا أن 50% من حالات العنف المنزلي تحصل تحت تأثير المخدرات(37).

ـ أخيراً وليس آخراً، غياب الحب الحقيقي، مع شيوع المفهوم الخاطىء للزواج وللشريك.

وإذا تعمقنا في تحليل الدراسات ( سواء في المجتمع الأوروبي أو في المجتمع العربي) التي حاولت الكشف عن اسباب العنف، لرأينا انّ هناك ثغرة كبيرة، هي عدم ربط العنف المنزلي بالمفهوم الخاطىء للزوج والزواج والحب. ان مجمل الدراسات ربطت العنف المنزلي بالمستوى الاقتصادي ـ الثقافي ـ الاجتماعي ـ العمري، وغاب عنها ربطه بمفهوم الزواج، اي:

ماذا يفهم كل من الزوج والزوجة بالزواج وبالشريك؟ ولماذا الزواج؟ ولماذا الشريك؟ هل نتزوج أولاً بهدف الانجاب أو الاستقلالية أو الثروة أو بلوغ عمر معين، ام نتزوج اولاً بهدف معايشة الشريك الذي نحبه واصبح محور حياتنا ومعنى وجودنا؟ بكلام آخر، كيف ينظر الشريك إلى شريكه: هل كغاية في ذاته ام كوسيلة من اجل الوصول من خلاله إلى مآرب معينة؟ فإذا كان وسيلة، فلا شك أن العنف المنزلي يزداد بحدة عند أدنى مشكلة عائلية. أما إذا كان غاية في ذاته، فإن أكبر المشكلات يمكن أن تضمحل أو تندثر لأن الحب الحقيقي المتبادل كفيل بالحد من النزاعات. فكل من الزوجين عندئذٍ يستوعب الآخر ويتفهمه ويصبر عليه لأنه يحبه وهو غايته ومصدر سعادته.

وهنا نجد صراعاً آخر مع القيم الاجتماعية السائدة التي تشجع الزواح، خصوصاً من شخص ميسور، دون النظر إلى الحالة العاطفية من حيث كونها تبرر الزواج وتحلله، أي تعطيه شرعيته.

هكذا يصبح غياب الحالة العاطفية من أهم أسباب العنف في نظري. وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً آخر، بعدما رأينا أن العنف يمارس أيضاً في حالات المعاشرة الزوجية خارج الرباط التقليدي.

الجواب هنا أن العديد من الأشخاص يلجأون إلى المساكنة ليس بدافع الحب بل بقدر ما هو بدافع اكتساب خبرة قبل الزواج.

ومن ناحية أخرى، يمكننا القول بأن الحب الذي خص به الله الانسان سريع العطب. لذا وجب بناؤه على قاعدة صلبة والمحافظة عليه والتمتع به.

خاتمة: آليات وحلول

ان وعي الانسان لأسباب مشكلة معينة يشكل الخطوة الأولى لمعالجتها والتصدي لها. واذا كنا قد رأينا ووعينا الأسباب الكامنة وراء العنف المنزلي، أمكننا التصدي لهذه الظاهرة المنحرفة. الحلول تأتي بوضع الاصبع على الجرح، أي بمعالجة الأسباب وليس النتائج، خصوصاً لأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب هي اطالة للمشكلة وليست حلاً لها. وبما ان العنف العائلي ليس بظاهرة عرضية، على حد تعبير الباحث الفرنسي باتريك مونييه، وانما هو ظاهرة تنبع من البنية والقيم الاجتماعية للدول المتخلفة كما ان وتيرتها ترتفع يوماً بعد يوم رغم غياب الاحصاءات الدقيقة(38)، كان لا بد من التمعن بالحلول انطلاقاً من التركيبة أو البنية الاجتماعية على الشكل التالي:

ـ تعديل النشأة الاجتماعية واعادة صياغة بعض المفاهيم التي تدعم الرجل وسيطرته وتعزّز ضعف المرأة واستكانتها له انسجاماً مع انوثتها.

وهنا نتساءل: كيف تربط هذه التربية الأنوثة بالضعف والاستكانة، والرجولة بالقوة والهيمنة؟ لا شك ان هناك خصائص مميزة للمرأة كما للرجل. والخصائص الأنثوية التي تعتز وتفتخر بها المرأة لا تتعارض على الاطلاق مع قوة الشخصية وتحقيق الذات. وقد حان الوقت حقاً للتخلص من هذه الذهنية والتغلب على المفاهيم والقيم الزائفة.

