العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

ضجيج يسمى فناً تشكيليّاً

ريتا باروتا
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

الفن للفن. ويا لسخرية المواقف والادعاءات! ويا للمغالاة وجهل التقنية فضياع المشاعر في غوغاء الألوان المرمية سهواً... لتسمى فناً تعبيريّاً آن له أن يسقط.

جوزيف حنين أتى ليسقط مفهوماً، ليصنع جديداً، ليعارض. عارض فاستتر، فناناً على حافة الانهيارات الفنية التي لا تتفجّر إلا نتيجة حتميّة لجرح ما، في مكان ما.

وضعنا القدر على دربه المجبولة بالطين والألوان الزيتيّة والمساحات البيضاء. سألناه فأجابنا بسؤال. أحببنا كل تلك الأعضاء المتناثرة، كل ذلك الحنين إلى الإنسان وحقائقه، الإنسان وغبائه، الإنسان وتطلعاته المكسوّة بغبار العولمة فالأجيال الصاعدة الصامتة الجهولة.

فأخبرنا. عن الكيف واللماذا والمتى والغد. أخبرنا عن شوق للقاء الآخر، كلّ آخر، شوق رسام يستعمل ريشته بندقيّة أخرى. أجيالنا تربّت على الرصاص... حبذا لو تسمع اليوم، ضجيجاً آخر، يسمى فناً تشكيليّاً.

ولد جوزيف في تحويطة الغدير، سنة 1975. حمل دراساته العليا في الفنون التشكيليّة وهام، هيام العارفين بالمصير المحتم، في بلد أسقط الفن من على رف الإبداع، ليضعه أكسسواراً على حائط.

رفض أن ينقل، رفض أن يقلّد، رفض كلّ ما يحمله المرء من أعضاء الآخرين، من علمهم وسخافتهم وبراعتهم، أحياناً. أراد الجديد، كلّ ما يخرج عن مجانيّة القرن والحقبة، مجانية المشاعر فالمعارض فالأسماء. انتظر. هل تعتقدين بأنني تأخرت؟. لم يكن يسألني بل ساءل نفسه ليجيبها: كلا، لم أتأخر. كان عليّ أن أتحرّك اليوم. وها أنا ذا. جوزيف حنين يعرض للمرّة الأولى، في المركز الثقافيّ الفرنسيّ، لوحاته الغريبة السامية في غرابتها، غرابة الإنسان وأشواقه.

كيف نصف تقنيّته؟ الفن التجريبيّ. لأنه لا يخطئ. لأنه تعلّم بأن الخطأ هو من أمور الحياة، خطأ لا يصحّح، بل يحوّل إلى ما هو أبعد وأنقى وأبهر من الصواب. حين تسقط ريشتي سهواً، مخلّفة وراءها دماراً ما، أعمل عليها ومن أجلها. فتتغيّر وتتلوّن وتنصهر وكليّة اللوحة، لتصبح جزءاً لا يتجزأ منها.

يرسم الخليّة فالأعضاء فالإنسان، يعود به إلى حقائقه الفذّة، إلى شوبنهاور وطبيعة الإنسان المجهريّة. آن لنا أن نعترف بأن الرسم عِلم وبأن الرسام غير ذلك الرجل المتكسّر على صخرة الآهات. حوّل حنين كلّ الادعاءات بالأوجاع والمتنفّس الى وقائع علميّة، منثورة على الأبيض الفذّ، حقائق علميّة مكسوّة بالسيطرة المطلقة لهذا الذي يدرك ما يفعل وإلى ماذا يرمي.

عضويّ هو عنوان المعرض وعضوي هو الكائن. عضوية هي الحقائق وعضوي هو الوجع.

أردت أن أخلق جديداً وأن أرمي خلفي كلّ الموروث. أهو يغرّد خارج سربه؟ طبعاً، ولكنه لا يسير عكس التيار بل بموازاته، ليقول ربما أن الرسم لم يمت وأنه ما زال هنالك من إبداع غير مجاني، إبداع يأتي كردّة فعل على حال بائسة وعلى رحيل أم خلّفت وراءها كلّ المستحيلات الممكنة.

هي وحدها التي تحرّر، هي وحدها التي تتحمّل، وهي وحدها أكثر ما يُخلق ليحرّر: اللوحة.

وحنين يبجّلها، قدسية أرض وفكر وألم. يزورها فتفتح له ذراعيها، تمتصّ العكر والمضيء، لتولّد يوماً بعد يوم، حالة نفسيّة لا نهاية لتخبطها.

أتعامل مع الصمت بألواني الصارخة فتولد قصّة حبّ بين الصانع واللوحة، بين المبدع والحقيقة، بين النتيجة والسبب.

سيعرض لكي يضع أمامنا جدليّة من نوع آخر: من هو الذي سقط؟ المتلقي أم الفن؟

سيعرض لكي نأمل من جديد، نزيح الغبار عن رفوفنا، لنضع اللوحة حيث يجب، ولنتعلّم الفن مرّة أخرى، لربما للمرّة الأولى.

 

كادر

عضوي لجوزيف حنين، في المركز الثقافي الفرنسي، طريق الشام.

من 27 تشرين الثاني 2007 ولغاية 11 كانون الثاني 2008

ريتا باروتا