العودة إلى الجذور ـ الثقافة القومية الاجتماعية

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : ميشال معطي
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

العودة إِلى الجذورِ.

هي العودة إلى معرفة المعنى الجوهري الكامن في مفهوم الثقافة القومية الاجتماعية ووليدتها الحضارة، وتصور وإدراك المغزى المتضمن في هذا المفهوم الذي يبلغ ذروته في إبداعٍ لا نهائي. ومتى بلغ الإنسان ـ المجتمع هذا المستوى من الإبداع أصبح قومياً اجتماعياً، ومتى بلغ مفهوم الكوّن أصبح شموليّاً. العودة إِلى الجذورِ.

هي عودة تملأ الفراغَ الكاملَ، وتحقق الهدوءَ والسكينة والاستقرار الراسخ، وكل ازدهار الأشياءِ. لكن عندما يتوجبُ على كل امرئ أن يعود إِلى جذره، عليه أن يتلمس طريقه عبر دراسة التاريخ. فإن هذه العودةِ إنما تَعْني الهدوء والسكون أولاً، ليتسنى له الاختيار الصحيح.

لقد أدخل "أمبدوكلس Empedocles"، معنى "العنصر" الكيميائي في التفكير الفلسفي، وتكلم على "جذور كلِ شيء"، تلك الجذور التي صارت "العناصر الأولية" في التعاريف التالية التي تعاقبت ووصلت إلينا.

ففي الجذور تكمن الحقيقة التي هي أنه كان ولا يزال هنالك حاجة ماسة إلى أبحاثٍ فلسفية وعلمية عديدة لإيضاح عمق أساس العقيدة القومية الاجتماعية المستند إلى الثقافة والمعرفة المجتمعية انطلاقاً من أن "المجتمع معرفة والمعرفة قوة".وترسيخ متانة البناء الذي تشيده، وسعته، وجماله، وتناسق تركيبه، وسمو مطلبه.

إن وعينا لقوميتنا ونفسيتنا، وتولّد نظرتنا إلى الحياة والكون والفن، وحصول مثلنا العليّا السامية الجميلة، هو خير ضمان لقيم الحق والخير والجمال المطلقة والمقيدة والمجردة والمصاحبة.

إن المعرفة أو نور الحقيقة Knowledge or Light ـ هي الطريق الوحيد المفتوح لهذا العالم المعرض للخطر Endangered World ، نحو الخلاص.

ذلك الخلاص الذي يَهتزُّ، وينفجر، ويحترق، ويتعرض للفيضان، تحت حافز قهر وشره الجنس البشري وفساده في الأرض والكون، حيث الإنسانية قَدْ انقلبتْ على الإنسانيةِ باسم الله.

الثقافة القومية الاجتماعية

يشغلُ الشأن الثقافي القوميّ الاجتماعيّ قمة هرم متطلبات الحياة الإنسانية القومية الاجتماعية. حيثُ أن بوسع الثقافة القومية الاجتماعية ذات المدلول الإنسانيّ الحضاري أن تزرعَ فوق سطح الأرض ببيئاتها المتباينة، الحب والحق والخير والجمال والحرية والطمأنينية والنظام والواجب والقوة والأمن والسلام، كما تستطيعُ الثقافة القومية الاجتماعية ذات المدلول الإنسانيّ الحضاري أن تخلقَ بين الأمم والمجتمعات المتباينة مبدأ الصراع نحو الأفضل، وتحفز الإنسان ـ المجتمع (وبخاصةً المعاصر والمستقبلي) في بيئاته المتباينة على سعة الإدراك لضرورة استبدال نسق الرتابة والتوتر والمعاناة وثقافة الهيمنة والقوة التي سيطرت على كوّننا، بنسق ضوابط الإنصاف والحق والتوافق مع العقل الذي هو الشرع الأعلى، ومع القيم الإنسانية لمواجهة آليات نظم ما يسمى بالتحررية الحديثة الماضية بالتجمعات البشرية إلى مصيرٍ مجهول، بل وتجرها إلى حافة الإنهيار، إلى عالمٍ منفلتٍ، ليبدو أنه مستعصٍ على الانضباط القومي الاجتماعي، إذا ما تسرب الشك والخوف إلى النفوس من قدرة المعرفة. وبالتالي فإن إغلاق الإطار على الشك والخوف من أن قدرة المجتمع على المعرفة التي تولد قوة الثقافة القومية الاجتماعية لأيةِ أمةٍ من الأمم، هو إهدارٌ لفرصةٍ تاريخية ممكنة لإعادة التدقيق في حسابات عالمنا الراهن والمستقبليّ الذي نحيا فيه من منطلقٍ قوميٍّ اجتماعيّ.

