العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

الشيخ نجف علي ميرزائي لتحولات:

القدرة الأساسية لايران نابعة من القراءة العملية للفكر الديني
الخميس 6 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 
New Page 1

الشيخ نجف علي ميرزائي مفكر ايراني ورئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، استاذ في الحوزات العلمية والدينية ،له عدة كتب وابحاث في الفلسفة والفكر السياسي الديني ، كان لتحولات هذا الحوار معه.

بدايةً ، ثمة من يعتقد أن قوة ايران الحقيقية تكمن في امتلاكها العقل العملي،. برأيك هل فعلاً قوة ايران اليوم ناتجة عن هذا العقل العملي أم هي نتيجة للفكر الديني الذي تتبناه؟ أم هي مزيج من الاثنين معاً؟

-    القدرة الأساسية لايران المعاصرة متأتية بالدرجة الأولى من القراءة العملية للفكر الديني. فالفكر الديني النظري لو لم يكن قادراً على معالجة الواقع فلسوف يتحول الى عنصر اقعاد وتخلف. والفكر العملي الذي لا يبنى على قناعات حضارية شاملة وكونية لن يؤدي بدوره الى الحل وانما سيؤدي الى التفكك والانحلال والانهيار، كما نرى في بعض الأماكن من العالم حيث ان حالات التقدم العملي والتقني والتكنولوجي كونها غير مبنية على قواعد حضارية واضحة وعلى رؤى شاملة انسانية حضارية انتهت الى الانهيار والضعف والهرم. يحاول العقل الايراني تحديداً -وهذا له ارتباط بالتراكمات التاريخية- أن لا يقصي أيا من العناصر البنَاءة والحضارية في عملية بناء القدرات. فكل هذه العناصر مجتمعة لها تأثير، والعنصر الديني له تأثير وكذلك العنصر العملي له تأثير وعنصر المرونة والتكيف مع التقدم الحضاري الوضعي البشري له أيضاً تأثيره الكبير. بيد أن النزعة التاريخية لا تزال ضعيفة الحضور في هذا المنهج القائم حالياً وهذا يعني أن الايراني لا يهمه كيف وماذا حصل في التاريخ.

هل هذه العقلانية الايرانية هي نتيجة للتاريخ الايراني أم وليدة هذا التاريخ الفارسي العريق، و هل عملية التطوير والتحديث وبناء القدرات القائمة حالياً نابعة من عقيدة دينية؟

-         كما قلت، أنا أرى الأمرين معاً وليس هناك تناقض في ذلك. ما يجري اليوم هو حالة مركبة جديدة، لا يوجد في ايران اليوم احساس بصعوبة الجمع بين القومية والعقيدة الدينية، هذا يعني ان الايراني اليوم يعتز بكونه ايرانياً وبكونه مسلماً في الآن نفسه. ليس هناك أزمة أو مأزق بين القومية و العقيدة الدينية، الايرانيون اليوم ليس لديهم مشروع قومي خاص وليس لديهم أيضاً مشروع ديني تاريخي أيديولوجي بمعزل عن البنية الحضارية الشاملة لبلادهم، لذلك أعتبر أن التراكمات التاريخية صنعت حالة ايرانية مركبة جديدة.

في ايران اليوم تقدم علمي مثير، هنالك صناعات حربية وصناعات اقتصادية مهمة، في حين أن العرب وهم يملكون الفكر الديني نفسه ما زالوا قاصرين عن تحقيق الانجازات في ميادين الصناعة والاقتصاد وغيرها ،هل هذا يعني أن الخصوصية القومية للظاهرة الايرانية الاسلامية المعاصرة جعلت الايرانيين قادرين على امتلاك ناصية التقدم والمعرفة؟

 

لذلك أنا أقول ان الفكرتين معاً صنعتا هذه المقدرة، الفكر القومي أو الفكر الاجتماعي الحضاري المتحرك عبر الزمن اكتسب بعداَ جديداَ عندما تعامل مع الفكر الديني. يعني ذلك ان الدين عندما أصبح في ظرف حضاري مناسب تحول الفكر الاسلامي الى فكر ايراني وتأسلم الفكر الايراني، يعني صار مزيجاً من الاثنين فكانت هذه النتيجة. والحقيقة أنه لا يوجد اسلام واحد في العالم، أو فكر اسلامي واحد، هناك قرآن واحد ولكن، مقاربة القرآن هنا قد تؤدي الى تقدم ومقاربة اخرى للقرآن هناك قد تؤدي في المقابل الى تخلف. وهذا يعود الى طريقة التعاطي مع القرآن، فأنت عندما تقرأ القرآن كنص ديني جامد غير متحرك في الزمن ومعه فهذا سوف يقودك الى التخلف، وهناك آيات في القرآن نفسه تتحدث عن أناس يقرأون القرآن والقرآن يلعنهم، وخاصةً اذا كان هنالك نفاق. القرآن يقدم منهجاً لمقاربة المسائل مهما تنوعت او تناهت في الصغر او الكبر .

