العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

كمال خير بك الواقف بين القدر والخطايا

نعيم تلحوق
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

شاعـر مجنون بوصاياه القديمة ، راح يسوّق للغة شعرية جديدة ، كان أهم مرتكزاتها كيف نعشق الموت دون اقتراف الجريمة ، رتّب حوائج الليل وامتطى يقظته ، لـم يترك إحدى قدميه خلف الباب الموصد ، خرج بكلتيهما ، هجم ، وبكامل دمه ممتطياً فرس الموت ، مبتكراً جراح عشقه ثورة ، مروّضاً هامة الفجر ، فكان بحق فارس العشق والسيف في آن .

ليس مجدياً أن نقارب الشاعر بما كتب ، بقدر ما يجب أن نلحظ أهم مسألة يحتاجها الأدب والشعر بخاصة ، هل الأدب على علاقة بشخصية الأديب ؟! وإذا حرصنا ان لا نضحك على أنفسنا فنسأل ، هل الشاعر "نبي كذاب" كما يقول المدعوّن ؟ وإلا ما جدوى أن نكتب أو نقول ؟ ولمن نكتب حقيقة ؟!

لنختصر الكلام ، نكتب لأنفسنا ، لكن بصدق الوعي فينا ، ولا نحتاج إلى كذبة بيضاء تقرأ علينا قضية الجمال ، إذا كان الأدب هو فن الخداع فتلك مشكلة الموغلين في نبش التراث على أنه جثة ، ولا يعتريهم قدرة على البحث فيه وعنه ، أو من خارجه .. لأنهم يمارسون هواية الكذب ، والكاذب هو لص قطعاً ، فيسرق أفكار الآخرين ولغتهم وينسبها إلى مناخه ، ويتكلم في التجديد والتحديث !!

المشاكلة هي كيف يكون الشاعر فارساً ، كما هو الحال عند كمال خير بك ، فالفروسية نبل ، وأساسها الثقافة التي تبري القبيح لتأتي بالجميل .. وهي عشق كامل لإلوهية العقل ، المصارح فينا ، لا المهين له ، أي على العشق الصادق الذي لا يحمل الكثير من التوريات لإنضاج فكرته . فاللغة الحروفية هي امتداد للغة الذاتية والإنسانية التي تعاقر بردة الروح ، فكيف نفهم شاعر أو مثقفاَ خارج هذين الاعتبارين ؟!

يسأل كمال خير بك هؤلاء من أقران جيله وما بعد ؟

لماذا تكذبون حتى حين تحبون؟! لماذا تغيروّن أفكاركم وآراءكم ومواقفكم مع كل هبّة ريح .. ترى أي كاذب فيكم يحتمل أن يكون الله : اللغة الجسد ، أما الفضاء - الروح الرقعية الهزيلة .

لنتريث قبل أن نقرأ كلام التراث ، ولنبحر في سلامة الفارس - الشاعر - المقاتل .. الذي رفض أن يترجل عن حصانه إلا ممهوراً برهبة العشق ؟ من يقول للغة كوني أنت نفسك قبل كل شيء ، لتتمكني من مجاراة هذا الفضاء العاج بالتضادات ، أولا تعلمين ان العالم يتسع للتضاد لا للمرادفات ..

التقليد هو الترادف أو المشابهة .. وقد رفض كمال خير بك ان يكون إلا متجذراً في حداثة ترقى إلى عالم الجمال الأبهرفي كتابه " حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر" ، أثار فيه قضية المعنى في الشعر والإيقاع في اللغة ، والصورة في اليقين ، وأيقظ مدلولات اللعبة الشعرية حتى جعلها أدوات معرفية نلعب بها دون السماح لها أن تلعب به .

الشاعر النبي ، هو الذي يقرأ كمال خير بك ، دون أن يسرق منه شيئاً ، ودون أن يتكاذب مع اللغة والنفس .

كأن بكمال خير بك يقول لي .. ولنا ..

"دلّني على صوتي أيها الشاعر الفارس ، لأكتشف بنبلك كيف تكون المغامرات .. " مظاهرات صاخبة للجنون" ، وعلى اسمي لأفتعل إثم الخطايا العاريات في بساتين الجسد - اللغة ، دون أن أسقط عن حصاني ، فليس الشعر للسقوط ، انه لرعشة المفردات تنثال بين أصابعك صلبة كالصخر ، واقفة كالمارد الهصور تتحدى الممكنات وأضاليل الروايات الكثيرة .. دلّني على امرأتي كي أعشق جنون التمرد حين يحلـو القطاف .. ويزهر ربيع الكلمات .. دلّني على معصيتي كي أتصالح مع ذاتي ومع الشعراء الذين في كل وادٍ يهيمون يقولون ما لا يفعلون ، "وداعاً أيها الشعر" ، دلّني على قدري ، فلا يعود الوقت حاجة للصراخ ، ويصبح كل ما فينا وجع الحب المنتصر على الموت بخطيئة اللحظات .. "دفتر الغياب" ..

دلّني على ثورتي التي لا تصبح زلزالاً إلا تحت أقدام العمالقة وفرسان الشعر فوق الغبار "البركان" .

دلّني يا الواقف بين القدر والخطايا على ماءة النهر التي تعلمناها حبيسة الأقدار ، فجاءت بين يديك رجفة تختصر الإعصار .. ودلّني على وطني ، كي أعلم أن بحبرك ينكسر الموت ويحلو الانتظار .. "الأنهارلا تتقن السباحة في البحر" .

لم أزل أستدل معك على بيت ينجو من الحصار ..

انتظرك ، لنغني معاً ، متاهة الإصرار على الموت شرفاء ..

قُل يا كمال ، للأنبياء الكاذبين ، اننا اخترنا موتنا علناً ، لا خوفاً أو رهبة ، وانه شرط لانتصار قضية ظنها أعداؤنا إنها انقضت ..

في ذكراك السابعة والعشرين أظن أن ثلاثة أجيال لم ينلها حظوة ان تكون في عصرك ، فكبرت دون ان تدرك سر الموت وسر الخطايا ..

احبك ، لأنك أنت .. دون سواك ..