العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

عبد الله قبرصي يتذكر المحاولة الانقلابية

جان دايه
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

New Page 1

صدر لعبد الله قبرصي أربعة كتب تحت عنوان عبد الله قبرصي يتذكر. ورحل منذ شهر قبل أن يكحّل عينه بالكتاب الخامس الذي يصدر قريباً تحت العنوان نفسه. ومع ذلك، فقد أبدى لي أسفه وندمه، خلال إحدى جلساتنا الدورية الأسبوعية، لأنه لم يدوّن مذكراته في قصر العدل لتحتل مكانها في سلسلة الكتب الخاصة بالمذكرات. لعلّ ما يقلل من الخسارة في هذا المجال، أن الكتب الأربعة المتمحورة على ذكرياته السياسية والحزبية والعائلية، وبخاصة الجزء الثالث، تحتضن صفحات غير قليلة من معاركه الحقوقية. ناهيك، بأن معظم مرافعاته في الدعاوى الكبيرة، يمكن العثور عليها في بطون الصحف، من مثل هجومه على قتلة الوزير والنائب نعيم مغبغب، أو دفاعه عن الشاعر والناثر الساخر محمد الماغوط. والجدير ذكره، أن الصحف كانت تنشر مرافعات كبار المحامين، أمثال إميل لحود وبهيج تقي الدين وحبيب أبو شهلا وعبد الله قبرصي، لأنها ـ أي المرافعات ـ كانت لوحات أدبية تعجّ باللمعات الإبداعية.

طبعاً، من حق الأمين عبد الله أن يندم أو يتأسف لأنه لم يصدر كتاباً مستقلاً حول محطاته الرئيسية في المحاكم. ذلك أن المحاماة كانت محوراً رئيسياً في حياته العامة، أسوة بالمحور الآخر: الأدب.

ولكن حياته الحزبية التي بدأت في العام 1934 واستمرت حتى لحظة رحيله في العام 2007، لم تكن المحور الثالث وحسب، بل كانت محور المحاور. من هنا سرّ تخصيصه لها معظم صفحات الأجزاء الخمسة من كتابه عبد الله قبرصي يتذكر، إضافة إلى كتابه نحن ولبنان، ومئات المقالات والخطب والرسائل.

ولنعد إلى المذكرات التي تحتل مكاناً مرموقاً، ليس فقط في نتاج عبد الله قبرصي الأدبي، بل في لائحة الكتب العربية الخاصة بهذا اللون الأدبي الجذاب. كان المذكراتي عبد الله يتوقف في المحطات الرئيسية في حياته الحزبية. ولما كانت الأجزاء الأربعة من مذكراته قد خلت من وقفة طويلة في المحطة الرئيسية الخاصة بالمحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في الليلة الأخيرة من العام 1961، وتداعياتها الخطيرة على الحزب القومي ولبنان وحياة العديد من الذين اشتركوا فيها ومنهم عبد الله قبرصي، فقد خشي قراؤه من تغييب تلك المرحلة الغنية الحافلة بالأحداث والتجارب والعبر. ولكن الخشية تنقلب إلى ترقّب ممزوج بالفرح، عندما يعلم قراء الأديب المناضل أن الأشهر التي أمضاها في شقة مهجورة والسنوات السبع التي عاشها في الأردن وباريس وفنزويلا، قد خصص لها كتاباً مستقلاً يعج بالمفاجآت.

وفيما يلي بعض صفحات الكتاب العتيد التي تنفرد بنشرها لأول مرة مجلة تحولات، وتتضمن وقائع العملية البوليسية التي تم فيها انتقال العملاق الصغير القامة من الشقة الكائنة في محلة قريطم البيروتية إلى مصيف مرمريتا في جبال وادي النصارى الشامية.

جان دايه

 

كنت قد تعبت من المخبأ رغم أني الفت مناخه وكوابيسه، وتسهّلت لي فيه الحياة وطابت. زوجتي في الثلاثة أشهر الأخيرة كانت تزورني كل أسبوعين مرة وتبقى في ضيافتي ثلاثة أيام أو أكثر والدتها كانت لا تبخل علي بالمكوث في مخبأي، أولادي كانوا يتناوبون تقريباً كل ليلة، على النوم في غرفتي فأشعر بنعمة الحياة واستنشق نسمات الحرية!