ولدت الحضارة من رحم الثقافة التي ولدت من رحم المعرفة، وبدأت حياتها حيث انتهى الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه مواقع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وكان موقف "سعادة"، قوله بضرورةِ المعرفة للحقيقية، وعدم كفاية الوجود غير العاقل في ذاته لتكوينِ قيمةِ الحقيقة، لأن الحقيقةَ قيمةٌ فكريةٌ تحصل في العقلِ أو الضمير بواسطةِ المعرفة فقط. وإن افتراضَ المجهول لا يكوّن حقيقة. فلا يستطيعُ أحد القول إن حدثاً ما قد حصل أو لم يحصل في مكانٍ ما، إلا بالمعرفةِ الصحيحةِ فقط". وبذلك يتضح أنَ موقف "سعادة" هو موقفُ الفيلسوف المعتمد العقل والمعرفة، بينما موقف مناظريه كان موقف المعتمد الحدس والتخمين الذي يجعل افتراض المجهول قاعدة للحكم. إن الفيلسوف المؤمن بحقيقته، وحقيقة فلسفته، لا يلبثُ أن يدركَ حاجتهُ إلى وسائل العقل العادي، ليشق الطريق لفلسفته التي هي في ذاتها خروج على المعتاد. إن كل الشعب السوري، مؤهلٌ للأخذِ بهذا الاتجاه بقيادة فلاسفته الذين يدركون حقيقة نفسيته، التي كادت طبقات الحوادث التاريخية تطفئُ نورها. إن الإدراك العادي سيظلُ إدراكاً عادياً، مهما تثقف وارتقى، والفلسفة تظلُ فلسفةً، والعالم لا يحتاجُ فقط إلى الفلسفة، بل يحتاجُ إلى الإدراك العادي أيضاً، لأنه حيثُ يوجد معطٍ، يجبُ أن يكون هنالك مستلمٌ، يقبل. وإنه حين نفكرُ في الفلسفة، لا نفكرُ بالأسماء، "بل في الحقائق والمرامي النفسية الأخيرة عينها التي فكر فيها هؤلاء الفلاسفة، في الحقائق النفسية الأخيرة، وتغوص هذه الحقائق والمرامي في أعماقِ نفسك، وتحس تياراتها الخفية الجارية تحت الطبقات التاريخية المطبقة عليها، فتكتشفُ نفسك ـ نفسيتك الأصلية بكل جمالها، وكل قوتها ـ فتخرج فليسوفاً، لا ناقل فلسفة. وحينئذٍ تجدُ الحلقةَ المفقودةَ بين الفلسفة والإدراك العادي، وتدركُ الرابطة بين الفيلسوف وأمته وبين حيوية أمته، وقبول الشعوب القريبة منها[شروح في العقيدة ـ "من الزعيم إلى الدكتور شارل مالك ـ كتاب نقدٍ وتوجيه"].

باتت الحضارة بعد ولادتها نظاماً اجتماعيّاً ـ ثقافيّاً ـ عمرانيّاً يُعِيْنُ منظومة الإنسان ـ المجتمع على الدخول في أنشوطةٍ لولبية متصاعدة للاستزادة من إنتاجها الثقافي ـ المعرفي، محررة في نفس الإنسان ـ المجتمع مواقع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، حيث لا تنفك الحوافز الطبيعية (بفعل آلية التفاعل المتبادل في أنشوطة الفعل ورد الفعل)، تستنهضه للمضيّ قدماً نحو فهم الحياة وازدهارها، وتدفعه إلى الاستزادة من إنتاجه الثقافي بهدف تطوير حياته على اختلاف وجوهها، ليشتمل على تطوير الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، والتراكم المعرفي للعلوم والفنون. وكان بذلك اتحاد الناس في بيئاتهم والعمل على توفير مستلزمات الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية منطلقاً للثقافة والتراكم المعرفيّ وتوظيفهما في إعلان ضمني عن ولادة بوادر المتحد بفعل العوامل الجيولوجية والجغرافية والبيئية والاقتصادية، وبالتالي إعلان عن ولادة الأمة، ذات الثقافة القومية الاجتماعية. فـ" النبوغ السوري، وتفوق السوريين العقلي على من جاورهم وعلى غيرهم، أمرٌ لا جدال فيه، فهم الذين مدنوا الأقريك، ووضعوا أساسَ مدنية البحر المتوسط التي شاركهم فيها الأقريك فيما بعد". وبذلك فإن الثقافة والمعرفة وقصة الحضارة ابتدأت في الهلال السوريّ الخصيب، لا لأنه قد كان مسرحاً لأقدم مدنيّة معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيّة ذات الثقافة القومية الاجتماعية قد كونت البطانة والأساس للثقافات المصرية واليونانية والرومانية، التي ظن خطأً أنها المصدر الوحيد الذي أستقى منه العقل الحديث. ويوضح المبدأ الرابع من مبادئ العقيدة السورية القومية الاجتماعية بجلاء، أن "الأمةُ السوريةُ هي وحدة الشعب السوري، المتولدة من تاريخٍ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي"، وأنه "يمكننا أن نفهمَ أسباب تفوق السوريين النفسي الذي لا يعود إلى المزيج المطلق، بل إلى نوعية المزيج المتجانس الممتازة والمتجانسة تجانساً قوياً مع نوعية البيئة". فـ"في سورية، مجتمعٌ إنسانيٌّ له نفسية مستمدة من تركيبه، وخصائصه وتراثهِ وتاريخه الاجتماعي والثقافي والسياسي"، مستمداً مثله العليا من نفسيته، معلناً "أن في النفس السورية كل علمٍ، وكل فلسفةٍ، وكل فنٍ في العالم... ". فـ"النفسية السورية قد برهنت، على أنها عظيمة المقدرة، مستكملةً شروط الوعي الصحيح والإدراك الصحيح، وأن لها مقدرة على إدراكِ واستيعابِ كل ما يمكّنُ النفس من أن تستوعبه وتدركه في هذا الوجود". و"إنها نفسٌ تقدرُ في ذاتها على المعرفة والإدراك، وتمييز القصد، وتصور أسمى صور الجمال في الحياة. إنها نفسٌ تسيرُ بوعيٍ، ولها كل مؤهلات الإدراك الشامل العام لشؤون الحياة والكون والفن".

