علاقة الدين بالدولة يجب أن تضبط بضابط الشريعة التي أعطت الحاكم حقه في الاحترام والبيعة والعهد

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : د. صلاح الدين كفتارو
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
لقد أضحى مصطلح تجديد الخطاب الديني في الآونة الأخيرة مطية يمتطيها أصحاب الآراء المتباينة تجاه جوهر الإسلام ليعبروا من خلالها عن تلك الآراء ويطلقون العنان دونما ضوابط أو ثوابت، الأمر الذي أفرز أزمة بين المحافظين والتجديديين وزاد الهوة بين أرباب الفكر الإسلامي، وكأني بهذه (الموضة) مدسوسة للفت من عضد جسم الإسلام الذي الأصل فيه التماسك والتعاضد.

إن مصطلح التطوير والتحديث في الخطاب الإسلامي يتفق مع المنطلقات الدينية الراسخة المؤيدة بالآيات والأحاديث لذلك نقرأ في كتاب الله (مَا فَرَّطْنَا في الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) بما يفيد تمام اقتدار الشريعة وصلاحيتها على تنظيم حياة الناس ومعالجة شؤونهم على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والدليل على ذلك واضح من خلال منهج الشريعة وتاريخ تشريعاتها ذلك أنها لم تجر أحكامها على طريقة واحدة من التفصيل والبيان بل عالجت كل مسألة بطريقة تتناسب مع مبدأ جلب المصالح ودفع المفاسد، وفتحت الباب واسعاً للمستنبطين والمجتهدين من أولي العلم لتطبيق القواعد الكلية على المسائل الجزئية وإعمال العقل من خلال فتح باب الاجتهاد، ذلك أن التشريع الإسلامي يقوم على الاجتهاد على اعتبار أن نصوص الأحكام في الكتاب والسنة محدودة معدودة، فما العمل ونحن حيال مسائل وقضايا ومستجدات تطرأ على الأمة ولا تزال ما دام في الناس أحياء يتعاملون فيما بينهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. خاصة إذا تبيّن أن عدد الآيات التي هي أصول الأحكام في القرآن لا تزيد عن خمسمئة آية من أصل /6200/ آية، ثم بعد ذلك نسمع مقالات تغلق باب الاجتهاد وتحجّر العقل وتضيّق عليه لتنأى بالدين عن ساحة المعاصرة وتحبسه وراء جدران التاريخ والنصيّة التي تفقده دوره في بناء الحياة للإنسان.

إن الخطاب الديني بمفهومه الأصيل يأبى على المتشددين أن يشوّهوا صورته بتأويلات خاصة وتفسيرات محدودة تخرج بالإسلام عن الجادة لتلصق به من تهم الراديكالية المتطرفة واليمينية المتشددة ما هو منها براء، حتى دعوة أولئك بأن الحكم لله وأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون هي دعوة بحاجة إلى نظر دقيق ودراسة معمقة على ضوء الظروف الراهنة في دائرة فقه الموازنات والأوليات وسد الذرائع، في إطار الحكمة التي تقتضي تقدير الأرباح والخسائر وتحقيق الأهداف لا في إطار تحكّم العاطفة والهوى في مصائر الأمة. إن نمط الحياة السياسية والاجتماعية في ظل الدولة الإسلامية الأولى لم يكن غريباً عن الواقع ولا مجافياً لمنطق الأشياء، وما أسلوب التدرج الحكيم الذي ميز التشريع الإسلامي إلا صورة واضحة لتلك النظرة الحكيمة التي كانت تميز ذلك النظام الدقيق.

لقد استطاع نظام الحكم في ظل الإسلام أن يوجد البدائل المناسبة للمنظومات التي كانت سائدة قبله، حيث تعامل معها على أنها تراث شعوب لها خصوصياتها ولا يمكن إنكارها إلا بالقدر الذي يتعارض مع منظومة الإسلام التشريعية والعقائدية، كما أنه في مصادر شريعته لم ينكر ما سلف من الشرائع فها هو يحترم شرع من قبلنا ويصنفه كمصدر تشريعي تبعي ولكن في إطار منضبط وهو أنه لم يرد في شريعتنا ما ينسخ ذلك الآتي لنا من شريعة أخرى لذلك لا نستغرب أن نقرأ في القرآن: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فْي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).

