فكرة حول العلمانية

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : نزار صبــاغ
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
لعل من أهم ما يميز المجتمعات الإنسانية التي توصف بالحضارية ، عن المجتمعات أو التجمعات البشرية الأخرى ، هو اعتمادها على الاستفادة من الثقافات والمعارف والعلوم الإنسانية في تطوير نفسها ، وفي زيادتها ونشرها مع المُطوَّر والجديد منها ، للمجموع الإنساني . لأن الحضارة ما هي إلا نتاجٌ تراكمي للثقافات والمعارف الناجمة عن الجهد الإنساني واعتماد العقل كمنهج دائم في الحياة .

بمعنى آخر ، أن نكون حضاريين في مجتمعاتنا فذلك بمقدار ما نكون مستفيدين ومطوِّرين ومنتجين وناشرين للمفاهيم الحضارية العقلية التي ترتقي بالحياة ، وبمقدار إعادة النظر في البحوث والمفاهيم التقليدية الموروثة من منطلق حيادي ، إضافة إلى الخروج عن احتكار المعرفة والتاريخ وعن صياغتهما ضمن مفهوم أحادي الجانب أو بموجب رأي متحيّز . فالعقل لدى الإنسان هو الأساس ، واستخدام العقل يعني العلم والتعلّـم ، وللتذكير فقط فإن الكلمة الأولى من الآية الأولى من السورة الأولى في القرآن الكريم كانت ولا تزال "اقرأ" ، ووردت بصيغة الأمر للوصول إلى العلم والمعرفة . وهي لا تعني - وبالمطلق - التعلم في الدين أو في شؤون الدين فقط ، وللتأكيد على ذلك ورد القول " اطلبوا العلم ولو في الصين " وهو مُسند بالطبع ، ومن المعلوم أن الصين حينها كانت تعتنق البوذية / الكونفوشوسية بفلسفة روحية حياتية معينة ، ولم تكن تعرف اللغة العربية .

قد أجزم القول إنه ما من أحد يستطيع أو يمكنه الادعاء بأنه رأى الله ـ بغض النظر عن تسميته لدى الشعوب ـ ، لكن وببساطة تامة ، يمكن لمن يشاء إدراك وجوده ومعرفته من خلال المحاكمة العقلية ، أي بالعقل فقط دون العودة إلى إثباتات غيبية مستندة إلى مفاهيم غيبية . وحيث إن الأنبياء والرسل معروفون فلا يمكن الادعاء بأن ما كان ، أو ما هو عبارة عن مجهود إنساني عقلي ضمن بيئة جغرافية ثقافية زمنية محددة ، ممن كان من أتباعهم أو مريديهم أو معتنقي الديانات ، عبارة عن مُسْلمات يتوجب الأخذ بها حرفياً كما وردت منذ قرون ..... وإلا ما هي الحنفية ، الحنبلية ، الشافعية والمالكية ، أليست اجتهادات فكرية عقلية ..؟ هل الاعتقاد بأن الأرض مسطحة لا يزال قائماً أم تغيّر ..؟ هل استمر الجزم بتوازن الأرض على قرني ثور ..؟ هل بقي الجان يسكن التلفاز..؟

ثم ماذا عن ابن خلدون وابن رشد وابن سينا والخوارزمي وغيرهم من البشر الذين رفضوا الاستكانة إلى التلقين الغيبي ، وأعملوا عقلهم مستخدمين في ذلك نهجاً شاكاً دارساً منقباً في العلوم المعروفة حينها وفي علوم الغير ، نهجاً باحثاً باتجاه الأفضل لما يلائم الحياة المادية وفقاً لتغير المعطيات التي كانت سائدة من قبل. الذين استطاعوا التغيير والتأثير في الكثير من المفاهيم ، مستخلصين العديد من الأحكام والنتائج التي استفاد منها غيرهم من المفكرين والعلماء وصولاً إلى ما هو حالياً من تقدم في أوجه الحياة ، ألم يكن جميعه ناجماً عن جهد إنساني عقلي؟ في وقت حورب فيه أغلبهم بالحجج المستخدمة ذاتها اليوم تقريباً بما يطلق عليها "المحرمات" أو " الخروج على الدين والجماعة " ، لا بل قد كُفِّـرََ بعضهم - وكأنه اليوم - .....

