العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

دكتور عاشور: يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية 2000 قناة دينية

التيارات الأصولية لن تنهض بالأمة الإسلامية
الخميس 6 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

هموم كثيرة تلف العالم الإسلامي في ظل تصاعد الحركات الأصولية، والدعوات المختلفة للعودة إلى جوهر الإسلام والتي ارتدت في بعض الأحيان الطابع المذهبي والطائفي العنفي، حتى ربط الإسلام بالإرهاب. فبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تروج بما يعرف بالإسلام المعتدل. عن هذه المواضيع التقت تحولات في لقاء خاص بالدكتور محمد حسن عاشور المستشار في تنمية الموارد البشرية في المملكة العربية السعودية.

* منذ خمس سنوات تقريباً ظهر في الفضائيات الدينية دعاة من الشباب يدعون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون الإفتاء. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟

هذه ظاهرة إيجابية، لأن الأصل في الإسلام هو تبليغ الدعوة، التي لا يمكن حصرها بعلماء الدين. لذلك ظهرت فئة من الشباب توجهوا في دعواهم الدينية إلى الأسر العربية وخصوصاً الشباب منهم، بعد أن فهموا مبادئ الإسلام. وأرد هذه الظاهرة إلى الفجوة الحادثة بين الناس والعلماء التقليديين الذين فشلوا في ملامسة احتياجاتهم، مع أن الدين الإسلامي أسس على التواصل مع المجتمع، والعمل على تلبية متطلباته. وفي المقابل نجح الدعاة الجدد في القيام بهذا الدور فاستقطبوا المسلمين. ومن المغالطة الاعتقاد أن الدعاة الجدد هم من الشباب فقط، فمثلاً العلامة الشيخ يوسف القرضاوي هو من أهم المحدثين. لذلك ليس من الدقيق استخدام كلمة الدعاة الجدد بل الدعوة المتجددة التي تناقش أمور الدين بانفتاح.

* كيف يمكن التجديد في أمور الدين وهناك موروثات عقلية قديمة تقف عائقاً أمام التطوير؟

لا نستطيع الاكتفاء بسرد الحوادث والقصص التي وقعت في بداية الإسلام، أو سرد السيرة النبوية والاستشهاد بالقرآن الكريم، بل يجب أن يقرن هذا كله بواقعنا الحالي وتفاصيل حياتنا اليومية، لأن الحفاظ على الشكل التقليدي للدعوة يعطي انطباعاً لدى البعض أن الدين الإسلامي قد انتهى منذ 400 سنة وهذا ليس صحيحاً. فهو دين صالح لكل زمان ومكان يقبل التحديث بما يناسب روح العصر. فمثلاً عندما ذهب شاب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليأذن له بالزنى، فاحتضنه وسأله إن كان يقبله لأمه أو لأخته أو لعمته فقال: لا يا رسول الله. فسأله عليه الصلاة والسلام إن كان يقبله على باقي النساء! وبالمقابل إن ذهب شاب واستشار أحد الشيوخ اليوم للقيام بالزنى فلن يقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام في الإجابة عليه، بل سيعنفه!

* هل الداعية هو مبشر؟

كل مسلم يبشر بمبادئ الإسلام الحق والخير والاعتدال بدءاً بالمنزل والمدرسة وصولاً إلى العمل والأفراد في المجتمع، فالأساس في الإسلام هو التبشير والترغيب.

* انطلاقاً من قاعدة التبشير ألا تمارس الفضائيات الدينية اليوم هذا الفعل؟

بالتأكيد. وعلى أي حال، يوجد 400 قناة فضائية عربية 25 منها دينية، أي ما نسبته 10%. أما ساعات عرض البرامج الدينية فلا يتجاوز 5%، أي أن المساحة المعطاة للقنوات الدينية قليل جداً. وبعض المواد الدينية التي تبث أسجل عليها الكثير من الملاحظات. ولولا تمويل رجال الأعمال الخليجيين لهذه القنوات لأغلق الكثير منها، لأن معظمها يعاني من أزمة مالية حقيقية، والذي ينعكس على مستوى البرامج. صحيح أن هذه المحطات تتمتع بنسبة مشاهدة مرتفعة، ولكن حجم الإعلانات فيها لا يصل إلى 1% مقارنة بقنوات الموسيقى أو المسلسلات.

* ولكن يهدف بعض رجال الأعمال من خلال تمويلهم للمحطات الدينية إلى بث مبادئ معينة داعية مثلاً للتشدد أو تعمل على إحداث تغيير ما في المنظومة الاجتماعية تدريجياً!

