العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

تحرير المرأة بين مطرقة الدين وسندان المجتمع

سلام الزبيدي
الجمعة 7 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

استوقفتني إحدى النساء وقالت: إن علاقتي مع زوجي مرتكزة على قاعدة الزواج التقليدي في المجتمع من دون حب وهذا ما جعل علاقتي معه غير متوازنة إذا لا يمكن أن أكون سعيدة، إن الجو الذي أعيش فيه يسيطر علي بشكل كامل بسبب خوفي من المستقبل وحياتي الزوجية بحكم قوانين الزواج والطلاق المعمول بها. فالحياة اليومية أمر مسلم به فأنا أعيش فيها وأشعر بالمهانة بسبب عدم إحساسي بالأمان والبعد الجغرافي عن زوجي. وخاصة أن إجراءات الطلاق مرتكزة بيد الرجل ولا تكلفه مشقة كبيرة وهذا يجعلني في مصدر قلق دائم وتحت تأثير إجهاد نفسي متواصل... فما الحل يا سيدي....؟

سيدتي.. أراك أمامي وقد انحسر الفستان عن ساقيك وباطن ركبتيك، ساقان مدموجتان يكسوهما بياض ناصع تكاد العين تحس بياضهما، محاولة أن تترجمين نفسك بدخولك الطبيعي إلى قلبي لتكسري تلك القاعدة التي تقول من القلب للقلب رسول... وأنا أترجم لك بأنك قضيتي العادلة (حرية المرأة) التي أناضل من أجلها واعلمي لو أن الله وقف ضدك سأقف ضد الله.

إن مشكلة الحديث في قضايا المرأة، حريتها أو تعليمها أو مساواتها بالرجل، فضلاً عن زيّها ومكانتها الإنسانية في المجتمع من منظور النصوص الدينية والفكر الديني، أنه حديث يظل مرتهناً بآفاق تلك النصوص من جهة، وينحصر في آليات السجال مع أطروحات الخطاب الديني العميقة الجذور في تربة الثقافة من جهة أخرى. وكلا الأمرين يؤدي إلى حصر المناقشة في إطار ضيق، هو إطار الحلال والحرام. وهو إطار لا يسمح بالتداول الحر للأفكار. فضلاً عن أنه إطار يحصرنا في دائرة تكرار الأسئلة القديمة المعروفة، الأمر الذي يفضي بنا إلى الاكتفاء بالوقوف عند حدود بعض الإجابات الجاهزة، المعروفة سلفاً في هذا التيار أو ذاك.

إن هذه الأفكار السائدة هي عبارة عن تراكمات وترسبات تاريخية طويلة تمتد من العصور الأخيرة الجاهلية وما قبلها في بعض الأحيان وحتى الوقت الحاضر، مروراً عما مر به المجتمع الإسلامي من فوضى سياسية وإجتماعية وافتقار إلى الأمن والطمأنينة وكثرة القتل والسبي في المنازعات الداخلية وتوالي الفئات الحاكمة الأجنبية، ورغم إدعاءات عديد من الكتاب والمؤرخين التقليديين بأن المرأة قد تمتعت بقسط وافر من الحرية السياسية والإجتماعية أيام عصور الإزدهار الإسلامي نجد أن النساء اللاتي تتمتعن بحظ من الحرية والنفوذ هن من الطبقة الحاكمة زوجات أو بنات أو أخوات الخلفاء أو الجواري الموهوبات في الأدب والموسيقى وعددهن بطبيعة الحال قليل ومن ناحية أخرى فإن المرأة العربية المسلمة إنحطت منزلتها إلى درجة أصبح فيها موتها يعتبر نقمة جديرة بالتهنئة. والرسالة التالية التي أرسلها أبو بكر الخوارزمي إلى صديق له معزياً إياه على فقد ابنته حيث يؤكد على إنحطاط مكانة المرأة يعود على أقل تقدير إلى ألف عام، وتعطينا صورة على أن الوأد المادي الذي إنتهى بظهور الإسلام حل محله وأد إجتماعي لا يقل عنه شجاعة ومأساوية يقول أبو بكر الخوارزمي: ولولا ذكرت من سترها وقفت عليه من غرائب أمرها لكنت إلى التهنئة من التعزية فإن ستر العورات من الحسنات ودفن البنات من المكرمات ونحن في زمن إذا قدم أحدنا فيه الحرمة فقد إستكمل النقمة وإذا زف كريمته إلى القبر فقد بلغ أمنيته من الصهر.