ثم كانت المفارقة بإطلاق واستخدام مصطلح " الحضارة الإسلامية " على مجموع المعارف الإنسانية التي نتجت عن الجهد العقلي الإنساني لهم ولغيرهم ، سواء في الآداب (شعر - نثر ..) أو العلوم أو الفلسفة أو حتى فن البناء والعمارة ( التي كانت وفقاً للحاجة والبيئة والثروة والمركز الاجتماعي ) أو حتى الفن الزخرفي ...إلخ ، رغم المعرفة والعلم بالرفض الكامل لأغلبها حين ظهورها ، وتكفير البعض ممن أطلقها ، عدا عن الإهمال التام والمتعمد للواقع الحياتي المعيش لعموم الناس حينها وكأنه المجتمع المثالي الفاضل ..... ( وبالمناسبة : هل سمع أحد بتعبير أو بمصطلح " الحضارة البوذية " أو "الحضارة الزرداشتية " ، ماذا كان يطلق على حضارة المايا ؟ هل تم استخدام مصطلح " الحضارة الشمسية" ؟ مثلاً ...) .

وبالتدقيق يتبين أن التعبير المذكور لم يكن مستخدماً قبل منتصف الربع الأول من القرن العشرين ، فالشيخان التنويريان " محمد عبده " و " عبد الرحمن الكواكبي " لم يستخدماه ولم يكتشفاه رغم تركيزهما على العقل والتطوير ونهضة البلاد وضرورة إعادة النظر في الموروثات والمفاهيم المتعلقة بأوجه الحياة المختلفة ، ومحاولتهما استنهاض الهمم في سبيل الأمة .... لكنه اكتـُشِفَ واستُخْدِمَ فيما بعد توافقاً مع مصلحة منظـّري الأفكار والأحزاب القومية الشمولية التي تنادي بالأمة العربية الواحدة ، معتمدين في نشره بل وتعميمه ، على منهج احتكاري للمفاهيم وللتاريخ وصياغته برأي أحادي واحد ، وكان التحالف الوثيق بين سيطرة المفاهيم الدينية الموروثة التي تعتمد التلقين المجرّد بما تشمله من مصلحة لحُماتها وللقائمين عليها ، مع تلك الأحزاب ...

ذلك كما كان الأمر عليه تماماً خلال عصور الانحطاط في أوروبا بسبب التوافق والتحالف ما بين المصالح السياسية للملوك والأمراء مع مصالح الحماة والقائمين على مفاهيم دينية في حينه . تلك العصور التي يجعلها الكثير موضعاً للمقارنة مع مصطلح " الحضارة الإسلامية " متجاهلين عمداً العديد من الجهود العقلية الإنسانية التي حُوربت و كـُفِّرَتْ - ضمن الحضارة ذاتها كما سبق ذكره - ، والتي بقي غاليليو ( في أوروبا ) خلالها مثلاُ ، مصرّاً على رأيه الذي توصل إليه من خلال الشك ورفضه "علوم التلقين الغيبية" ، بأن الأرض هي التي تدور وليس العكس ، والتي كان فيها ليوناردو دافنتشي برسوماته الفنية واختراعاته التي تكاد تكون وكأنها في نهايات القرن 19 .... وكما كان الأمر تماماً مع عصور الظلام التي بدأت منذ ما قبل عصر المماليك واستمرت مع العثمانيين .

بالنتيجة ، كان الإصرار على استخدام العقل منهجاً أساساً في الحياة ،لأجل الحياة ... وكان الإصرار على استخدام الفكر المنهجي الدارس والباحث والمنقـّب ، والرافض بداية للتلقين الغيبي ، الهادف إلى الاستكشاف ، هو السبب في ظهور تلك الطفرات أمثال ابن خلدون وابن رشد ..إلخ ، وهو السبب في التطور العلمي الحاصل من اليابان إلى أميركا .

