العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

"لا علم ولا خبر"

تغريد سويد
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

قبل ان يبلغ الثامنة عشرة من عمره ، ذهب شفيق لتأسيس جمعية، وحتى الان لم يأتنا منه لا علم ولا خبر. لمن يعلم عنه اي شيء ، الرجاء الاتصال على الرقم 01909629 . رقم الهاتف هو رقم قانونيْ الجمعيات في لبنان، ( 1909) في وزارة الداخلية و (629 ) في وزارة الشباب والرياضة الذي يشترط في المؤسسين أن يكونوا لبنانيين قد أتموا الثامنة عشرة من عمرهم وأن يكونوا متمتّعين بحقوقهم المدنية وغير محكومين بجناية أو جنحة شائنة كما جاء في المادة 16 من القرار 629 الخاص بتنظيم وتأسيس الجمعيات، وهو نفسه عنوان مسرحية" 1909-629" من اخراج عصام بو خالد وسرمد لويس وتمثيل ( منذر بعلبكي، رهام سابق، سحر عساف ، احمد حافظ، عبد الرحيم العوجي، وسيم بزيع ، وشفيق قليلات) التي عرضت في اطار مشروع شراكة بين جمعية مسار مع سوق التنمية- لبنان 2006، موضوعه ( الشباب في الحكم : صناعة المستقبل).

شفيق من" ذوي الاحتياجات الاضافية" كما جاء في المسرحية ، فقدَ سمعه خلال احدى الغارات الاسرائيلية ويريد تأسيس جمعية تُعنى بأمور الصم، ديانا متطوعة في الدفاع المدني وتريد تأسيس جمعية تعمل على التنمية البشرية، ربيع سبعة عشر عاماً ونصف ، بدأ التدخين بعمرالسبع سنوات وقُبض عليه في سن ال15 لتعاطيه المخدرات وتبين لاحقاً ان أباه دفعه الى ذلك ، ويريد تأسيس جمعية فنية وتساعد على منع تفشي الممنوعات، منى ( 17 عاماً) تزوجت في سن ال12 وفي عمر الرابعة عشرة كانت قد رزقت بطفلين ، ضربها زوجها وطلقها ، رفض أهلها استقبالها، وتقوم منى بأي عمل يتوفر لها لإعالة طفليها وتريد تأسيس جمعية ضد العنف الاسري.

يختفي الصوت الذي تلا سيَر هؤلاء الشباب حين تسقط أحلامهم في اول مشهد من المسرحية عندما يرمي موظف الدولة( أحمد حافظ) الملف في وجه شفيق ، الذي يسعى للحصول على ترخيص لجمعيته  والجمعيات التي يود اصدقاؤه تأسيسها ، ويقول له "بعدكن زغار"، ويتلو على مسامعه نص القانونين 629 و 1909 وأنه لا يحق لأي شخص دون الثامنة عشرة من عمره تأسيس جمعية، لكنه يقترح عليه في النهاية ان يرسل له فاضل ( منذر البعلبكي) وهو ناشط و"يهوى"  العمل الاجتماعي، وتباعاً تظهر على المسرح شخصيات العرض: عبد الرحيم العوجي( اليد اليمنى لفاضل ، يستطيع تأمين كل ما يلزم لتأسيس جمعية حتى المتطوعين) ، رهام سابق (سيدة مجتمع و"جوزا واصل" ، ناشطة اجتماعية كجزء من مظهرها الاجتماعي) ، سحر عساف ( الانسة عزباء ناشطة ضد التمييز الجندري) ووسيم بزيع (تاجر وصاحب مكتب لاستقدام العمال الأجانب إلى لبنان وناشط في الجمعيات منذ" اكثر من عشرين عاماً").

يجتمع الخمسة لمناقشة أمر شفيق ويسرهم أنه لا يسمع ، ولكنه كان يعتمد على قراءة الشفاه للتواصل معهم، يبدأ الاجتماع بالخلاف على اسم الجمعية وعلى ادراج تعبير  ( الشباب والشابات) التي تصّر عليه الانسة عزباء، ثم تتاولى الخلافات على من سيتولى رئاسة الجمعية . " مرت جوزا" تعتبر انها الاحق بترؤس الجمعية لأن " زوجها واصل" وتستطيع تسخير علاقاته لخدمة الجمعية ، كذلك الانسة عزباء ترى في مؤهلاتها كمحامية وكمناهضة للتمييز الجندري اهمية تخولها ان تكون رئيسة الجمعية، اما العشرون عاماً التي يتباهى بها وسيم فيرى فيها مؤهلاً يضعه على سدة رئاسة الجمعية.

مسرحية (629-1909) لا تنتقد قانون الجمعيات فحسب ، بل تركيبة الجمعيات التي باتت اكسسواراً لسيدات المجتمع وزوجات اصحاب المناصب وهمّها فقط الحديث عن "الجندر"، ايضا الفساد لم يكن بعيداً عن متناول الانتقاد، فالاستغلال المالي للتمويل الذي يأتي باسم الجمعية ويذهب الى جيوب مترئيسها كان محط انتقاد المسرحيين الخمسة الذين أعد كل منهم نصه استنادا الى تجاربه الشخصية وبعد مراجعة القانونيْن 1909 و 629 واستطاعوا أن يحولوا المادة الجافة الى عرض مسرحي ساخر وُضع بالاساس لتوعية الشباب اللبناني على قدراته التي تخوله تأسيس جمعية بغض النظر عن عمره ولإنتقاد القوانين والجمعيات التي تستغل الفئة الشابة لتوفير تمويل على حسابهم ومن ثم تنفي حقهم بالمشاركة كأعضاء في الجمعية بحجة انهم " تحت السن".

ينتهي العرض المسرحي بمفاجاة كبيرة تصدم المجتمعين ، شفيق يسأل عن التاريخ؟ يجيبونه مستغربين سؤاله فيصرخ في وجههم " ايه اليوم عيد ميلادي وصار عمري 18 سنة" ، يطبع كلام شفيق صدمة كبيرة على وجوههم ، يفكرون بشيء يقولونه فلا يجدون سوى ان يغنوا له " Happy Birthday"  ويقرروا ان يقدموا له هدية بالمناسبة لإستمالته الى جانبهم. يفتح شفيق الهدية فإذا بها ( شخص تركي يتلو عليه قانوناً صدر في عهد الحكم العثماني يتيح له ان يكون متطوعاً في احدى الجمعيات ) ويبارك له الجميع كونه أصبح متطوعاً في جمعيتهم.

كشف الممثلون  الخمسة على مسرح دوار الشمس ،عن واقع الجمعيات ودور الشباب المهمش فيها، في حين ان الظاهر للعلن معاكس تماماً. ايمان الشباب بضرورة التغيير وبقدرتهم على تأسيس جمعيات خاصة بهم دون رعاية من هم "فوق السن" انعكس على اداء الممثلين فلم يُعرف المحترفون من الهاوين لولا ان كشف المخرج عصام بو خالد بأن من بينهم شباب لأول مرة تطأ اقدامهم ارض المسرح، وفي نهاية العرض كانت مفاجأة من شفيق مجدداً ولكن هذه المرة للجمهور، فهو " أصم " بالفعل.