إن منزلة المرأة في المجتمع العربي وفي المجتمعات المتشابهة لا تعدو عن كونها أنثى لقضاء المتعة الجنسية، وامرأة لإنجاب الأطفال، ومدبرة لشؤون البيت بما فيه من طبخ وتنظيف واعتناء بالأطفال. وهذه النظرة التقليدية التي توارثها المجتمع بحكم أفكاره وتركيبه ليضع القوانين كقانون الزوجية وقانون الأمومة. فعندما تولد، غير مرحب بها. ثم تعيش طفولتها بملل وتذمر وما إن تصل إلى سن البلوغ حتى تتركز عليها الأضواء فجأة وتختلف معاملة العائلة لها كلياً فيصدر الأب مجموعة من القوانين التي تقيد حركاتها داخل البيت وخارجه تمنعها من الإختلاط في تره الحياة، كما يحدد لها أنواع الملابس وخاصة الطويلة منها وربما الألوان أيضا وكذلك الأم تصدر مجموعة من التعليمات تتعلق بالأصول والواجبات التي يجب إتباعها من قبل الفتاة، حيث إن تربيتها المنزلية تتركز بصفة أساسية حول محور الأخلاقيات الإجتماعية أو بعبارة أخرى عليها أن تحكم كل شيء بمقياس الدين وبمقياس ما هو متعارف عليه في المجتمع، دون أن يكون لها الدور الإيجابي في تقييم الأمور حسب ما تفكر أو تشعر.

تلك التربية المنزلية المقيدة والممزقة تجعل المرأة بدون خبرة حقيقية في الحياة بل تراكم عليها مفاهيم صعبة في المجتمع التقليدي وسوف تبقى تحلم بالحب والحرية وهذا الحلم سيواكب شعورها بعجز عن التنفيذ كما تريد وترغب وسينقلب هذا الحلم إلى الشعور بالمرارة والحسرة على حبها الذي مضى وسيبقى يطمس ذاتها ككائن قادرعلى العطاء. ولا شك بأنه تنقص النساء في هذه الأيام الجرأة لتأكيد حقها والمطالبة به ولتعيش حياتها وأن لا تقبل بالخضوع والإ ستسلام للنظام الإجتماعي السائد الآن.

في نهاية المطاف ستجد نفسها في سجن ذا حدود مرسوم على بابه حرية ومفتاح هذا السجن مع العائلة والعادات والدين وتصرخ بصوت عال الحياة مؤلمة بالنسبة لي، أنت السجان لا تنام الليل خشية أن أهرب وخشية أن أقترب من الحدود إفتح لي الباب حرية إفتح لي الباب حرية.

ودعوني أسرد لكم قصة واقعية حدثت في التاريخ الحديث وهنا دعوني أخفي الزمان والمكان، حفاظاً على شخصية تلك الفتاة التي أنحني لها احتراماً وإجلالاً، حين قامت بإلقاء الحجاب كرمز لعزلة المرأة لأنها كانت تعاني من حياة المرأة السائدة وكانت مدركة للقيود التي تكبل حريتها.

هذه الفتاة الجريئة التي تخلصت من الخيمة التي تحملها تشبه تماماً العزيزة هدى شعراوي وابنة أختها سيزا نبراوي في تاريخ الحركة النسائية في مصر.

حالة هذه الفتاة المسكينة تطورت إلى مخالفة دينية ووصفها البعض بأنها علاقة مشبوهة وكل مشبوه مرفوض ومغضوب عليه بل إنها فضيحة، اتخذت طريقها معها وبدأت تنهال عليها الأسئلة من الزملاء وخيبة العار التي لاحقت العائلة.

هذه جريمة لا يغفر الله لها من وجهة نظر دينية وهكذا فهي مدانة إلى اليوم فقد تلوثت سمعتها ولازمتها كلمة حرة. وجاءها الخلط الصارخ يدق باب العقل سواء من الحياة الواقعية أو في الروايات بين المفهوم العصري للحب كما هو في الدول المتقدمة حيث تقوم العلاقة في أغلب الأحيان على أساس من التوافق العقلي بالإضافة إلى الإنجذاب الحسي.

بعد عمل طويل وجاد في الحركة النسائية يجب أن ننزع ونعري المرأة من الشخصية المتشددة وأن نخلق الشخصية التي يتعدى مفهومها للحب كمفهوم الحب الحر وأن تكون شريكة حياة تامة ومنسقة وأن نجد منها الحبيبة والند المحترم الحر.

وهكذا تبقى مسألة الحب والحرية بالنسبة للمرأة مسألة حيوية تعبر عن الرأي والفكر الموضوعي لدى جميع الأمم المتحضرة.

سلام الزبيدي

Salamlenin@yahoo.com