ـ تعديل القوانين بالقضاء على جميع انواع التمييز بين المرأة والرجل من حيث الحقوق والواجبات، ومنها قانون الجنسية الذي لا يجيز للمرأة المتزوجة من رجل اجنبي اعطاء الجنسية لزوجها ولأولادها، وقانون الأحوال الشخصية الذي يحدد حق الرجل، في حال الطلاق، بتربية الأولاد بعد بلوغهم السابعة. ان هذا التمييز يساهم في سيطرة الرجل وهيمنته، وبالتالي في ممارسته العنف كحق له بما انه الأقوى. لذلك يجب انهاء المعاملة السيئة للزوجات واعادة بناء علاقات القوة بين الرجال والنساء.

ـ المشاركة والتعاون في الأعمال المنزلية وفق جهوزية الزوجة أو الزوج وليس وفق الأدوار التقليدية التي تحصر دور الرجل في الأعمال الخارجية. من هنا، ان اعادة هيكلية الأدوار التي يؤديها الرجال والنساء من شأنها الحد من هذه الظاهرة.

ـ اعتماد «الحوار المنطقي العاطفي»، وأقصد بذلك التعبير عن مشكلة معينة على نحو منهجي أو منطقي، وفي الوقت نفسه بمحبة ولغة سلسة راقية بعيدة عن الوعظ والادعاء.

ـ اعتماد العدالة والمساواة بين الأطفال، ذكوراً كانوا ام إناثاً.

ـ اعادة صياغة المتغيرات الثقافية التي تعزز اللجوء إلى العنف واعتماد ثقافة السلام بدل ثقافة العنف في تربيتنا التي من شأنها لجم الغرائز والسيطرة على الذات واقتناع الآباء بعدم اللجوء إلى العنف مع اطفالهم، أي بالعدول عن العقاب الجسدي والنفسي، وعدم اللجوء إلى العنف مع الزوجات، خصوصاً امام اطفالهم. وهذا يعني تعزيز روح التفاهم والمحبة الصادقة التي تكون غاية في ذاتها، لا وسيلة للوصول إلى مآرب معينة.

ـ تنشيط عمل المؤسسات، كلجنة مناهضة العنف ضد المرأة، بأعمال ميدانية واحصائية تكشف حجم المشكلة.

ـ دور وسائل الاعلام في التوجيه والتركيز على ثقافة السلام. مثلاً، عرض مشكلة عائلية من خلال شريطين وثائقيين، يحاول الأول حل مشكلة معينة بشكل عدواني وعنيف، والثاني بتفاهم ومنطق ومحبة، مع مقارنة النتائج التي توصّل اليها أفراد الأسرة في كلا الشريطين. وهذا من شأنه التركيز على اشاعة السلام والمحبة وإلقاء الضوء على كيفية التفاعل الايجابي امام المشاكل العائلية، هذا التفاعل الذي يتيح لكل فرد مجالاً لتحقيق ذاته بدلاً من تحقيق الرجل ذاته على حساب المرأة، ويتيح بالتالي بلوغ السلام العائلي والاجتماعي.

ولئن كان ممكناً ادراج هذه الحلول تحت أبواب ثلاثة هي: 1ـ تعديل التنشئة الاجتماعية، 2ـ تعديل القوانين، 3ـ دور الدولة ووسائل الاعلام في نشر ثقافة السلام بدل ثقافة العنف، ففي الامكان حصر هذه الأبواب الثلاثة تحت باب واحد هو: تعديل التنشئة الاجتماعية عن طريق تنمية الحس الواعي النقدي. وهذا يستتبع تحويل بعض القيم المعتبرة قيماً مطلقة وثابتة، ومنها مفهوم الرجولة والهيمنة، إلى قيم نسبية متغيرة، خاضعة للتطور الثقافي والحضاري، بحيث ينظر إلى الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، شريكاً ام زوجاً أم أخاً أم صديقاً، كما لو كان غاية في ذاته.

