في العلاقة بين الدين والدولة

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : ميشيل كيلو
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
تعتبر العلاقة بين الدين والدولة واحدة من أكثر علاقات المجال السياسي تعقيداً، ذلك أن الدين والدولة ينتميان إلى حقلين مختلفين، لكنهما متداخلان بقوة، حتى ليصعب تصور أي فصل بينهما يقوم على احتجاز متبادل تقف الدولة فيه على جانب، بينما يكون الدين في جانب آخر، بحيث ينتفي منه تأثير أحدهما على الآخر، ويقدر كل منهما أن يوجد بمعزل عن سواه. صحيح أن الدولة شيء والدين شيء آخر، وأنهما ليسا من طبيعة واحدة، وليس لهما مهام متشابهة، وأن الدين عابر للدولة ويمكن أن يوجد بدونها.

لكنه صحيح أيضاً أن الدولة تتعين بهذه الدرجة أو تلك تعيناً غير مباشر ومجرد بالدين، ما دامت تتعين، خاصة إن كانت دولة ديمقراطية، بمواطنين قد يكونون مؤمنين تعترف بحقهم في تقرير شؤونهم، سواء عبر انتخابات نيابية، أو عبر انتخابات بلدية ومحلية، أو بما يحمله الممسكون بها من إيمان يسهم في تحديد نظرتهم إليها، بما هي الأداة الرئيسة لتنظيم الحياة العامة.

ومع أن الدولة الحديثة تكوين غير ديني، يعمل بوسائل لا يستمدها من المجال الديني، ويسعى إلى تحقيق أهداف دنيوية، لا تتصل بحقل الأخلاق بل بحقل المصالح، فإن من المحال فصل الحياة العامة، حياة التفاعل والتعاقد بين مواطني الدولة، عن الدين، الذي يقدم معايير وضوابط أخلاقية كثيراً ما تلعب دورا مهما في استمرار وتوطد الدولة كتكوين زمني دنيوي مصالحي، خاصة في أزمنة الحروب والأزمات.

إلى هذا، فإن دور الدين في تعيين وعي المواطن الدنيوي لطالما حدد بدوره نمط الدول، وعلى سبيل المثال، فإن الإصلاح الديني أسهم أعظم إسهام في قيام الدولة الحديثة، اللا دينية، في الغرب، منذ فترة ما قبل الثورة الفرنسية، وخاصة في ألمانيا، حيث اعتبرت الثورة أيديولوجية الدولة القومية البادئة، دولة الأمراء المستقلين، الذين أسسوا سلطة ملكية لم تقم على الحق أو التفويض الإلهي، انفصلت عن دولة العصر الوسيط، التي لعبت الكنيسة دوراً رئيساً في تحديد هويتها، وآليات إعادة إنتاجها، وتوزيع السلطات والصلاحيات فيها، حتى ليمكن القول إن الدولة الحديثة، وهي بحق تكوين غير ديني، تشتغل في حاضنة يقرر الدين جوانب مهمة من حياتها العامة وإطارها وحاملها، لذلك تواجه الدول العلمانية، التي تقوم على فصل المجالين الديني والدولوي، مأزقاً حقيقياً، عندما يكون شعبها متديناً أو مؤمناً، فترى نفسها أمام وضع مفارق يجعل منها دولة غير ديمقراطية، إن هي ضربت عرض الحائط بإرادته ـ الشعب ـ وتشبثت بعلمانيتها، أو قبلت، كدولة علمانية، بما يترتب على إيمان مواطنيها الديني في المجال التمثيلي والسياسي.

ومع أن العلمانية تفصل الدين عن الدولة على الصعيد المؤسسي، فإنها تواجه مشكلات كثيرة في تطلعها إلى جعل الدين شأنا ًعمومياً تضبطه معايير قانونية وممارسات إجرائية لا يمليها الدين أو الإيمان به على الفرد السياسي: مواطنها، الذي يتعين بقيم غير دينية حتى إن تقاطعت في جوانب منها مع الدين. بكلام آخر: تشطر العلمانية الإنسان إلى مواطن وشخص خاص، فتحدد للأول حاضنة تنظيمية وقيمية تقرر أموره وتمكنه من الإسهام في الشأن العام، وتترك للثاني حرية تحديد شؤونه الخاصة بالطريقة التي يختارها، على أن لا تفضي إلى تقويض المجال السياسي، العلماني، وإن تعينت بالدين وتأثرت به. ومع أن هذا الشخص الخاص لا يشعر باضطهاد الدولة العلمانية له، لأنها لا تضطهده ولا تمنعه من ممارسة إيمانه في الحقل العام، فإنه يعتبر تمثيلها له محدوداً أو مثلوماً، ويعد مشاركته فيها نوعاً من التواطؤ على ذاته، ما دامت المشاركة لا تقيم تطابقاً بينها وبين الصورة التي يقترحها للحياة العامة، بل تقتصر على منحه الشعور بحرية فردية لا يحقق من خلالها ما يريده، بما أن الدولة تبقى علمانية بغض النظر عن نتائج التمثيل السياسي، وممارسة حريته لا تحدث أي تبدل في طبيعتها. لا يعني هذا، طبعاً، أن الدولة العلمانية، أو الدولة عموماً، لا تكترث بعقائد مواطنيها، وأنها لا تتأثر بها إطلاقاً، حين تعترف بحق مواطنيها في التأثير في المجال العام عبر معاييرهم الأخلاقية، الدينية المنشأ والطابع، وتسمح بتفاعل أنشطتهم مع أفعال الدولة، بصفتها فاعلية مقابلة لها ومستقلة نسبياً عنها.

ثمة في علاقة الدين بالدولة جانب عرفناه خلال السنوات الخمسين الماضية في المجالين الدولي والعربي، هو عبادة السلطة، القائمة على دين أيديولوجي علماني المفردات، رموزه ومكوناته غير دينية، تستبدل الآلهة بالبشر، والطقوس الدينية بالطقوس السياسية، وتضفي القداسة على السلطة ورجالها باعتبارهم كنيسة جديدة لا يجوز لمواطن الخروج عليها، وإلا اعتبر هرطوقاً واستحق أنماطاً من العقاب تشبه تلك التي تم إنزالها بالكفار في تاريخ الدعوات الدينية.

أخيراً، من الضروري إعطاء اهتمام خاص للعلاقة بين الدين والدولة، ومن الحيوي جعلها موضوع تفكير جدي ومعمق، يدرس دور الدين في بناء الدول الحديثة، ودور الدول الحديثة في رعاية القيم الدينية، وخاصة منها قيم الحياة والحرية والكرامة الإنسانية، التي حفظ الدين من خلالها الوجود البشري، ويعد من أهم واجبات الدولة الحديثة حمايتها وتنميتها.