أهم ما يجب تسجيله أن كل من قدم إلي، قَدم بناءً على خطة مدروسة. فضلاً عمّا كنت أفعله من كتابة رسائل مغفلة ترسل إلى المكتب الثاني والأمن العام، على أن عبد الله قبرصي، موجود في الكورة، في جبيل، في المتن، في الشوف، ليتوهم المطاردون أني أتنقل عبر لبنان. سعيت في أيامي الأخيرة في المخبأ، بأن تكتب جرائد لبنان وعمان، أني أصبحت في الأردن. كان يجب أن أقابل خطط العدالة بخطط الفرار. كان يجب أن أرفع ضغط المطاردة عن عائلتي وعني. أفظع ما يؤرق الفار شكوكه وأوهامه ومخاوفه. لقد نجحت في وضع حد للمخاوف. كنت قد تعودت أن أطمئن، أن أنظم الشعر، أن أقرأ بلا ملل، أن أفكر وأتأمل في حياة داخلية غنية وخصبة.

ما كان يأتي إلى مخبأي أحد إلا بعد دراسة لطريق الوصول، لخطة سير. فزوجتي كانت تقضي نهاراً كاملاً لتصل إلي. فمن المشرفية إلى الشياح إلى فرن الشباك إلى زيارات لبعض الأصدقاء لتصل في العاشرة مساءً، بعد أن تتثبت أن الطابق الذي أنزل فيه خال من المارة.

وهكذا أولادي.

إلا إن المال نفد والأصدقاء الذين كان بالإمكان التوكؤ عليهم نفدوا.

لم يبق إلا الحزب.

القيادة الحزبية في عمان أرسلت لي رسولاً تطلب أن أتوجه برفقته إليها. رفضت قبل أن يصدر قرار الاتهام. لقد كان من حقي أن انتظر منع المحاكمة إذا أجمع الذين عرفوا معارضتي للانقلاب على إعلان هذه المعارضة لرجال التحقيق.

أصررت على أن تمدني القيادة بالمال. وذهب الرسول ليعود إلي، بالجواب المألوف في حزبنا: الخزانة فارغة. ومتى كانت ملآنة، هذه الخزانة للحزب ـ الدولة، الذي لا يمد يده للمال الحرام. لا مال للهاربين. إذا توفر لنا بعضه فهو وقف مرهون لعيال السجناء والسجناء.

في النهاية، هذا حق. فالفار لا يزال يستمتع بنعمة الحرية الجزئية. الحرية لا تزال في قاموسه ناهيك أن الفار نجا من عذاب جهنم. ما أطيب نسمات المطهر، بالمقارنة مع نار جهنم!...

لم تتخل القيادة المؤقتة في عمان، وقد كانت مؤلفة من الفارين، وبعض المقيمين، لا عني ولا عن سواي في حدود ما تيسر لها من فكر ومال. والدليل أن رسولها إلي عاد مرة ثانية لحملي على مغادرة لبنان.

كررت الرفض بانتظار قرار الاتهام.

وصدر قرار الاتهام في الثالث من أيار 1962 فإذا باسمي بين الأسماء المرشحة للرمي بالرصاص. كل التهم الموجهة إلي وإلى زملائي في المجلس الأعلى تهم مميتة، أو هي تقضي بالاعتقال المؤبد!...

لم أكن بحاجة إلى من يفسر لي المواد القانونية التي تطبق على وضعي. كنت قد قرأتها. كنت أعرفها قبل محاولة الانقلاب. وأنا الذي قال بصوت عال: عن ثلاثة من رؤوس الحزب ـ كما أسلفت القول ـ مرشحة للإعدام دون محاكمة: عبد الله سعاده، أسد الأشقر، عبد الله قبرصي.

قرار الاتهام، حسم الموقف.

لا بدّ من الرحيل.

ومتى وكيف؟

قلت إن المال نفد ولا من يعيل ولا من يجيب.