 

لقد ذكرت أن التجربة الايرانية تستمد عمقها من التاريخ الايراني، ونحن نعلم أن التاريخ الايراني ليس كله تاريخاً اسلامياً، بل هناك مراحل سابقة للاسلام الايراني، فهل يمكن اسقاط هذه المراحل أو اختزالها بهذه البساطة ؟ وبريك هل نستطيع تهميش الواقع القومي وأن نتجاهل وجوده؟

نحن نتكلم على تقييم الحالة الراهنة في ايران، لو سألتني عن الحضارة أو عن الثقافة أو عن الشخصية الايرانية، أو لو كنا في معرض المقارنة بين الحضارة الايرانية وغيرها من الحضارات لكان الجواب مختلفاَ. نحن أمام مركب قومي ديني قيمي تاريخي، وأنا أعتبر اليوم أن وصف الحالة الايرانية بالحالة المبنية على القومية الايرانية هو تهمة، لماذا؟ لأن الحضارة الاسلامية التي تندمج فيها كل مقومات الحضارة هي خير من الحضارة المبنية على النزعة القومية.

 

ولكن ، القومية هي ظاهرة انفتاحية بامتياز ولا تقوم على الانعزال والتقوقع ورفض الأخر، بل هي مدخل لفهم هذا العالم وتكوينه الحقيقي والواقعي.

 

- أنا لا أقيم النزعة القومية تقييماً أخلاقياً، وانما أصفها وصفاً حضارياً. ما يجري اليوم في منطقتنا هو صراع للقوميات والمذهبيات، ونحن اذا أردنا أن نتقدم في هذا العالم يجب أن نشطب نزعة اسمها النزعة القومية، فالشيئ الذي يجمعنا هو الوطن والمصالح الإنسانية بل ما اسميه بالانسانية العالمية.

 

ولكن، ماذا يعني الوطن دون الأمة ودون القومية؟

الحالة القومية كونها ترتكز على القوم لا يمكنها أن تؤسس للحضارة الانسانية في القرن الواحد والعشرين. نعم،على المستوى المرحلي يمكن الرؤية القومية أن تؤدي الغرض، ولكن، القومية لا تصلح لبناء الحضارة. هي تستطيع أن تشكل عامل توحيد داخل المجتمع نفسه، خاصةً في حال الانقسام العشائري والقبلي ولكن ليس على الدوام. لنأخذ مثلاً العراق حيث ثلث سكانه من الأكراد، فهل تصلح القومية العربية لحل مشكلة الشعب العراقي، وكذلك في ايران هناك قوميات مختلفة واثنيات وأديان مختلفة فهل تصلح الفكرة القومية لحل هذه المعضلة؟ الفكر القومي الايراني أو الفارسي لن يكون مجدياً اليوم؟ لأن القوميات تعددت وكثرت. حتى الغرب تقدم عندما تخلى عن هذه الشعارات المتخلفة (القومية).القومية تستطيع أن تلعب دوراً وظيفياً مرحلياً.

  ولكن ،المسألة القومية شاملة للوجود الانساني برمته وفيها تصب كل روافد الحضارة البشرية من الديني الى الفلسفي والاجتماعي ولاقتصادي و الحياتي.

 اذا لم يكن الرابط الانساني هو الأساس في العلاقة بين الناس كان مستحيلاً التحدث عن تقدم وعن حضارة. هذه القوالب ــ في اعتقادي ــ لا تصلح لبناء الحضارة ولا حتى لاستمرارها. القومية اذاً هي نظرة مرحلية تكتيكية مؤقتة.

طالما أن الهدف الذي تتحدث عنه هو وحدة الانسانية. في حين أن التعصب للدين أو للمذهب أو حتى للقومية لن يؤدي الى هذه الوحدة المنشودة.

