العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

نشوء الامم

جان دايه
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

صدر حديثاً كتاب نشوء الأمم للباحث جان دايه، النسخة الأصلية كما نقحها انطون سعاده، من دار فجر النهضة.

والكتاب يتألف من دراسة موزعة على على اربع مقالات تليها صورة للنسخة المنقحة بقلم سعاده، ويشتمل القسم الأخير على بعض الصور والمقالات المجهولة التي تناول اصحابها كتاب نشوء الأمم من مواقع مختلفة...

وهنا مقدمة الباحث جان دايه حيث يشرح اسباب نشره لهذا الكتاب، معتبراً انه يتضمن حلاً للإشكال الذي تسببت به طبعة نشوء الأمم عام 1951

إذا كان هاماً نبش ونشر كتابات انطون سعادة، فإن الحرص على حماية الكتابات تلك من أي تعديل أو تبديل، اضافة أو حذف، لا يقل أهمية. وتتضاعف الأهمية عندما يكون الأثر الكتابي خطيراً بموضوعه ومتميزاً بالمنهج الذي صيغت بموجبه فصوله، كما هو حال كتاب نشوء الأمم . صحيح أن هذا الكتاب لقي اهتماماً ملحوظاً منذ صدور الطبعة الأولى منه في العام 1938، خصوصاً في أوساط القوميين الإجتماعيين والمقربين منهم، سواء في الإقبال عليه أو درسه أو اعادة نشره. ولكن علامة استفهام كبرى ارتسمت حول حقيقة تنقيح سعادة له، بعد نصف قرن من صدور النسخة المنقحة .

ولما كان التنقيح متمحوراً على مصطلحات وعبارات تتعلق بالتعديل الذي أجراه سعادة حول تاريخ سورية وجغرافيتها بحيث باتت سورية الطبيعية تشمل الهلال الخصيب بدلاً من اقتصارها على بلاد الشام . وحيث أن راسمي علامة التشكيك قد عبرا قنطرة الشك، فأعادت الدكتورة صفية سعادة نشر طبعة 1951 المنقحة من نشوء الأمم ولكنها اعتبرت أن التنقيح الذي تميزت به عن طبعة 1938 لم يتم بقلم والدها، بل أجرته لجنة النشر  التي شكّلتها قيادة الحزب القومي في دمشق.

أما مؤسسة سعادة الثقافية فكانت اكثر حسماً، عندما نشرت الطبعة الأولى من نشوء الأمم في المجلد الثالث من الأعمال الكاملة لسعاده، على اساس ان الطبعة الأولى، ثم اوضحت في مقدمة المجلّد 12، سبب عدم اعادة نشرها لطبعة 1951، وهو السبب نفسه الذي أبدته الدكتورة صفيّة في المقدمة.

كان الإشكال كبيراً ومؤلماً ايضاً. ذلك ان النسخة المنقحة التي صدرت في العام 1951، استمرت من غير تشكيك بصحة تنقيحها طيلة خمسين عاماً، وأعيد طبعها عدة مرات وبخاصة من قبل قيادة الحزب تحت عنوان الآثار الكاملة وكانت معتمدة من القراء والصحافيين والباحثين. ولم يكن متوقعاً حسم الإشكال والعودة الى نسخة 1938 من نشوء الأمم ، لأن الدليل الذي اعتمدته دار سعاده للنشر ومؤسسة سعادة للثقافة، ارتكز على التحليل والإستنتاج.

لم يكن هذا الكتاب المتمحور على نشوء الأمم مدرجاً في لائحة الكتب التي وعدت بإصدارها في الصفحة الأخيرة من كتابي الأخير هشام شرابي صحافياً . ليس فقط لأن وثائقه الجديدة والهامة لم تكن متوفرة، وهو الشرط الأساسي الذي انطلق منه لإصدار الكتاب... بل اولاً لأن اي بحث يعتمد على التحليل والاستنتاج في الحكم على حقيقة تنقيح سعادة لنسخة 1951 من نشوء الأمم، قد يزيد الطين بلة. ولكنت عندما توفرت الوثيقة الحاسمة وهي النسخة الأصلية المنقحة بقلم سعاده، شق هذا الكتاب طريقه الى المطبعة. ولكي أقطع الطريق على أي تشكيك بأصلية النسخة من نشوء الأمم التي أعيد طبعها في هذا الكتاب، عمدت الى تصويرها بدلاً من صفّها، حيث يتأكد القارىء من العبارات المنقحة، ناهيك بتمريرها على خبير الخطوط لازالة اي شك بأنها مزورة. واذا كان الشك قنطرة اليقين، فقد كانت مهمتي الأولى في ورشة صدور هذا الكتاب، عبوري القنطرة تلك، حين وضعت بين يدي خبير عريق بالخطوط النسخة المنقحة، وتلقيت منه الضوء الأخضر.