وإذا كان ثمة فكرة أنهي بها هذا البحث، فهي التذكير بأن الخلط بين القيم، كتوحيد الرجولة بالهيمنة والأنوثة بالخضوع والنظر إلى الشريك كوسيلة، وقياس النسبي بمقياس المطلق والمتحول بمقياس الثابت، هو المسؤول عن التفكك والعنف العائلي.

لقد آن الأوان كي نعي أن كل قيمة أو عقيدة لا توصل الإنسان إلى ملء قامته وتجعله يعي وحدته مع الجنس البشري هي قيمة شكلية مفرّغة من محتواها. ان النظرة النقدية التي اقترحناها يمكن ان تفضي إلى تحقيق وحدة انسانية واجتماعية وعائلية، يفهم فيها الأفراد بعضهم بعضاً ويحترمون بعضهم بعضاً، وبهذا تخدم قضية القيم الأصلية، وتجعل القيمة جديرة باسمها.

المراجع:

1 ـ اديب صعب، الدين والمجتمع، بيروت: دار النهار، 1995، ص 59.

2 ـ W.H. Kilpatrick, Philosophy of Education, New York: Macmillan, 1956, p. 69.

3 ـ C. Kluckhohn, the Concept of Culture, New York: Columbia University Press, 1945, p. 97.

4 ـ Edward Tylor, Primitive Culture, London: John Murray, 1871, p.1.

5 ـ Guy Rocher, Introduction à la sociologie générale. I:L’action sociale, Paris: Editions Points, 1995, p. 111.

6 ـ حامد زهران، علم النفس الاجتماعي، القاهرة: عالم الكتب، 1977، ص 132.

7 ـ Guy Rocher,op. cit., p.72.

8 ـ Henri Mendras, Eléments de sociologie, Paris: Armand Colin, 1979, p. 92.

9 ـ محمد عاطف غيث، مقدمة في علم الاجتماع، القاهرة: دار المعارف، 1962، ص137.

10 ـ انتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة د. فايز الصيّاغ، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص82.

11 ـ المرجع نفسه، ص83.

12 ـ أديب صعب، المرجع السابق، ص 122.

13 ـ د. عبد الله الرشدان ود. نعيم جعنيني، المدخل إلى التربية والتعليم، عمّان: دار الشروق، 1997، ص 209ـ 210.

14 ـ المرجع نفسه، ص210.

15 ـ د. عبد الرحمن عيسوي، سيكولوجية الجنوح، بيروت: دار النهضة العربية، 1984، ص 79.

16 ـ المرجع نفسه، ص 81.

17 ـ المرجع نفسه، ص 81.

18 ـ المرجع نفسه.

19 ـ Platon, les lois, IX, 875 a.

20 ـ عبد الرحمن عيسوي، المرجع المذكور، ص 80.

21 ـ الأمم المتحدة، حالة سكّان العالم 1997. حق الاختيار: الحقوق الانجابية والصحة الانجابية، ص 24.

22 ـ المرجع نفسه.

23 ـ Jacques Dupaquier, La violence en milieu scolaire, Paris: PUF, mai 1999, p.8.

24 ـ د. حسن محمد حسن، «العنف الأسري»، في كتاب علم اجتماع الأسرة، د. غريب سيد أحمد وآخرون، القاهرة: دار المعرفة، 2001، ص 351ـ 352.

25 ـ Le lobby européen des femmes. http: www.womenlobby.org/oldsite/fr/themes/violencedossier/fr

26 ـ حالة سكان العالم 1997، ص 43.

27 ـ المرجع نفسه.

28 ـ المرجع نفسه ص 44ـ 45.

29 ـ http: www.eurowre.org

Violence - definitions - chiffres.

30 ـ.Ibid

31 ـ حسن محمد حسن، المرجع المذكور، ص 359.

 32 ـ المرجع نفسه.

33 ـ المرجع نفسه، ص 360.

34 ـ عبد الرحمن عيسوي، المرجع المذكور، ص 90.

35 ـ Violences domestique - definitions - chiffres, op. cit.

36 ـ ألفت حقي، الاضطراب النفسي: التشخيص والعلاج والوقاية، الجزء الأول، الاسكندرية: مركز الاسكندرية للكتاب، 1995، ص 105.

37 ـ Violence domestique - definitions - chiffres, op. cit.

38 ـ Patrick Monier, les effets de l’éducation, Paris: PUF, 1999, p.21.