العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

التوثيق لدى الباحث مازن صباغ

كتاب دمشق ـ موسكو (نموذجاً)
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

طارق حريب

عضو المكتب التنفيذي

لاتحاد الصحفيين السوريين

عندما بدأ الباحث مازن يوسف صباغ سلسلة كتبه التوثيقية، ممهداً السبيل إلى إغناء المكتبة العربية بالوثائق الدقيقة والمهمة التي يحتاجها الباحث والدارس والمهتم، يكون بذلك قد لبى الحاجة الماسة إلى مثل هذا العمل الذي يحتاج إلى جهد وعناية كبيرين.

وفي كتابه الجديد موسكو ـ دمشق، علاقة متجذرة متجددة الصادر عن دار مي في ثمانمئة صفحة أضاف كتاباً جديداً إلى المكتبة العربية تحريراً وتوثيقاً وعرض العلاقات السورية الروسية بادئاً بأهمية موقع سورية الاستراتيجي ودورها الثقافي والسياسي المميز فشكلت مركز الحراك السياسي في المنطقة.

ففي سورية ولدت ونشأت فكرة القومية العربية أوائل القرن العشرين، ومن سورية تم التنبيه إلى الخطر الذي تشكله العقيدة الصهيونية على الأمة العربية جمعاء وليس على فلسطين فقط، ومن سورية ولدت فكرة الحياد الإيجابي التي اتخذت شكلها في مؤتمر باندونغ ـ اندونيسيا 1955 وكسر الاحتكار الغربي لتوريد السلاح إلى الدول العربية في خمسينيات القرن العشرين، كما أن سورية تعتبر رائدة نظرية الممانعة في القرن الواحد والعشرين، والتي تعني عدم التسليم بدور الولايات المتحدة كقطب أوحد للعالم تخضع له إرادات بقية الدول والعمل على تعزيز علاقات الصداقة والتعاون مع أصدقاء سورية.

واستعرض الزميل مازن صباغ العلاقات التاريخية بين العرب والموسكوف الروس فصلات روسيا بالعرب والمسلمين تعود إلى العهد العباسي حيث جرى تبادل السفارات بين العباسيين والروس، وأشهرها رحلة الرحالة العربي أحمد بن فضلان إلى روسيا وشمال أوروبا، كذلك ذكر المؤرخ العربي الكبير ابن الأثير أن التجار الروس التجؤوا إلى المسلمين هرباً من الغزو المغولي حيث يقول في كتابه الكامل في التاريخ فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس وأغنيائهم وحملوا ما يعزّ عليهم، وساروا يقطعون البحر على بلاد الإسلام في عدة مراكب.

وقدم الزميل مازن في كتابه عرضاً تاريخياً موثقاً للعلاقات الروسية العربية والإسلامية فأشار إلى اهتمام الروس بالحضارة والثقافة العربيتين وخاصة قيام المستشرق كانتجير بإدخال حروف الطباعة العربية إلى روسيا في بداية القرن الثامن عشر، وكذلك الأوامر التي أصدرتها الإمبراطورة كاثرين الثانية بطباعة القرآن الكريم باللغة العربية في نسخ كثيرة وتوزيعه على رعاياها المسلمين، كما تم إرسال العديد من الطلبة للاستفادة من دراسات العربية والإسلامية في أوروبا.

وامتد هذا الاهتمام ليس فقط بالثقافة العربي التراثية وشمل الثقافة العربية المعاصرة وشهدت الثقافة الروسية حركة ترجمة واسعة فترجم 556 عملاً أوروبياً لكتاب عرب.

كما عرض العلاقات بين سورية والاتحاد السوفييتي والتعاون الذي أسفر عن إنجازات ومشاريع كبيرة في جميع المجالات خاصة سد الفرات العظيم ومحطتا البعث وتشرين والسكك الحديدية والنفط وعلى الصعيد السياسي ذكر الباحث الزميل صباغ المواقف المؤيدة والمناصرة للمساعي العربية لاسترجاع حقوقهم المغتصبة، وساند سورية بشكل خاص في مساعيها المشروعة لاستعادة أراضيها المحتلة في الجولان العربي السورية.

وأشار إلى استمرار روح التعاون البناء والمثمر التي ظلت حية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، موضحاً أن علاقات التعاون بين سورية وروسيا الاتحادية، حيث عادت عجلة التعاون السوري ـ الروسي إلى الدوران خصوصاً بعد وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة في روسيا، الذي أعلن أن مهمتنا ليست فقط إعادة المستوى السابق من التعاون الثنائي بل علينا تجاوزه وتطويره.