طبعاً، هناك اسئلة عديدة وهامة قد لا تسددها صورة النسخة المنقحة: هل توفرت هذه النسخة للجنة النشر في مطلع خمسينات القرن الماضي؟ واذا كان الجواب بالإيجاب، فهل كانت طبعة 1951 صورة مصفوفة للطبعة المنقحة بكل دقة؟ ام ان الناشر اعتمد جزءاً من تنقيح المؤلف وأهمل الجزء الباقي، ولماذا؟ ولجنة النشر هل أضافت او حذفت او نقحت كلمات وعبارات، من الصفحات واليها، التي لم يصلها قلم المنقّح المؤلف؟

وثمة اسئلة اخرى تتعلق بكتاب نشوء الأمم بطبيعته في عام 1938 و1951: هل هو كتاب علمي، ام حزبي، ام الاثنين معاً؟ وهل يفترض بأعضاء الحزب القومي ان يعتمدوا مقالاته بحذافيرها كما هو حالهم مع كتاب المحاضرات العشر ؟ ام ان الملزم فيه هو الذي يدخل في اطار المبادىء الأساسية والاصلاحية ويتناغم معها ويساهم في شرحها وتعميق فهمها؟ وبالمناسبة، هل يوجد نص لسعاده يتضمن الاجابة الحاسمة على الأسئلة الآنفة، في مقدمة الكتاب او في مرجع آخر؟

ونشوء الأمم  هل درس بكثافة من قبل الباحثين، باعتبار انه كتاب هام لكاتب شهير، تماماً كما درس الباحثون العواصف لجبران او طبائع الاستبداد للكواكبي؟ والباحثون الذين لا ينتمون الى الحزب القومي، هل درسوا نشوء الأمم بمنهج علمي حيادي؟ وهل تميزت او اختلفت دراسات 1938 عن نظيرتها في 1951، سواء في المحاور التي ارتكزت عليها، او الأحكام التي انتهت اليها؟

لقد حاولت الاجابة عن الأسئلة الآنفة ومتفرعاتها من خلال المقالات الأربعة التي تلت هذا المدخل. فضمّنت المقال الأول ظروف ومراحل تأليفه، وتحديد المؤلف له بالمقارنة مع سائر مؤلفاته، أضأت على بعض من درسوه من خارج الحزب وداخله، سواء الطبعة الأولى منه 1938 او الطبعة الثانية 1951.

وتناولت في المقال الثاني مسألة تنقيح نشوء الأمم وتداول النسخة المنقحة لمدة نصف قرن، ثم عودة بعض الناشرين الى نسخة 1938 بعد ان تبين لهم بالتحليل والاستنتاج ان التنقيح قامت به لجنة النشر وليس المؤلف. ورويت في هذا المقال كيفية عثوري على النسخة المنقحة بقلم سعاده، وقد تأكد لي من خلالها انها - أي النسخة- كانت بحوزة لجنة النشر حين نشرت طبعة 1951.

واقتصر المقال الثالث على جدولين ضمنتها العبارات المنقحة، المتشابهة او المتباينة، في طبعة 1951 والنسخة المنقحة بقلم المؤلف.

اما المقال الرابع والأخير، فقد قارنت فيه بين تنقيحات المؤلف، وتنقيحات اللجنة التي التزمت بجزء مما نقحه سعاده.

وبالنسبة لصورة النسخة المنقحة التي تلت المقالات، فقد تركت أرقام صفحاتها القديمة في القسم الأعلى منها، ووضعت في القسم الأدنى الأرقام الجديدة لصفحات هذا الكتاب وفق تسلسلها.

وحيث ان الغموض يلف عدد أعضاء اللجنة وأسماءهم، الذين أشرفوا على تنقيح واصدار طبعة 1951، ناهيك بحدود مسؤولية كل من اشترك في ورشة تحرير تلك الطبعة المثيرة للجدل، فقد رأيت اختصارهم بعبارة لجنة النشر .