العدد الثامن والعشرون - تشرين الثاني

حقيقة الموت

نيبال
الاحد 9 كانون الأول (ديسمبر) 2007.
 

قصدت مرة حانوتياً صديقاً لي ليخبرني عن الموت، إذ ببسمة تعتري شفتيه تتسع لفرح الكون بأسره.

قلت له: تتعامل مع أدوات الموت وتنشد ألحان الفرح في أروقة الحياة. كيف لك كل هذا؟.

قال: وما العجب في هذا ؟.

قلت: الموت شبح يسيطر على أحلام الحياة، ونهاية مؤلمة لكل صحة ومرض، وفرح وحزن، إنعتاق من الوجود. فكيف تستطيع أن تهيئ أمكنة للبشر في قطار الموت وأنت تبتسم ؟. ألا يخطر ببالك أن يكون هناك من يهيئ لك مقعداً في مقصورة أخرى من القطار.

فأخذني من يدي ودعاني إلى الجلوس وقال: اسمع يا صديقي، الموت هو تحرر من الحياة، من أحلام نتخيلها ونقضي كل العمر نناضل من أجل تحقيقها. وإذا ما تحققت نتخيل أحلاماَ أخرى ونعيش نضالاَ آخر، وهكذا كأننا نعيش أبداً. الموت ليس قطاراَ يقل المسافرين من محطة العمر. بل هو محطة يترجل إليها المسافرون من قطار العمر ركوب قطار آخر. الموت هوأن تضع جسدك جانباً وترحل، هو ليس نهاية بل محطة تتبدل فيها الأشياء. قد يكون هناك حياة بعد موت، أو حياة بعد حياة، كثيرة هي المعتقدات، ومهما تكن فهو شيء يستحق المغامرة، لا أحد يخبرك عنه ولا يحق لك اكتشافه في أي وقت تريد. عليك أن تتخيل أن ما هو وراء الحياة ربما يكون أجمل منها أو مثلها تماماً، لكنه أبداً لن يكون أبشع من حياة تحول فيها الإنسان إلى آلة.

قلت: جميل ما تقول ومقنع حقاً. لكن لا يمكنك أن تتعايش مع هذه الأفكار إلى هذا الحد، وتتناسى أن لك أهلاَ وأصدقاء، وحبيباَ يستمد حياته من وجودك. فلا يمكن أن تقضى على الإحساس بالمنطق.

قال: لا يمكنك التعايش إذا بقيت نظرتك للحياة على أنها كل ما تملك وللموت على أنه ملاك يأخذ منك كل شيء ويأخذك من كل شيء. عليكَ يا صديقي النظر إلى نفسك بتأمل لترى أن الحياة والموت كلاهما محطة في رحلة الروح. قد يكون أحد الآف المحطات التي تجهلها. فهل تدري ما كنت عليه قبل ولادتك، ربما كنت في مكان حزنت كثيراً على فقدانه. عليكَ أن تعيش كل محطة بما فيها ولا تفكر بما سبقها أو سيليها.

قلت: وكيف توصلت إلى كل هذا ؟.

قال: علمتني أدوات الموت أن أحب الحياة. وعلمتني الحياة أن أحترم الموت.

قلت: وكيف لي أن أصبح هكذا ؟.

أخذ أحد أدوات الموت، ناولني إياها وقال: اصنع تابوتك بنفسك.

ارتجفت يداي، تجاسرت على نفسي وبدأت، وما أن دققت أخر مسمار في نعشي، تمددت به واستسلمت لنوم عميق وكانت هي المرة الأولى التي لم أر فيها كوابيس في أحلامي.

نبال