العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

للضاحية الجنوبية... قصة

زاهر العريضي
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

في حفل إفطار أقامه مشروع وعد (لإعادة اعمار الضاحية الجنوبية) في فندف الكورال بيتش تكريماً للإعلاميين ألقى مدير عام مشروع وعد المهندس محمد الجشي كلمة ركز فيها على البعد الانساني والوطني لمشروع وعد بمساعدة الناس والتعويض عليهم بعد ان فقدوا منازلهم ومؤسساتهم، وإيجاد الحلول المناسبة والسريعة لمعالجة مشاكلهم بعد عدوان تموز 2006.

وبعد الكلمة تم عرض فيلم عن تاريخ الضاحية الجنوبية حيث للضاحية قصة، هنا نصها:

لم تكن يوماً هذه المنطقة الساحلية القريبة من بيروت مجرد ضاحية جنوبية للعاصمة، ومجرد أحياء سكنية وأبنية وبشر يملئون أزقتها حياة وضجيجاَ.

فضاحية بيروت الجنوبية تشبه مثيلاتها من ضواحي المدن في العالم الثالث فقيرة بائسة وتابعة تحكمها عقدة النقص والغضب من جارتها القوية فهنا في لبنان وفقط في لبنان فاقت الضاحية العاصمة سيطاً وشهرة.

لضاحية بيروت الجنوبية قصة.

قصة موغلة في القدم لا راوي لها ولا مكان لها في كتب التاريخ الرسمية.

قصة منطقة أصرت منذ أن وجدت على ظهر البسيطة أن تكون بهذا القدر من العناد ولعل هذا سبب تدميرها بهذا القدر من البشاعة.

ففي حرب تموز العام 2006 كانت الضاحية هي الحدث وكانت هي الخبر وكان السؤال ومازال ما هي قصة هذه البقعة المسكونة ثورة ومقاومة؟

أقدم أثر مذكور عن الضاحية في كتب التاريخ القديمة جاء في مخطوطة نادرة للمؤرخ صالح بن يحيى في العام 1450 ميلادية أي قبل أكثر من 550 عاماً.

فهناك ورد ذكر لقرية البرج والمعروفة اليوم باسم برج البراجنة اسم البلدة مكون من مقطعين برج وبراجنة.

أما كلمة برج فتعود إلى برج كان قائماً فيها في زمن المماليك بهدف مراقبة الشاطىء لمنع تسلل الإفرنج منه إلى اليابسة.

أما البراجنة فهم قوم عرب مجهول نسبهم إلا أن الثابت أن الاستقرار السكني في قرية البرج ولاحقاً في المناطق المجاورة لها بدأ منذ اوائل العام 1700 ميلادي.

منذ ذلك الوقت بدأت تفد إليها جماعات مسيحية لتعمل في زراعة الأرض حسب قوانين الاقطاع في ذلك الوقت.

أول حركة مقاومة وثورة عرفتها الضاحية الجنوبية كانت قبل أكثر من 225 عاماً، وتحديداً عندما رفض سكان برج البراجنة دفع اقطاع الأرض للأمراء الشهابيين.

وبحسب المؤرخين وأهل المنطقة الذين يروون هذه الحادثة أباً عن جد فإن البراجنة هم الذين تمردوا على الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير الذي بعث بأحد عبيده ليحصل اقطاع الأرض التي يعمل بها هؤلاء المزارعون..

لكن هؤلاء رفضوا الإذعان للأمير المعني بل قاموا بقتل العبد الذي بعثه الأمير ورموه في بئر ما زال حتى اليوم يعرف ببئر العبد...

وعلى اثر تلك الحادثة تظاهر الأمير فخر الدين ببناء مطحنة ولكن على شكل قلعة وعندما فرغ من إنشائها تحصن فيها جنود الأمير وعلى حين غفلة نفذوا منها عبر سرداب سري إلى قلعة قديمة كان يتحصن فيها البراجنة وتم القضاء على تمردهم.

ولا تزال آثار تلك المطحنة المبنية على شكل قلعة قائمة حتى اليوم في محلة الليلكي شاهدة على أول محاولة ثورية قام بها أهل الضاحية ضد الاقطاع المعني في ذلك الزمان.