ولدي الأكبر صباح لا ينام الليل. يتصل بأصدقائه لعله يجد حلاً. قيل له إن آل بلطجي سينقلونني إلى قبرص. قيل له إنه بإمكانه ارتداء لباس طيار والانتقال بإحدى الشركات إلى روما.

كل الاقتراحات كانت مرفوضة أو مستحيلة. والسبب عصب الحياة مفقود: المال.

في الحادي عشر من حزيران عاد إلي رسول القيادة من عمان. عاد وهو مجهز بخطة إنقاذ. كانت زوجتي تبكي بمرارة قبل وصوله لأنه لم يعد أمامي إلا الاستسلام.

كنت قد درست معها هذا الموضوع؟؟ مع واش مضمون يقبض المكافأة ويسلمنا إياها لتستر بها شؤون العائلة من مدارس وغذاء وأجور منزل. لا ننسى أن الجائزة كانت خمسين ألف ل.ل.

كانت خطة رهيبة ولكنها معقولة. إذ لم يكن مفر من الوقوع في الفخ، فلتقع بإرادتنا، وبطريقة فنية تسد العجز المادي الذي بدأنا نتخبّط في حبائله.

وبالفعل راحت زوجتي بواسطة أقربائها تفاوض وتناور ربحاً للمال أو ربحاً للوقت!...

وحل رسول القيادة، فانحلت كل العقد، إلا مخاوف زوجتي الأمنية.

قلت لها تخيري بين نارين. لا ينقذنا إلا موقف جريء ومغامرة. الرحيل هو الأجدى. السجن بالنسبة لي موت محتّم. لم تعد أعصابي ولا جسدي لتحتمل السجن، خاصة سجن التعذيب والمهانة، والفجور.

وقررت الرحيل في موعد لا تعرفه.

وعدت أركان الحزب وهم أولادي الثلاثة وصديق؟؟ جوزف عيسى الخوري وطلال توفيق فرح ابن أخت زوجتي وهو بمثابة أولادي أيضاً. كانوا خمسة. رسمنا خطة النزول من المخبأ، إلى المرآب، في ساعة تخفّ بها رجل المارة وأعين الفضوليين.

كان ذلك في 16 حزيران 1962.

ساعة الصفر، ساعة الانطلاق حدّدت في الثامنة إلا ربعاً من مساء ذلك النهار.

وفي الرابعة كان ولدي صباح في المخبأ، ليتأكد من الموعد والإعداد. كنت قد دفعت إليه بما تبقى معي من مال ليشتري لي ليرات ذهبية. الذهب ذهب. جاءني بالليرات الذهبية. بلغت الثمانية. يا للثروة!

كنت قد قرأت الصحف ومنها النهار. مقالة ميشال أبو جودة أثارتني وأخافتني. جاء فيها أن العلاقات ساءت بين سوريا ولبنان (من الغرابة أني أكتب هذه المذكرات والحدود مقفلة بين البلدين بسبب المقاومة الفلسطينية كما يقول الرئيس حافظ الأسد)، وأن السيارات تفتّش حتى في داخلها، تحت مقاعد الركاب.

قلت لصباح: لا بدّ من إرجاء السفر. المغامرة لم تعد واردة. صار اسمها أكبر من مغامرة.

وجاء الرسول المنقذ، وقد أخذ الحيطة لكل طارئ. واجهته بالجريدة. امتقع لونه. قال لي إنه قادم من الشام وإن ما نشرته النهار مبالغ فيه. أطرق ملياً ثم أصدر قراره: الأفضل أن أعود مرة ثانية لكشف الطريق. انتظرني الاثنين في مثل ساعة الصفر في نفس هذا المكان. سأعود إليك بالخبر اليقين، سلباً أو إيجاباً.

فرحت بالقرار كأنما نجوت من الموت. من لا يخاف من الموت؟ يسوع؟؟؟ طلب أن يعفى من كأسه. إنها كأس مرة، مترعة بالمرارة. لقد أحسست أني أنزلت عن خشبة الصليب فيما كان الجلادون قد هيأوا المسامير والمطارق!...

الانتظار والصبر نوع من الشلل أو شلل كامل.

