العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

جاهدة وهبي( لتحولات): شغفي ليس بالمواقع الفنية بل بالمسرح

حاورتها أسماء وهبة
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

هي فنانة من طراز خاص جدا. مطربة، ملحنة، ممثلة، وربما كاتبة أغنية. مواهب عديدة تتمتع بها الفنانة جاهدة وهبي، صقلتها بالدراسة لتقدم عملها باحترافية. برعت في القصيدة الدينية والوطنية وغيرها من الاغنيات، هذا عدا عن أدائها الدرامي عند إلقاء الشعر. بعد مسيرة فنية طويلة أطلقت ألبومها الأول كتبتني أو وليدها الجديد كما تسميه الذي تتحدث عنه إلى تحولات :

كتبتني هو ألبومك الأول. فكيف جاء اختيارك لأغنياته؟

لقد اخترت بعض القصائد. وهناك بعض القصائد اختارتني. فليس هناك من آلية معينة عند الاختيار. فهناك قصائد تتملكني كالتي غنيتها للشاعر الألماني غونتر غراس، وأخرى مريضة بها منذ الصغر مثل قصيدة ليتك تحلو لأبي فراس الحمداني التي حلمت بغنائها، لذلك أدرجتها ضمن هذا الألبوم، وكذلك قصيدة إذا هجرت للحلاج. فأنا لا أشفى من القصيدة إلا عند غنائها

كنت جريئة في إطلاق هذا الألبوم. كيف أقدمت على هذه الخطوة؟

بعد مسيرة فنية طويلة كان لابد أن أطرح ألبوماَ خاصاَ بي، صحيح أن تحضيره اأستغرق أربع سنوات، لأنني واجهت صعوبات إنتاجية، ولكني كنت متحمسة للفكرة، خصوصا أن كل قصائد الألبوم من تلحيني.

ولكن كتبتني  لا يحتوي إلا على القصائد. فهل تتوجهين إلى المستمع النخبوي، لأن المستمع العادي لا يحبذ كثيرا هذا النوع من الغناء؟

صحيح أن الألبوم يحتوي على قصائد أدبية عميقة ومركبة وغير مألوفة للمستمع العادي ولكني حاولت من خلالها التسلل إلى أذن العامة. كما حرصت على الاقتراب من أذن الشباب التي اعتادت الإيقاع السريع بالرغم من صعوبة النصوص. لهذا تركت فسحات موسيقية للارتجال، حتى يفكر المستمع في كلمات الأغنية ويستوعبها تدريجيا. كما أردت من خلال هذا الألبوم أعلان موقفي من السائد على الساحة الفنية والفضائيات، خصوصا أنني رفضت التعاون مع شركة إنتاج لتمويل ألبومي، الشيء الذي كان سيسهل توزيعه في الأسواق وتسويقه في وسائل الإعلام. ولكني لا أريد تقديم التنازلات، وأعتقد أنني نجحت في المغامرة، والدليل ما حققه الألبوم من مبيعات.

ألا تصابين بالإحباط نتيجة تهميش الفنانين الملتزمين على الساحة الفنية؟

أحيانا أصاب بالإحباط، فأمتنع عن الظهورعلى الشاشات. وفي كل زمان كان هناك الفن الرديء والجيد. لكن ما يحدث الآن هو تسويق الرديء على حساب الجيد. لذلك أحاول قدر الإمكان مواجهة ذلك، ولكني لا أستطيع القيام بذلك بمفردي. فيجب أن تدعم الفن الحقيقي الوزارات المعنية في الدولة وشركات الإنتاج والأهم المتلقي المسؤول الأكبر عن تسويق الأغنيات الرديئة.

كان لك تعامل مع الشاعر الألماني غونتر غراس في قصيدة لا تلتفت إلى الوراء وهو نص فلسفي وجودي. ما الجديد في تقديم هذا النوع من الأغنيات مع شاعر أوروبي؟

لقد اشتغلت كثيرا على النصوص المعربة، ولا أخاف تقديم هذا النوع من الأغنيات التي تبحث في وجود الإنسان وعلاقته مع نفسه ومع الآخر ومع الله سبحانه وتعالى، لأننا بحاجة إليها في العصر المضطرب الذي نعيش فيه. فالإنسان العربي ضائع بين متاهات العولمة والاختلاط بين الحضارات الذي لم يستوعبه بعد. وما ساهم في نجاح هذه القصيدة لحنها الذي جمع بين النمط الغجري والأندلسي الشرقي الذي يمس شرائح كبيرة من الناس وليس العرب فقط. فكان همي هو دفع المستمع للتأمل في الشعر من خلال الموسيقى.