بعد قرنين من الزمن كانت الضاحية على موعد مع جولة جديدة في المقاومة والتحرر وهذه المرة بقيادة ابن الضاحية الجنوبية ورائد الحركة الاستقلالية العربية المحامي والشهيد عبد الكريم قاسم خليل الذي ترأس على الرغم من صغر سنه مؤتمر باريس الشهير عام 1913 مؤسساً لحالة عربية استقلالية أزعجت تركيا العثمانية وكان يحث الزعماء اللبنانيين كرضى الصلح وغيرهم على الانخراط في العمل ضد الدولة العثمانية والعمل على تحقيق الاستقلال العربي المنشود شرط ألا يعني ذلك أي تحالف أو تنسيق مع الاحتلال الفرنسي لكنه سرعان ما أعدم في 20 تموز 1916 مع بعض رفاقه.

في تلك الحقبة التاريخية أيد أهل الضاحية مشروع الدولة السورية العربية الموحدة بزعامة الأمير فيصل بن الشريف حسين وفي خلال الزيارة الشهيرة للأمير فيصل إلى بيروت بمعية الوجيه البيروتي عمر بك الداعوق خرج اهالي الضاحية يوم وصول الأمير العائد من مؤتمر الصلح في باريس وهم بحملون الأعلام العربية وينشدون بحماس: بلاد العرب أوطاني.. من الشام لبغدان... ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان.

بعد انتصار الفرنسيين في معركة ميسلون واستشهاد وزير الحربية يوسف بك العظمة وعدد من المجاهدين العرب.

سقط الحكم العربي الفيصلي ومعه سقطت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.

هنا يروي سكان الضاحية حادثة من الصعب ان تمحى من الذاكرة. حين قبل الجنرال الفرنسي غورو دعوة إلى حفلة تكريم تقام له في ساحة المنشية في برج البرلجنة في ذلك اليوم صعد شابان مسلحان إلى مئذنة جامع المنشية وبدأ باطلاق النار على موكب الجنرال الفرنسي الذي غادر المكان على الفور.

وهكذا لم تطأ قدما غورو ارض الضاحية الجنوبية أبداً...

في خمسينيات القرن الماضي كانت الضاحية أرضاً خصبة لكل الأفكار القومية واليسارية والاشتراكية.

كانت طروحات التحرر والتقدمية والمساواة تحدث دوياً بين فقراء هذه الأرض مشعلة فيهم الرغبة في التغير والحماس القومي الذي ألهبه بشكل خاص خطابات الرئيس جمال عبد الناصر.

وفي ثورة العام 1958 كان لبنان مسرحاً تبارز عليه الرئيس كميل شمعون والزعيم جمال عبد الناصر وكان خيار الضاحية ناصرياً بامتياز.

وظل الوضع على ما هو عليه حتى العام 1968 تاريخ توافد الفدائيين الفلسطينيين إلى لبنان حينها انخرط العديد من أبناء الضاحية في صفوف المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة فتح معلنين تأييدهم للعمل الفدائي.

إلا أن نقطة التحول البارزة في تاريخ الضاحية الجنوبية كانت مع ولادة مشروع الحركة الاسلامية الشيعية في لبنان على يد الأب والمؤسس الامام موسى الصدر.

كان الإطار التنظيمي الأول الذي عمل الصدر على تأسيسه هي حركة المحرومين أفواج المقاومة اللبنانية أمل.

لكن سرعان ما باغتت الحرب الأهلية اللبنانية الامام الصدر وباتت الضاحية مقبلة على تحولات مفصلية متسارعة.

في العام 1978 يغيب السيد موسى الصدر وبعد ذلك بأشهر تنتصر ثورة الإمام الخميني في إيران في وقت كانت حركة المرجع العراقي السيد محمد باقر الصدر المناوئة للنظام البعثي تحدث دوياً في أزقة النجف الأشرف ولم تكن أزقة الضاحية بعيدة عما يجري في حواضر التشيع الامامي.

إلا أن المحطة الفاصلة في تاريخ الضاحية كانت في ذلك الصيف الساخن في العام 1982 عندما تصدرت محاور الليلكي وكلية العلوم وحي السلم لتقدم الجيش الإسرائيلي هنا كانت مرحلة تاريخية جديدة تولد... مولود جديد يرى النور. عرف لاحقاً بحزب الله... المقاومة الاسلامية في لبنان.

منذ ذلك الحين بدأت فصول علاقة جمعت الضاحية وحزب الله. ولتصبح الضاحية مركزاً للحزب الجديد وليصبح للمقاومة عاصمة جديدة هي الضاحية وقلبها حارة حريك.

خلال الثلاثين السنة الماضية سطر أهل الضاحية أروع ملاحم المقاومة والثورة، فهنا على أرض الضاحية أسقط اتفاق 17 أيار...

وهنا على أرض الضاحية تفجر مقر المارينز بجنود الاحتلال والوصاية الأجنبية.