ونقرأ (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص).

فجاء الإسلام ليتبنى ذلك ويلتزمه في أحكامه وقوانينه تماما ًكما جاء في الديانة اليهودية التي أنزل الله توراتها على موسى (عليه السلام).

إذاً كان لا بد لنا من الإنصاف ونحن نستعرض مزايا الخطاب الديني الذي مثّل دائماً روح العصر ونبضه من خلال انسجامه مع كل الظروف والأحوال والبيئات.

خاصة في علاقته مع أنظمة الحكم المتلاحقة عبر الدهور، لقد تميزت كل الدول الإسلامية بميزة الاستقرار والازدهار حين اجتمعت يد السلطان مع يد العالم، والسلطان يعني هنا قوة السلطة ويدها الطولى، والعالم يمثل نبض الشارع وروحه ومركز ثقله بما للشعوب من أثر في حركة الأمم ونهضتها، ولذلك جاء التأكيد النبوي على هذا المعنى حين قال: (الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح أحدهما دون الآخر فالإسلام أس والسلطان حارس وما لا حارس له ينهدم وما لا حارس له يضيع). ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين الدين والدولة كانت دائماً تمثل معادلة تامة في ظل الدولة الإسلامية. حتى بعد انهيار الخلافة العثمانية وقيام الدولة العلمانية السائدة في كثير من دول العالم الإسلامي ظلت العلاقة بين الدين والدولة علاقة سليمة على المستوى الرسمي حيث المدّ الإسلامي والزخم الديني قائم نامٍ مطرد، والحريات الدينية متوفرة في إطار من الحكمة والتعاون والاتفاق. ولعلي أحترز بقولي (على المستوى الرسمي) لأشير إلى أن خروج جماعات وفئات من الناس ذات أفكار خاصة وتأويلات معينة على الدولة لا يمثل الرأي العام ولا الاتجاه السائد على الرغم من التعاطف الذي تحظى به هذه الجماعات من قبل أولئك الذين تحكمهم العاطفة على حساب العقل والمنطق والفهم السديد.

لذلك رأينا في تاريخنا الكثير من الحركات والجماعات والفرق ظهرت وكان لها ـ إلى حد ما ـ وجود وتأثير ولكنها ما لبثت أن زالت وبادت وانتهت.

إلا أن الإسلام بأصوله وثوابته وجوهره كنظام شامل للحياة ظل ثابتاً راسخاً رسوخ الجبال الراسيات وما ذلك إلا لثبات مبادئه ومصداقية منطلقاته المبنية على قرآن كريم من عند الله وسنة نبوية مطهرة أساسها (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى). إن علاقة الدين بالدولة يجب أن تضبط بضابط الشريعة التي أعطت الحاكم حقه في الاحترام والبيعة والعهد والمسؤولية ونفاذ الرأي، وأعطت من هم تحت يده الحق والعدل والكفاية والرعاية والحماية. فإذا ما التزم كل منهما بما له وبما عليه صلح أمر الأمة وسارت في طريق السلامة والعزة والمنعة والازدهار. إن على القائمين على أمر الحركات والمؤسسات الإسلامية أن ينطلقوا من قاعدة التعاون فيما اتفقنا عليه، والاعتذار فيما اختلفنا عليه وهم يتعاملون مع حكوماتهم لأجل ترسيخ لحمة مباركة تقوم بين الحاكم والمحكوم بما يعود على الأمة خيراً ونماءًَ. أما استنفار الطاقات، واستنزاف القوى فإنه مظنة شماتة الأعداء، وإصابة الأمة بالوهن والتراجع ما يسهل مهمة أعدائها في ضربها والنيل منها.