عقيم خيالي وإدراكي.

عيناي مسمرتان على علامة استفهام كبرى. علامة الاستفهام نفسها في الضباب. يفقد الإنسان صحة عقله وشعوره وهو ينتظر ويصبر. من أجل ماذا؟؟ من أجل الفرار في صحراء، قرارها الوحيد قبر بلا جنازة ولا سقف ولا أكاليل!!

ثلاثة أيام بلا محور، بلا تركيز. دوران في فضاء التساؤلات والشكوك.

وجاء يوم الخلاص: 19 حزيران 1962 الساعة الثامنة إلا ربعاً، كان الفرسان المنقذون قد نفذوا المهمات الموكولة إليهم بدقّة لا بد من التنويه بها.

عاطف يرافقني عند الباب إلى المصعد. أهبط أنا في الطابق الأول. أما هو فيكمل إلى المدخل. أسير أنا وئيداً وطبيعياً. بعد أن خلعت نظارتي ولبست طربوشاً. وارتديت ثياب الميدان إذا حدث طارئ يومأ إلي فانكفئ. وإلا فاستمر. أدخل محل السمانة تحت رعاية أبي عصام (هايل عيد). أخرج منه إلى حديقة صغيرة وراء البناية الضخمة، أتسلق سلالم وضعت خصيصاً من أجلي. اصعد. اهبط. اصعد، ابلغ باب المرآب الخلفي. الناطور أخذه جوزف وضياء يسقيانه كأساً من البيرة ليتعالى ضحكهم. صباح في نقاش مع موظف الهاتف ليحول بين عينيه وبيني.

في الكاراج سيارة شفروليه كبيرة. المنقذ كامل موسى وسائقه الذي لا أعرفه حتى الآن، يخلعان المقعد الخلفي للركاب. أنام أرضاً، ويضعان المقعد فوقي وأدفن حياً. ممنوع السعال، ممنوع الكلام. إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

في الثامنة تماماً كانت السيارة تخرج من المرآب باتجاه طرابلس ـ حمص. هكذا تقرر خط السير.

خمس ساعات وربع الساعة في القبر الهادر.

دقائق والركاب يتهالكون على مقاعدهم دون أن يدري منهم ان آدمياً يقبع تحتهم، يتنفس، كأنما يحشرج!...

وانطلقت آلة الإنقاذ.

أنا الدفين فيها، بماذا كنت أفكر؟

بعد أحدى عشرة سنة من الزمن، مرّت على تلك الدقائق المرعبة، هل أذكر ماذا دار في خلدي؟

ألا يزال منقوشاً في أعماق الذاكرة، بعض من خلجات النفس، وهي في طريقها إلى الخلاص والى الهلاك؟

بلى إنها النقوش تشبه العناقيد في مغارة قاديشا أو مغارة جعيتا أو مغارة الغواتشارو في شرقي نرفالا.

كان في جيبي لكي لا اهلك جوعاً خيارة واحدة وحبة كرز كبيرة!... وقد أخذت الحيطة للجروح، ففي جيب قميصي أضع فيه سبيرتو تلك كانت معدات الهارب الدفين يحمله قبره إلى المجهول!

كان قد مضى على دخولي الحزب، ثمانية وعشرون عاماً. كنت قد خبرت المشارد والمنافي والسجون. كنت قد قطعت المسالك الوعرة وناضلت بالقلم واللسان. كنت أعرف كل أنواع الحرمان من اليتم إلى أحكام الإعدام. في الكون مرارة ما مرّت تحت حلقي المتاعب والمصاعب والمخاطر، كانت لي رفقاء وأتراباَ. ولكن تلك الساعات التي بدأت أقطعها أو تقطعني بين بيروت وطرابلس، كانت فريدة، غريبة، لا اسم لها ولا مسمى!... كيف لا وأنا دفين وحيّ معاً!...

نسرع. نتوقف. تفتيش السيارة والركاب. أصغي إلى أصوات رجال الأمن!... أتوجع ورأسي على الحديد. ليس مسموحاً أن أقول: أخ. الصمت وحده ينقذ!