الجمع يبن الغناء والتلحين. ألا يشكل عبئا عليك أم هو عدم ثقة بلحن لا يكون من صنعك؟

المسألة ليس لها علاقة بالثقة، ولكن دعيني أعود إلى حضور المرأة في المشهد التلحيني الذي هو ضعيف وحتى في المشهد الفني عموما. فنجدها حاضرة في المضمار الأدائي المباشر أكثر من الخلقي الإبداعي في التلحين والكتابة التي هي مجالات ذكورية، رغم أن أصل الإبداع نجده في الأنثى لأن ما لا يؤنث لا يعول عليه. فالمرأة خلقت ليكتب فيها الشعر ولتتحول إلى لوحة، أما التعبير عندها مباشر أكثر من المكبوت أو المتخيل الذي هو مصدر الفن، كما أنها قمعت لفترة طويلة، فانكفأت على أساس أن ما ستقوله أقل جودة مما يقوله الرجل. لذلك كان إصراري على التلحين في محاولة لدفع المرأة نحو الإبداع.

لقد تعاملت مع عدد من الشاعرات العربيات مثل أحلام مستغانمي ولميعة عباس. هل كنت تسعين إلى إضفاء صبغة أنثوية على عملك الفني؟

أنا أنسجم روحيا مع كتابات أحلام مستغانمي، رغم أنها لا تكتب الشعر بل النثر. وقريبا سأطرح ألبوماَ  جاهدة وهبي تغني أحلام مستغانمي ، وسأقوم بتلحين موسيقى مسلسل ذاكرة الجسد  الذي كتبته أحلام، وغناء شارات البداية والنهاية في المسلسل. ففهمنا لعمل بعضنا البعض يدفعنا نحو التعاون بصرف النظر عن كونها امرأة. فنجلس معاَ لتركيب القصيدة نصا ولحنا لتخرج كما نريد.

غنيت للشاعرة العراقية أمل جبوري قصيدة يا دجلة الذكريات التي تدعو إلى الثورة على الظلم والطغيان. هل هذه خطوتك الأولى للدخول إلى عالم الأغنية السياسية؟

لا أحب التصنيفات الغنائية. فلقد سبق وغنيت للعراق، وانتقدت الطغيان أيضا في فلسطين ولبنان، لأن همي هو إنسانية الإنسان، والدعوة إلى نبذ الطائفية والمذهبية. أما عن قصيدة يا دجلة الذكريات حاولنا التذكير بعراق الحضارات، وأهديناها إلى شهداء جسر الأئمة، وإلى العراقي السني الذي كان يحاول إنقاذ الضحايا الشيعة، فأبرزت القصيدة رمزية الوحدة .

ولكن تحولت الأغنية السياسية الوطنية في عصرنا إلى فشة خلق دون أن يكون لها قوة تأثيرية واضحة!

الأغنية ليست فشة خلق ، بل هي تفاعل مع القضايا الإنسانية التي يعيشها الناس والتي يتعين على الفنان التعبير عنها رغم محاولات التعتيم عليها. إلا انه من المؤسف تحجر مشاعر البعض إزاء ما يحدث في عالمنا العربي خصوصا بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، لدرجة أن أغنية إنسانية لا تؤثر فيه، ولكن لا مفر من تقديمها فربما تخرق جدار الصمت!

قدمت عدداَ من القصائد الصوفية آخرها ل الحلاج. هل هناك من يسمع هذا النوع من الأغنيات؟ ولماذا يتعين على الفنان العودة إلى الكتابات الصوفية القديمة بدلا من كتابة نصوص جديدة؟

في المخزون الأدبي يوجد صوفيون كثر مثل رابعة العدوية وابن عروي والحلاج وغيرهم، ولكن لا نجد الآن من يكتب هذا النوع من الشعر لأن العالم الذي نعيش فيه بعيد عن النموذج التأملي، بسبب حياتنا التكنولوجية. ففقد الإنسان خصوصيته الروحية ولم يعد قادرا على الاختلاء بنفسه للتأمل والدخول الى عالم الصوفية ليكتب عنه. في المقابل عاش الشعراء الصوفيون الأوائل في بيئة صحراوية وحياة وجدانية عاطفية روحانية فكان من السهل أن يكتبوا الشعر الصوفي. وما نحن بحاجة إليه اليوم كحل وسط هو التنسك الذي يتيح لصاحبه كتابة الأدب الصوفي، الذي قد يفلتنا من التعصب والأصولية والإرهاب والتمذهب.

