العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

أدونيس الخطيب لتحولات: الشعر حالة أعيشها اكثر من مجرد كتابة كلمات...

حاورته جوانا الحلبي
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

هو السهل الممتنع، شاعر وصحفي ومدرّب لفرقة راقصة،أدونيس الخطيب المؤمن بأن المرأة هي بذرة الشعر التي لا تكف عن العطاء، وهي الارض الاولى والام الاولى والمعلمة الأولى التي دفعته الى الكتابة، ادونيس يعتبر ان ما يجعل الانسان مميزاً هو مجموعة التناقضات الموجودة في شخصيته. التقته تحولات وكان لنا معه هذا الحديث.

بداية، أخبرنا قليلاً عن قصتك مع الشعر.

 السبب في كتابتي للشعر هو سحره وتأثير على اذن الأنثى، فعندما كنت طالبا في المدرسة، كنا نتبارى واصدقائي في كتابة قصائد الغزل، علنا نحظى بمكانة في قلوب الجميلات، اللواتي يبحثن عمن يحولهن الى قصائد تتردد على المسامع، مما يزيد من مكانتهن امام الجميع وخصوصن اصدقائهن البنات. وبعد ذلك تورطت في الشعر الذي اصبح نبضا احتاجه للتنفس.

بدأت انا كتابة الشعر العمودي المقفى، وكانت هذه المراحل الاولى للكتابة، حيث كنت مسحورا بالايقاع الموسيقي للأبيات، وبعدها بدأت اركّز أكثر على الصورة الشعرية ذات الايقاع الداخلي، من خلال قراءتي الشعر الحديث، الذي اثرفيّ جدا وحررني من مفهوم العلب الشعرية. ودفعني للغوص به اكتر، فهو شعر متفلّت من القافية والوزن، يركّز على ايجاد الصورة الجديدة والغوص في عمق الأحاسيس دون التقيد بأسلوب معين. واولى الصور الشعرية الحرة التي كان لها تأثير خاص علي، خاطرة للشاعر العراقي حاكم مردان :

أذكرها أمي.. حين لم يعد لديها نقود

تناولت الجنة من تحت قدميها ودسّتها في جيبي...

هذا النوع من الصور جعلني اصاب بحالة شعرية غير مزينة بوزن وقافية بل برعشة فكرية. ولكن هذا لا يعني ان الشعر الحر فقط يختزل كل أحاسيسي فأنا أكتب كل الانواع المعروفة من موزون ومقفى وتفعيلة من فصيح وعاميّ، لان الفكرة الشعرية عندي تختار جسدها الشعري المكتوب، ولا يمكن ان اظلمها بتعليبها بنوع معين.

كتبت: لأنني أفكر فيك نسيت ان أموت.. فغضب الله مني

 وحين حدثته عنك، منحني الحياة الى الأبد..

لو كتبت هذه الفكرة باللهجة العامية او اقمت لها وزنا وقافية، لقتلت قبل ان تبلغ رعشتها..

ماهي أعمالك الشعرية حتى اليوم وكيف قيّمتها؟

 

اصدرت ثلاثة دواوين:

-  فضائح الحبر عام 1999 (شعر حديث).

-  الورق ليس اعمى عام 2001 (شعر حديث).

-  عم برتكب كلمة عام 2003 ( شعر باللهجة اللبنانية).

كما قدمت على مسرح الجامعة اليسوعية _ المتحف، مشهديات شعرية راقصة بعنوان حلم بلا ثياب عام 2005. ونفذته فرقتي ( فرقة نينوى)

ونتيجة هذه التجارب، وجدت ان الشعر هو اكتر من كلام جميل كُتب او قيل، بل هو مسبب حقيقي لحالة غوص عميق مدهش في داخلنا، وليس لغة معلبة، اخترعها عصر ما..

أيهما أسهل كتابة الشعر الكلاسيكي، أم الشعر الحديث؟

الكتابة فعل لعين، لانها تأسرنا في داخلها. وهي سهلة جدا بأي نوع كانت، عندما تكون الفكرة مكتملة في مخيلة شاعر، وتكون مضنية اذا كانت جنينا، فننتظر معها لنعيش مخاض الولادة.

ماذا تكتب إلى جانب الشعر؟

الشعر حالة أعيشها أكثر من مجرد كتابة كلمات.. والافكار التي تعتريني قد امارسها كتابة قصص قصيرة، او احولها الى مشاهد مسرحية، كما انني احب الكتابة السينمائية.

نرى الشعراء في الفترة الأخيرة يتجهون الى الاتجار بالشعر، عن طريق الأغنيات الحديثة. هل تفكر يوماً في استغلال الشعر بهذه الطريقة بهدف توصيل اسمك؟

كتبت حوالي الـ 60 أغنية، لحّنت 18منها. وانا اليوم بصدد التعامل مع فنانين، لتسويق هذه الأغاني، وانأ أرى أن الإنتاج الأدبي أو الفني لا يقدر بثمن مادي، ولكن دعمه يؤمن له الاستمرار، فحين نشاهد مسرحية للرحابنة مثلا ندفع ثمن المشاهدة، وهذا حق لكل مبدع موسيقي كان ام شاعر ام كاتب قصص ام مسرحي .. الخ، ان يستفيد مما ينتج.

أما فيما يختص بتوصيل الاسم، أنا اعتقد ان كل اسم يحصل على نتيجة ما يفعل. وإذا جاء من فراغ سيسقط حتما.