تقف السيارة في الظلام. فينزل كامل إلى حيث رأسي. يهمس: ألا تزال حيّاً؟ أجبته: إني حي. أسرعوا. أسرعوا.

وتعود السيارة إلى الانطلاق لتقف ثماني عشرة مرة. الحواجز كثيرة. عديدة. وكذلك الهواجس.

نزلت السيارة في حفرة فحفرت في أعلى وجهي أخدوداً. سال دمي، صببت السبيرتو عليه، لأقوم بعملية جراحية مستعجلة. كيف فتحت أنبوب السبيرتو؟ أين وجدت مساحة لأحرك يدي؟ كل هذه يجب أن نعيد تمثيلها كما يعاد تمثيل جريمة إمعاناً في الإثبات.

من أين كان يدخل الهواء إلى القبر المتحرك؟ من الجهة اليسرى للسيارة، كنت المح ضوءاَ، عرفت من بعد، إنه ثقب أراده المنقذ مدخلاً للأوكسجين ومخرجاً لأوكسيد الكاربون!...

الهدير، الحرارة، غرز الرفاص في البطن أو في الساقين أمور لا بد منها، في مغامرة حياة أو موت. ما كانت مزعجة. الأمل بالحرية والنجاة يطغى على كل متعبة، تماماً كأمل المريض بالحياة.

أحسست بالجوع. أحسست بالعطش. يا للمهزلة ما الجوع، ما العطش؟ كأنما الإنسان بحاجة إلى الأكل والشرب وهو يعدو باتجاه الهدف الكبير: الحرية. ما أعظم من قال: الحرية أو الموت؟ بل ما أعظم من يقول: الحرية هي الحياة.

الخيارة وحبة الكرز لا تزالان سالمتين في جيبي يستحيل أن تمد يدك إلى فمك. أنت الآن كل ما هو نقيض الحركة والتحرك والمرونة، أنت الشلل أو الجماد!.. ليس لرأسك ان ينزاح عن الحديد ـ الوسادة. رأسك لم يعد رأساً صار قطعة حديد!..

لقد بعدنا عن طرابلس. وصلنا إلى الجمارك السورية. إنها آخر مرحلة. أهلاً سيدي تلك كانت الضوء الأخضر الأخير.

السيارات كثيرة على ما يبدو. جلبة، تنافس، أصوات تعلو وأصوات تنخفض. النتيجة، جاء دورنا. كان المنقذ معروفاً لكثرة تنقلاته بين الشام ولبنان. في لحظات، دبّرت أمور سائقنا والركاب. وبعد لحظات كنا قد أصبحنا في حدود الأمانة.

أي أمانة؟ أنا محكوم من المحكمة العسكرية في الشام الاستثنائية الشامية سنة 1956 بخمسة وعشرين سنة ونصف السنة وذلك بدعوى قتل الشهيد عدنان المالكي. ولكن من يعرفني، إلا قلة نادرة في حمص وتلكلخ حيث نحط الرحال!..

 

على مشارف حمص وتلكلخ

يا لساعة القيامة من القبر. لا أقول من بين الأموات، وإني كنت الدفين الوحيد. لقد قمت من بين أموات نفسي. إنها ساعة الفرح. إنها مولد الطفل الكبير، إنها بدء عمر جديد!..

قال المنقذ للركاب وكانوا عجوزاً وصبية وأطفالها: لا تخافوا لقد أنقذنا حياة إنسان محكوم بالموت. لن نقول لكم اسمه. سندحرج المقعد عن صدره. لا تخافوا:

وقمت من القبر!...

ولمع شعري الأبيض وقد التقى بعد أشهر بضوء القمر الصاعد من وراء الجبال أو التلال أو السهول ما تطلعت المرأتان إلي. ركعتا وراحتا تصليان: يا قديسة مريم وأبانا الذي في السماوات!..

ثم التفتتا صوبي، وفي عيونهما دموع فرح، كأنما كنت غريقاً وانتشلت من الخضم أو رهين عملية جراحية خطرة، خرجت من مباضعها حياً.

ثم هجمتا عليّ تقبلاني. لا تعرفان من أنا. لا اعرف من هما حتى الآن، الإنسان هو الإنسان أحب أم أكره. ما أصدق الأنبياء!...