بتعبير آخر، كان الإصرار على استخدام أعظم مُلـْكـَة ْ وهبها الله للإنسان هي السبب ، فقد أُعطيَ الإنسان " القوة المميزة المدركة لينظر في شؤونه ويكيفها فيما يفيد مصالحة ومقاصده الكبرى في الحياة ، فليس معقولاً إذاً أن يعطـِّل الله القوة المميزة بشرع أزلي جامد ، لذلك كان العقل الإنساني وكان الإنسان ، كان المجتمع الإنساني حرّاً بإرادة الله ، بإرادة المصدر الذي نشأ فيه لكي يسير نحو ما هو الأفضل ، ليقرر بذاته ما هو الأفضل في حياته . والدين نفسه إذ يجعل قاعدة الحساب يوم الحشر أو يوم الدينونة فهو بنفسه يقر هذا المبدأ ، مبدأ أن يختار الإنسان بكل حرية اتجاهه والمصير الذي يريده لنفسه " ، وهذا مبدأ الحياة والاستمرار والتطور والبقاء . فكما أن السلاح لا يتطور دون عقل والسيف والرصاص لا يقاومان الصاروخ ، فإن الطب لا يتقدم ويتطور دون عقل ولا يمكن اختراع السيارة والهاتف دون عقل ... فما الذي ستفعله الشعوب والأمم التي لا تزال تعيش في الماضي و "وهم" الماضي و"إنجازات" الماضي ..؟ وما الذي ستحققه في المستقبل ..؟ ولِـمَ الاستمرار بالوهم بأننا - "كأمة" - الأحسن والأفضل والأبرياء بالمطلق وأن الغير يتآمر علينا - خوفاً منا ومما سنحققه من حضارة وتقدم وسيطرة إن لم يتآمر علينا - ...؟ ( وبالمناسبة ، ماذا لو أن الغير تآمر فعلاً وتوقف عن تلبية طلباتنا من إبر الحياكة إلى قطع تبديل مولدات الكهرباء..؟ ) .

أعتقد جازماً أننا ، وفي مجتمعنا ، معنيون تماماً بأن نعمل في سبيل مجتمع ديمقراطي سليم ، تعلو فيه سلطة القانون فوق الجميع، ويكون الكل فيه مواطناً محترماً ومحمياً بقوة القانون وتتعادل فيه الفرص وفقاً للكفاءات ، بغض النظر عن دينه وانتمائه الطائفي أو المذهبي أو حتى القبلي والمناطقي والعشائري وكذلك السياسي ، لا أقليات أو أكثريات بل انتماء مواطني للأرض والوطن ، لأن المواطنة تعني الانتماء الكامل للوطن والعمل لمصلحته وسموه ورفعته. وبمعنى أوضح أقول إن الانتماء للوطن يشمل الخروج وبشكل مطلق على مفهوم الأقليات المذهبية و/أو الطائفية و/أو العرقية ، لا تعايش أو عيش مشترك بل عيش تام واحد على أرض واحدة ضمن مجتمع واحد ضمن مفهوم ومصلحة وطنية واحدة .

من هنا استغرب تماماً مفهوم " التعايش والعيش المشترك " الذي بدأت فيه وسوّقته وسائل الإعلام الرسمية الحكومية والذي يتردد بشكل كبير من أفواه المسؤولين الإداريين والسياسيين عند تكلمهم عن "الوحدة الوطنية" ، هذا المفهوم الذي يعني ضمناً الاضطرار ( بشكل شبه قسري ) لتقاسم الموارد الطبيعية والعمل على اقتناص الفرص الاقتصادية والرياء والنفاق في الحياة الاجتماعية والتعامل المعيشي اليومي ضمن بيئة جغرافية زمنية معينة ، بشكل تترسخ فيه فئات مختلفة ضمن ما هو مفروض أن يكون مجتمعاً واحداً وحيث تبقى كل فئة متحفزة بانتظار تغيير الظرف الزماني والمكاني والإلزامي الذي فرض هذا التعايش والوجود المشترك، حيث تنعدم بذلك مصلحة المجموع/المجتمع/الوطن/الأمة . الأمر الذي شكل، وما زال يشكل، حالة من التمايز الاجتماعي / الاقتصادي وحتى الثقافي ، فينتفي مفهوم الوطن الجامع ذي النسيج الاجتماعي المتجانس ذي الغنى الثقافي التنوعي .