ألا تقلل هذه الظاهرة برأيك من قيمة الشعر؟

الشعر لا تقل قيمته ببيعه، ولا تكثر اذا دُفع الكثير به، فلا احد يذكر كما تقاضى المتنبي على قصيدة ما من سيف الدولة، ولان القصيدة ذات قيمة حافظت على قيمتها حتى اليوم.

أنت صحفي وشاعر، كيف تجمع هذا التناقض بين الواقع والخيال في شخصية واحدة؟

 التناقضات برأيي هي التي تكوّن انسانية الإنسان، وتجعل منه باحثا ومبدعا وطموحا الى ابعد حدود. فاليقين الدائم يقتل حس الاكتشاف والتجربة. وجمال الشعر وادهاشاته تكمن في تناقضاته الرهيبة. فإذا اعتبرنا مثلا ان الليل هو رمز الرعب والظلم والحقد فقط لانتهى الليل في نظرنا ولم يعد يستفزنا للبحث، ولكن إذا اعتبرناه رمز الرومنسية والخوف والحلم والغموض والعشق، والمجهول، والهدوء، والتأمل،والرعب، والخشوع، وكل التناقضات اوالاضداد المختلفة، لترك فينا نبضا يستفزنا على اكتشاف هويته دائما.

إلى أي حد تلعب المرأة دوراً في كتاباتك؟

المرأة هي بذرة الشعر بنظري، فصفاتها خصبة مثلها وشاملة، فالأرض أنثى والكلمة أنثى، الذاكرة أنثى، الحياة أنثى، ولا يمكن ان يحيا الشعر دون ارض وكلمة وذاكرة وحياة..

اكتب دائما عن المرأة لاحيا بخصبها، وأحيانا لأقتل وجودها في داخلي، فهي متعبة لانها نبض دائم...

ما الذي تغيّر بين اول كتاب لك والكتب الأخرى؟

تغير الكثير، فبعد الكتاب الأول فضائح الحبر الذي طبعته بعد صفّه على الكومبيوتر قررت كتابة كتبي الشعرية الاخرى بخط يدي لانني وجدت ان الحروف المطبوعة المتشابهة في القياس والشكل لا تمثلني على الورق.

فالكتابة اليدوية جعلتني اسبح في فضائي واكتب كما يحلو لي بدون ان اقدم شكلا متناسقا للقارئ، بل كنت صادقا معه حين كتبت له بخط يدي ورسمت له بكلماتي بلا كرافات.

 إلى أي مدى تظن ان القارىء يفهم طريقة كتابتك كما تريده ان يفهمها؟

أنا اكتب لنفسي اولا ثم لقارىء مجنون، قد يخيط افكارا وتفسيرات غير التي أريدها، ولا بأس ان لا يفهم ما أريد، بل أن يفهم ما يحلو له، لأنه بإحساسه الحر قد يفهم اكثر مما افسر او اعرف لماذا اخترت هكذا طريقة كتابتي.

هل تعتبر أن بإمكان هذه الطريقة ان تخلق لغة تواصل خاصة بينك وبين قرّائك؟

 إنها تواصل مع نفسي أولا، وحين أكون صادقا مع نفسي تصل احاسيسي عارية من التدجين الى من يملك النبض نفسه..

يتهمكم الشعراء التقليديون بأنكم تصطنعون الشعر، ما ردك على هذا الكلام؟

لا ألومهم، فهم يريدون الدفاع عن وجودهم وهذا حقهم. ولكن انا اتمنى ان لا يضع شاعر نفسه في زنزانة النوع الشعري على حساب الفكرة الشعرية.

أخبرنا قليلاً عن الفرقة الفنية التي أنشأتها (نينوى)، من اين اتت فكرة الاسم، ما هي نشاطاتكم؟

بحثت عن اسم يمثل رمز الحضارة الفنية والإبداعية في بلادنا. فاخترت اسم نينوى وهي عاصمة العالم القديم، التي وُجدت فيها أقدم مقطوعة موسيقية وأقدم مكتبة في التاريخ.

وقد شاركت نينوى بمهرجانات عديدة في المناطق اللبنانية ومثلت لبنان في مهرجان عجائب صيف قطر عام 2002، الذي شارك فيه 22 دولة عربية واجنبية، وقد اشاد الجميع بعروضاتنا وطلب بعض منظمو المهرجان، ان نقدم عملا مشتركا ضمن المهرجان مع الفرقة الفلسطينية التى تميزت جدا، فنفذنا اضخم عرض واكثره تنويعا في المهرجان.

وبعدها، ابتعدنا قليلا عن الفلوكلور لعدم القدرة على الاستمرار دون دعم مادي، ونفذنا حلم بلا ثياب وهو رقص تعبيري مصاحب لقصائدي ولموسيقى غريبة، وهذا العمل من تأليفي وتدريبي وإخراجي. أما اليوم فلا اعمال راقصة بسبب الاوضاع الامنية المتردية في البلد.

هل تحضر لأي عمل جديد؟

اعمال راقصة لا.. بل أقوم حالياً بالتحضير لبرامج تلفزيونية من تأليفي واعدادي مع شركة ميرور بروداكشن للإنتاج التلفزيوني. كما سأصدر كتابي الشعري الرابع ناطور الخطايا، إلى جانب تسويق بعض الاغنيات التي كتبتها ولحنت بعضها.

 

حاورته جوانا الحلبي