التمويل بحد ذاته ليس عيباً، على أن يكون للممول رؤية استراتيجة قادرة على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع. فلماذا يجد العلمانيون والديموقراطيون والليبراليون منابر يقولون فيها ما يريدون ولا يسمح للإسلاميين بذلك! فالدعاة يستطيعون التأثير في الشباب وإبعادهم عن التطرف والإرهاب، ولنا في الداعية عمرو خالد وعائض القرني أكبر دليل!

* كيف تنظر إلى القنوات الدينية المتطرفة المحرضة على المذهبية والتطرف التي ظهرت في الآونة الأخيرة؟

هذه القنوات المبنية على التعصب الديني والتطرف المذهبي والتحقير ونبذ الآخرين تهدف لتأجيج النفوس، وهذا يتعارض مع الدين الإسلامي الذي عنوانه التسامح والتعايش مع كل الأديان. والخطر الذي تجسده هذه القنوات هو ارتباطها ببعض الأنظمة السياسية التي تعمل على تمزيق الأمة الإسلامية. والجدير ذكره هنا أن في الولايات المتحدة الأمريكية 2000 قناة دينية متخصصة، وهذا يدل على تنامي التيار الديني في العالم كله. فلقد ضج الغربيون من القنوات الهابطة حتى أن ثلثي سكان فرنسا يطالبون بإقفال القنوات الإباحية.

* ولكن استطاعت الأصولية أن تتمظهر وتقدم أفكارها للجمهور من خلال بعض القنوات الدينية!

بداية لنقل التشدد الديني وليس الأصولية، لأن هذه الأخيرة تحمل دلالات فضفاضة. ولا نراها إلا في قناة أو اثنتين. ومن المعيب الربط بين المملكة العربية السعودية والتيارات الأصولية وعودة الناس إلى دينهم التي لا ترتبط بجغرافيا. ولكن تتهم المملكة العربية السعودية بهذا الموضوع لأنها قبلة المسلمين، لذلك لا نتعجب عندما نشاهد الفيلم الذي صور العائلة المالكة السعودية على أنها إرهابية!

* ولكن ما هو مرد الحركات الأصولية والتيارات الجهادية؟

يوجد في هذه الحركات أشخاص أساؤوا فهم الدين الإسلامي، وأصدروا بعض الأحكام والفتاوى المتشددة، ومارسوا سلوكيات أثارت اللغط حول الدين الإسلامي. والغريب أن هذه التيارات لها جمهور في العالم العربي والإسلامي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب الحريات، مما يدفعهم للقيام بردات فعل مؤيدة لليمين المتطرف. كما أنه نوع من التنفيس ضد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في فلسطين والعراق ولبنان ودارفور، رغم معرفة المثقفين العرب أن هذه التيارات الأصولية لن تنهض بالأمة الإسلامية.

* تمويل المملكة العربية السعودية لبعض الجهاديين السعوديين والمصريين والعراقيين وغيرهم في أفغانسان ألم يرسم صورة سلبية للإسلام؟

قبل أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 بأربعين عاماً تخّرج من الولايات المتحدة الأمريكية 40 ألف طالب سعودي الذين لم يقوموا ضدها بأي عمل إرهابي. ولكن بعد تلك الهجمات بدأ التركيز على السعودية. ومن تدرب في أفغانستان لم يكن من السعوديين فقط، حتى أن المملكة لم ترسل شباباً للتدريب هناك. وللأسف تنقل الجماعات المتشددة الجهاد إلى غير مكانه. لذلك يجب الفصل بين المقاومة المشروعة في فلسطين ولبنان والعراق والأعمال التخريبية الجوالة في كل العالم. ومن يقوم بها هم المنتفعون من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. فهم يريدون خلق مناخ معاد للدين الإسلامي، والذي يتيح لهم التدخل في الشؤون العربية والإسلامية. وأغلب الظن أن الشباب المسلمين المقاتلين مع الجماعات المتشددة قد غرر بهم معتقدين أن قيامهم بالأعمال التخريبية ضد المدنيين ستقودهم إلى الجنة.

* تروج الولايات المتحدة الأمريكية للإسلام المعتدل الذي تجسده بعض الحكومات العربية في مصر والأردن والمملكة العريبة السعودية. فأي إسلام هذا؟

هذا الإسلام الذي تدعو له الولايات المتحدة الأمريكية والذي تسعى من خلاله للترويج لمبادئها، وبالتالي نحن لسنا في حاجة إليه، لأن القرآن الكريم رسم لنا صورة الإسلام الصادق القابل للتطبيق اليوم وللأبد. وبالتالي فهذه الدعاوى ليست إلا مناورة سياسية.

أسماء وهبة