هل تسعين من خلال إنشادك للقصائد الصوفية إلى التبشير بشيء ما؟

ليس لي علاقة بالتبشير، بل أحرص على أن تكون المواضيع التي أقدمها إنسانية دون أن يكون فيها  رسائل دينية مثل الدعوة إلى التقاء البشر رغم أديانهم المختلفة!

أين حضور الموسيقى الشرقية اليوم؟

بالنسبة لي أطعم الفرقة ببعض الآلات الغربية مثل البيانو التي تستطيع تقديم أنماط شرقية. ولأننا في عصر تكنولوجي بامتياز، لذلك هناك ضرورة لأرشفة الموسيقى الشرقية عبر الإنترنت بدلا من حفظها على الورق، والعمل على استحضار الإيقاعات والمقامات الشرقية في عدد من الأغنيات.

هل تتعرض الموسيقى العربية للطمس؟

بالطبع، فمثلا  يقدم عدد من الأغنيات على مقام وإيقاع واحد في حين ان في مكتبتنا الموسيقية كماَ هائلاَ من المقامات والإيقاعات التي لا يستعمل منها إلا الإيقاع السريع أو المقامات القريبة من المزاج الغربي، أما المقامات الشرقية الأصيلة فقلائل من الفنانين الذين يستطيعون أداءها. فللأسف هناك خلل اليوم في معايير الأداء والصوت والموسيقى، ويؤثر البعض المزج بين الإيقاع الشرقي والشرق أوسطي أو الخليجي أو الهندي بدلا من البحث عن المقامات الشرقية. وأنا لا أرفض التفاعل بين مختلف أنواع الموسيقى ولكن ليس على حساب الموسيقى الشرقية .

درست الإنشاد البيزنطي والسرياني. فما الفائدة التي تحصلين عليها من الإلمام بهذه الأنماط الموسيقية؟

الإنشاد البيزنطي هو فرع من الإنشاد الترنيمي المسيحي، يقام على نسق معين من الأداء له علاقة بالنصوص الدينية. أما الإٍنشاد السرياني فهو ترنيم ديني باللغة السريانية، كما درست قليلا التجويد القرآني. وبالطبع استفدت من دراسة هذه الأنواع الموسيقية، لأن الموسيقى عند كل الشعوب غالبا ما اقتبست من الموروث الديني، مما عزز قدراتي الأدائية والتلحينية.

ماذا عن دراستك للأوبرا العربية؟

لقد درست الأوبرا في معهد الموسيقى، مع أنه لا يوجد في الموسيقى العربية النهج الأوبرالي إلا أن هذا النهج الموسيقي الحديث يطوع اللغة العربية وحروفها من خلال الأداء، ويتعلم الفنان كيفية استخراج الصوت عبر الجسد وليس المنطقة البلعومية فقط.

تقدمين أمسياتك الشعرية بأداء درامي. كيف ذلك؟

الأداء الدرامي في الأمسيات الشعرية ينتج عن معايشة القصيدة. فأبدأ في ارتجالها الذي يتحول إلى أداء درامي يخدم الجو العام للأسمية الشعرية. وأعترف أنني أتمتع بخصوصية عند أداء القصيدة قبل غنائها. واليوم أستعيض عن الأمسيات الشعرية بحفلات غنائية أؤدي فيها القصيدة شعرا قبل غنائها فيتاح للمتلقي التعمق في كلماتها .

جاهدة أنت مطربة وملحنة وممثلة. ألا تشعرين أنك إزاء كل هذه المواهب كان يجب أن تكوني في مكانة فنية متقدمة عن التي تحتلينها اليوم؟

بين الغناء والتلحين والتمثيل وإلقاء الشعر لا أشعر بأنني يجب أن أكون في مكان آخر، لأن شغفي ليس بالمواقع الفنية بل بالمسرح.