في كتابه الوثيقة ذكر الباحث مازن يوسف صباغ الاتفاقيات التي تم توقيعها بين سورية وروسيا في المجال التجاري والاقتصادي والتقني والعلمي والثقافي والتربية البدنية والرياضية والطب والصحة ومساهمة الخبرات الروسية في الاقتصاد السوري وشهدت تلك الفترة تواتر الزيارات الرسمية المتبادلة بين سورية وروسيا والتي توجت بزيارتي السيد الرئيس بشار الأسد إلى موسكو في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 2005 وفي 18-19/12/2006 بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موضوع كتاب موسكو ـ دمشق، علاقة متجذرة متجددة والتي كان من أهم نتائجها توقيع الإعلان المشترك حول التعميق اللاحق لعلاقات الصداقة والتعاون بين روسيا الاتحادية والجمهورية العربية السورية.

وحل مسألة الديون العالقة من زمن الاتحاد السوفييتي بشكل جذري، هذا التعاون استمر أيضاً في المجال السياسي والعسكري كما ساندت روسيا مساعي سورية الحثيثة للدفاع عن حقوقها المشروعة واستعادة أراضيها المحتلة.

كما وقفت روسيا إلى جانب سورية ودعمتها في تصديها لحملة التحوين والافتراء التي تعرضت لها نتيجة مواقفها الرافضة للحرب على العراق وغزوه من قبل الولايات المتحدة الأميركية وقدمت لها الدعم والإسناد السياسي في مجلس الأمن الدولي.

جاء هذا الكتاب توثيقاً عن العلاقات السورية ـ الروسية بشكل عام وعن الزيارتين التاريخيتين التي قام بها السيد الرئيس بشار الأسد إلى روسيا في كانون الثاني 2005 وكانون الأول 2006 بشكل خاص.

ووثق الزميل صباغ اللقاءات والمقالات والتعليقات التي أجريت والتي نشرت قبيل زيارة السيد الرئيس الأسد كما وثق كتابات المحللين الروس حول آفاق العلاقات السورية ـ الروسية وتدعيم التعاون بين البلدين واللذين أكدوا أن سورية حليف مهم في المنطقة وأصدقاء مخلصون وأن سورية واكبت المستجدات وحافظت على دور الدولة في توجيه الاقتصاد ووثق الترحيب الروسي بزيارتي السيد الرئيس بشار الأسد ومن خلال تأكيد الأوساط الروسية شخصيات سياسية وإعلامية بارزة بأن لسورية دور أسامي ومحوري وأنهم يدعمون موقفها في وجه الضغوطات.

واهتمت وسائل الإعلام الروسية خاصة والعربية والغربية بشكل عام بأهمية الزيارتين التاريخيتين التي قام بها السيد الرئيس بشار الأسد لروسيا حيث أنجز الروس الإعداد لهما وتشكلات حدثاً سياسياً بارزاً يخدم مصالح البلدين ويعزز مواقفهما من جهة ويشرع الأبواب أمام روسيا لكسر الاحتكار الاستفزازي الذي تمارسه الولايات المتحدة في منطقة ضاقت شعر بها ذرعاً بالتفرد التجاري والاقتصادي وكذلك العسكري الأميركي.

ويقول الروس عن الزيارتين التاريخيتين إنها أيام دافئة ونادرة في صقيع موسكو المعروف.

تضمن الكتاب جميع ما نشر، وأذيع عبر وسائل الإعلان المختلفة عن زيارتي السيد بشار الأسد لروسيا، كذلك احتوى كل ما نشر ما قبلها وأثناءها وبعدها..

وضم ملفات نشاطات سورية ـ روسية مشتركة، وزيارات متبادلة بين البلدين لشخصيات رسمية بارزة سورية وروسية.

وفي هذا الكتاب يتابع الكاتب والباحث الزميل مازن يوسف صباغ المهمة التي اختارها لنفسه وهي التوثيق لمختلف جوانب السياسة والعلاقات الخارجية السورية أملاً أن يزود هذا الكتاب الباحث والمختص والدارس والمهتم بكل الوثائق اللازمة لإجراء الدراسات والأبحاث عن العلاقات السورية ـ الروسية بشكل عام، وعن الزيارتين التاريخيتين التي قام بهما السيد الرئيس بشار الأسد إلى روسيا.

إنه مرجع هام لكل باحث ومختص وإضافة جديدة أضافها الزميل صباغ إلى المكتبة العربية الوثائقية.