وهنا على أرض الضاحية خرجت تظاهرة الـ 13 أيلول 1993 لتعلن رفضها لاتفاقات التسليم وتمسكها بخيار المقاومة وليسقط من بين المتظاهرين شهداء دفعوا بالدم ثمن خياراتهم السياسية. وهكذا شيئاً فشيئاً كانت الضاحية تخط قدرها بدم ابنائها عاصمة للرفض والمقاومة.

السيد حسن نصر الله القائد الشاب الذي تسلم قيادة حزب الله مبكراً وارتبط اسمه بقيادته بواحدة من اشهر حروب العصابات ضد الجيش الإسرائيلي وعملائه في جنوب لبنان.

نجح نصر الله بقيادة حزب الله في أحلك الظروف والمحطات. واستطاع إلحاق الهزيمة تلو الأخرى بإسرائيل 93-96-98.

إلا أن ذروة انجازات المقاومة تبقى في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار العام 2000.

ومنذ مطلع التسعينات وحتى تموز 2006 تاريخ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان اكتسبت الضاحية الجنوبية لبيروت وتحديداً مع السيد حسن نصرالله صبغتها النهائية كمقر للقيادة السياسية للمقاومة.

فهنا في الضاحية لم يعد حزب الله مجرد مقاومة أنه نمط حياة.

نجح حزب الله في توجيه ضربة مؤلمة للإسرائيليين.

الوعد الصادق الاسم الذي أطلقته المقاومة على عملية طالما وعد السيد نصر الله بتنفيذها ونجح فيها بصرع ثمانية جنود إسرائيليين وأسر جنديين آخرين.

أعلنت إسرائيل الحرب الشاملة على لبنان معلنة هدفها وهو سحق وطحن حزب الله وكان لا بد للضاحية عاصمة المقاومة ان تدفع الثمن.

بدا القصف الإسرائيلي على الضاحية مستهدفاً في المرحلة الأولى الجسور والطرقات الرئيسية.

لم يكن هناك أي فرصة للناس للسفر عبر مطار بيروت بعد أن دمرت مدارجه في الأيام الأولى من الحرب فبدأ النازحون بالتوجه شمالاً لقد التقطت عدسات الكاميرا آلاف الصور للمهجرين من الضاحية ومن الجنوب والبقاع صوراً تختصر معاناة أناس تركوا بيوتهم ورحلوا بعيداً تاركين وراءهم ذاكرتهم، مطمئنين لعودتهم، متشبثين بقناعاتهم بإرادة لا تكسر...

هكذا أفرغت الضاحية من معظم قاطنيها وشيئاً فشيئاً تحولت حارات المدينة إلى أحياء خالية وموحشة.

ومعها غدت الضاحية الجنوبية لبيروت مدينة اشباح.

...عاشت الضاحية محنتها الأقسى.

وتعاقبت عليها الطائرات الإسرائيلية والبوارج الحربية قصفاً اتصل فيه الليل بالنهار...

كان المشهد سوريالياً لا يوصف.

للوهلة قد لا تصدق ما ترى.

كان الدمار قاسياً إلى الحد الذي تشعر فيه أن زلزالاً ما ضرب المكان.

دمار لا يشبه دمار بيروت عشية اجتياح العام 1982.

وإن كان لا بد من مقارنته بشيء فإنه يشبه إلى حد كبير ما عرفته العواصم الأوروبية في الحرب العالمية الثانية.

بعد 33 يوماً من الحرب استمر هطول صواريخ المقاومة على شمال إسرائيل فيما أبدى الجيش الإسرائيلي عجزاً واضحاً عن الاستقرار في أي أرض يحتلها تحت وقع ضربات المقاومة.

عندها صدر عن مجلس الأمن القرار 1701 ومعه دعوة لوقف اطلاق النار. 14 من آب أغسطس الساعة السادسة صباحاً دخل وقف اطلاق النار حيز التنفيذ ومعه كان المشهد على الشكل التالي: الأعمال الحربية توقفت، الإسرائيليون ينسحبون والنازحون يعودون.

إلا أن فرحة العودة نغصتها قساوة الدمار الذي لف المكان.

وصل عدد المتضررين في الضاحية إلى نحو 35 ألف مالك شقة دمرت كلياً - أو جزئياً.

كلمة الأمين العام: ستعود أجمل مما كانت.

من هنا انطلقت فكرة وعد.

وعد بالحياة بإعادة إحياء قلب الضاحية عبر إعادة إعماره وفق تنظيم مدني موضعي وشامل.