السائق لم يلتفت صوبي. ما عرفته يومذاك ولا عرفته من بعد. المنقذ كان يولع سيجارته ويتطلع إلى القمر الصاعد من الأبعاد كأنه رغيف خبز كوراني من طحين استراليا.

أما المرأتان فتشكران الله وتهنئان وتدعوان لي بالسلامة في ما تبقى من رحلة.

لا بد من ملاحظة، المرأة اكبر من الرجل بما لا يقاس بالمقاييس العادية. عندما يكون القلب هو محرك الإنسان. قلب الرجل، قد لا يتأثر إلا بالأمور الهامة، بالمؤثرات الطاغية، أما المرأة فإذا ترى عصفورة تسقط على الأرض، على النافذة، على القرميد الأحمر تنفعل بشعورها المرهف، وتقيم لها مأتماً.

المرأتان اللتان لا اعرفهما واللتان شهدتا قيامي من القبر هما صورة للمرأة في أحب غرائز الأمومة، في أرق مشاعر القلب الإنساني، في أعلى مرتبة للإنسان الشاعر مع الإنسان!.. لقد كانتا الحنان. لهما تحيتي أياً كانتا وأينما كانتا؟!...

داريا-قضاء زغرتا.

 

في مرمريتا ـ محافظة العلويين

ـ لم تصبح بعد حراً طليقاً. قال المنقذ بلهجة الآمر.

ـ لماذا أيها الرجل؟ قلت مرتاباً.

ـ لأننا سنقطع بعد مركزاً للجمرك. هات تذكرة هويتك.

سحبت من جيبي الهوية ورحنا نبحث كيف نقلب اسم عبد الله قبرصي إلى اسم آخر. وفتقت الحيلة للمنقذ أن يجعل من قبرصي، قيرضي. صارت الباء ياء والصاد ضاداً.

وانطلقنا نعبر السد الأخير.

وكان سداً من كرتون.

مأمور الجمرك، يسأل المنقذ، فيجيبه بهدوء الواثق: هؤلاء أفراد عائلتي. فيشير إليه بالمرور.

هذه المرة كان الفرج مرجاً اخضر. لقد زالت الحدود والسدود. لقد انقشع الضباب وانقشعت الغيوم. لقد مهدت العقبات الكأداء. سقطت آخر قلعة من قلاع الهزيمة!..

السيارة تهدر في ذلك الليل الهادئ، وخرجنا على الطريق الممتد من تلكلخ إلى مرمريتا.

ودخلنا دار الضيافة.

آل اليازجي ينتظرون الهارب. لقد أعدوا له فراشاً وثيراً وطعاماً وشراباَ. وفتحوا له مع باب الدار أبواب النفوس. ميزتنا الفضلى عند القوميين الاجتماعيين أننا نحب بعضنا بلا حدود. أنت قومي بين القوميين فأنت إذن في بيتك، بين أحبة، الأمان والاطمئنان والحماية والدفء والحنو، تتدفق من منابع الأصالة، من مصادر الطهر والأريحية والعطاء، هؤلاء هم عائلة عبد الكريم اليازجي القومية الاجتماعية من ألفها إلى يائها.

هكذا أحسست في دار الضيافة، دار الخلاص، أني بين أحبة. لا أعرف لأحد وجهاً من قبل، فكأنني في لحظة ابن ذلك البيت الكريم، أحد أفراد العائلة، ليس فيه حرم علي، ولا أية نافذة مغلقة في وجهي.

العائلة العزيزة استحالت إلى حرّاس. تطوع البيت للسهر علي. الكبار والصغار في خدمة الهارب الناجي من المظالم والتعذيب والقائم من بين الأموات.

فاشلاً كنت، يحتويني اليأس من رأسي إلى أخمص قدمي. كل ما يعني الفشل من تحطم وتداع وانهيار كان في عيني. من عيني أشرقت في لحظات كل بيارق الظفر. استقبلتني العائلة العزيزة بطلاً مظفراً، عائداً من الميدان، بأكاليل الغار!...