من هنا أدعو بل وأؤكد ، على ضرورة تصحيح المفهوم واستخدام تعبير "العيش الواحد التام" ، ضمن وسائل الإعلام كلها، والتركيز على إعادة النظر بشكل جذري في المفاهيم المستخدمة كلها، وفي المفاهيم والأسس المعتمدة في المناهج التعليمية المدرسية وبخاصة الدينية منها التي رسخت ولا تزال ترسخ تناقضاً لا شعورياً في شخصية المواطن وتمايزاً إنسانياً واجتماعياً عند أبنائنا الطلبة بدءاً من الصفوف الأولى من حياتهم الدراسية ، وفي المدارس الحكومية الرسمية ...!

بذلك ( وقد أستطيع استخدام "فقط" هنا ) يبني مجتمع مواطني واحد دون أن يكون لكل طائفة أو لكل مذهب رب خاص بها .. أو رب تتكلم باسمه وتحاول فرض مصلحتها المنفردة باسمه على العموم .. بمعنى آخر ، دون أن تطلب كل طائفة أو حتى كل مذهب من الله أن يكون معها وحدها .. ولها وحدها فقط لا أن يكون للجميع ، للإنسانية ، بمفهومه هو لا بمفهومها هي ..

الأحرى بنا أن نكون جميعاً مع الله، لا أن نحاول ونطالب ونقتل ونقاتل في سبيل أن يكون الله معنا وحدنا فقط .. ولنا وحدنا فقط ... فالله أسمى بكثير من تلويثه في الأوحال والأوساخ الأرضية والطائفية والمذهبية ، وأسمى بكثير من القتل وإشعال الحروب وإسالة الدماء باسمه لكي تـُـحْـكـَمْ الأرض باسمه بينما هو الحاكم الفعلي المطلق الواحد الأحد لها ، الذي لا يحتاج لمن يدافع عنه ولمن يُحكِمْ له سيطرته على الأرض ، والذي يكفيه أن يقول ( كن فيكون ) ، وإلا ما المقصود من الآية " لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى" ...؟

الذي يحاسب الجميع دون استثناء على أعمالهم الأرضية الناجمة عن الإرادة العقلية الحرة التي أعطاها لهم ، هبة ومنحة إلهية للإنسان ....

اكرر هنا السؤال البدهي الشهير : هل انتمى أحد إلى إحدى الديانات أو المذاهب ( المسيحية....../ الإسلامية.../ البوذية / الأزيدية ....إلخ ) عن علم ودراسة وقناعة تامة أم عن طريق الإرث والولادة من والدين يدينان بذاك الدين أو تلك الطائفة أو ذلك المذهب ..؟

............

مما سبق جميعه كانت العلمانية ، التي تعني احترام الدين كعلاقة روحية بين الإنسان والخالق ..... التي تعني التخلص من سيطرة المفاهيم المتخلفة والقائمين عليها ... التي تعني تنزيه الدين وإبعاده عن الملوثات ... التي تعني اعتماد العقل والأخلاق منهجاً أساسياً في الحياة ... التي تعني احترام المرأة كإنسان وليس كنصف إنسان .. التي تعني احترام الإنسانية والإنسان ، خليقة الله ... التي تعني الحياة ... التي تعني أن القانون فوق الجميع ... التي تعني فصل الدين عن الدولة وتؤكد أن الدين لله والوطن للجميع ... التي تعني الحرية بموجب إرادة الله ... والتي تعني أن الوطنية هي المعيار دون مزاودة من أحد على أحد.....