-         في الدين لا يمكن أن يكون ثمة تعصب، اذا حضرالتعصب فلا محل للدين وللقيم الدينية الحقيقية . القراءة الانسانية التي فيها محبة ووئام وتعاون ومعاملة حسنة وأخلاق هي فقط القراءة الانسانية الصحيحة الجامعة! اما الفكر الديني الذي يحرض ويستفز فانه لا يمت الى الدين بصلة. وهو يبعد القلوب بعضها عن بعض وهذه ليست قراءة دينية صحيحة. جاء الدين الى الانسان ليقضي على الظلم والتخلف والثأر والانتقام وغيرها من المعاصي، هذه هو الفكر الديني الصحيح الذي يساهم في تطوير المجتمع ويعطيه أبعاداً أكثر انسانية. الانسانية هدف للوجود الديني.

كيف برأيك استطاعت التجربة أن تجمع بين القومية العربية والاسلام في مرحلة تاريخية معينة؟

 

-         دعني أكون صريحاً معك. ما يشهده العالم العربي اليوم هو نتيجة لأن العرب لم يكونوا قوميين تماماً ولا هم كانوا مسلمين تماماً، لا هذا ولا ذاك، هناك تذبذب، وهذا التذبذب لم يؤد الى معطى ايجابي. لذلك أنا أدعو الى مرجعية واحدة، أو مرجعية شاملة. فلا الاطار القومي في التجربة التي ذكرت ترك المسلم يمارس اسلامه وقناعاته كما يجب، ولا الاطار الاسلامي كان رحباً لكي يمارس القومي قناعاته القومية ويحقق من خلاله أهدافه القومية. هذا الجمع لم يكن ناجحاً.

 أنا أعتقد أن الاسلام يحقق الأهداف القومية قبل أي شئ أخر، وأيضاً القومي الحقيقي والفعلي الملتزم حقيقةً قضايا أمته وشعبه وقومه ومسألة تطوير حياة الأمة هو اسلامي بامتياز. أصلاً كل الأديان ــ في اعتقادي - موحدة في الرؤية الى منظومات الأخلاق والقيم وغيرها، وهناك محاولات جارية على قدم وساق لافتعال المشكل بينها. الفكر الديني تشوه والقيم الدينية تشوهت نتيجة لهذه الصراعات غير المجدية.

 

ما هو سبب تخلف العرب في رأيك؟ هل يعود الى غياب الوعي القومي لديهم ، أم السبب هو الاسلام ، أو أن السبب يكمن في غياب العقل العملي الذي يقودهم باتجاه المستقبل؟

الاسلام الصحيح والقومية الحقة تؤسسان فعلاً للرؤية العقلية العملية والحضارية الشاملة. البنية الحضارية الكونية للحضارة الانسانية لا يمكن أن تستند الى رؤية قومية متعصبة ضيقة، اذاً من العبث المراهنة عليها.

 

كيف تقيم العلاقة العربية ــ الايرانية راهناً؟

 لو أننا ننظر الى العلاقة العربية ــ الايرانية من كل النواحي الاستراتيجية والاقتصادية والدينية والثقافية والحضارية لوجدنا أنها علاقة حيوية لكلا الجانبين. ولكن، هذه العلاقة تحارب اما بداعي النزعة القومية أو بداعي النزعات المذهبية والفئوية وما شاكل. ولكن ايران تنظر الى المسائل بطريقة مختلفة، الثورة الاسلامية منذ البداية تحدثت مع الامام الخميني عن المستضعفين وعن تحرير الشعوب وعن حق تقرير المصير. ونحن نقول بالتعاون وتضافر الجهود لأننا نملك مصالح حيوية واحدة، وايران تحاول أن توجه البوصلة الحضارية بالاتجاه الصحيح، لقد اكتشفت ايران ذاتها الاسلامية الحضارية من جديد. الاسلام الايراني يحاول أن يقرأ الدين بطريقة حضارية عصرية وقد استطاع وفق هذه القراءة أن يستوعب التناقضات والنزعات الفئوية في المجتمع الايراني. الاسلام الايراني يمثل رؤية جامعة وشاملة للحضارة الانسانية جمعاء. وفي ما خص العلاقة بالعرب نحن نتوق الى تعزيز عامل الثقة لأننا ننتمي الى مشتركات واحدة، ولنا المصلحة في التكافل والتعاون الى أبعد الحدود.

 كادر

الاسلام الايراني يحاول أن يقرأ الدين بطريقة حضارية عصرية وقد استطاع وفق هذه القراءة أن يستوعب التناقضات والنزعات الفئوية في المجتمع الايراني.

 

حاوره : سركيس ابو زيد ــ زهير فياض