"العالم الآن على أبواب معارك هائلة تلتحم ـ تتصادم ـ فيها جنود الثقافة، جنود العلم والمعارف والآداب والعدل والحرية والسلام" جنود الثقافة القومية الاجتماعية "مع جنود المبادئ الرجعية والظلم والحروب والعبودية"،"فالحياة اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه منذ مئة سنة، فمنذ مئة سنة إلى اليوم حدثت في العالم تغيرات وتطورات شتى، ومنذ الآن وإلى مئة سنة أخرى سندخل في تغيرات وتطورات لم يكن يحلم بها عقل بشري من قبل، لكنها قد ابتدأت تتحقق أمام أعيننا ، فنحن نشعر بتأثيرها الآخذ في الازدياد يوماً بعد يوم"[آ . ك . ج1 . ص 73]. فالتربية والثقافة القومية الاجتماعية يجب أن تكون من الشعب وتعمل في الشعب ومخصصة لتقدم الشعب. ويجب أن نعلم بأن الثقافة السورية" وقفت . . عند الحد الذي كانت قد بلغته " سابقاً " فلم يحدث في سوريا أي تطور جديد، لا في الثقافة المادية و لا في الثقافة النفسية ، فلا الزراعة اكتسبت شيئاً و لا الصناعة ارتقت. وظلت الحياة تجري ضمن مؤسسات المذاهب الدينية . . . والواقع أن الأمة السورية ظلت جامدة، بينما الأمم الأخرى ترتقي في تحسين حياتها وعمرانها وثقافتها. وكانت النتيجة أن انعدمت المثل العليا النفسية انعداماً تاماً، وأصبحت الحاجات المادية هي محور الحياة . . . وأخرجت الثقافة الاستعمارية" منذ أواسط الخلافة العباسية وحتى الوضع الراهن "في سورية طبقة مثقفة خالية من المثال الأعلى القومي، مجردة من الثقة بمواهب الأمة السورية الممتازة . . . وبعدم جدارة السوريين بالتشوف إلى السيادة القومية ، مقتنعة بأن الحال الراهنة أمر إلهي أو طبيعي، لا مندوحة عنه و لا سبيل إلى تغييره "[ شق الطريق لتحيا سوريا . آ . ك . ج 3 ص 62 - 68 ] .

لا بد لنا من التوضيح على أنه عندما يدور الحديث عن الثقافة ووسائلها ودورها في المجتمع، ينحصر عدد من المنظرين في الخطأ الشائع حول تعريف الثقافة، فبمجرد ذكر الكلمة، يتبادر إلى أن هذا الفعل إنما ينحصر فقط في المجالات التالية :

1. كل ما يتعلق بالآداب وعلومها ، سواء أكان تأليفاً أم تحقيقاً أم مطالعة في مجالات الشعر أم النثر أم الرواية أم المقالة . . . الخ .

2. كل ما يتعلق بممارسة الفنون من رسم ونحت وتصوير . . . الخ .

3. كل ما يتعلق بالثقافة العلمية التي تنشر البحث العلمي كوسيلة اختبارية وكذلك وسائل نشرها وتداولها .

4. الثقافة التطبيقية من مسرح وموسيقى وسينما ووسائل نشرها .

5. الثقافة الإدارية ، حيثُ إن مسألة الإدارة هي مسألةُ نوعٍ وكفاءة إلى جانب المواطنة والانتماء وبعد النظر وحسن الثقافة السياسية . والثقافة الإدارية هي من أهم الموارد المتاحة لبناءِ صرحٍ شامخ يهدفُ إلى تحقيق غايةٍ وهدفٍ محددين.

6. كما توسع مفهوم الثقافة هذا ليشمل جوانب المعرفة الإنسانية ، كالاطلاع على المذاهب الفلسفية والمدارس التاريخية المتعلقة بمسيرة التاريخ وتطوره ومشكلاته من نجاح وتعثر وتطور .

ونجد بالتالي من يقول إن دعم تلك الثقافة في بنية المجتمع ينحصر بوسيلة واحدة فقط، هي في كل ماله علاقة بطبع الكتب وإصدارها إلى جانب الدوريات والنشرات والصحف، ومن ثم توزيعها على نطاق واسع، وإقامـة المعارض الفنية، والقيام بعرض كل ماله علاقة بالثقافة التطبيقية من مسرح وسينما وموسيقى. . . بحدّيها الجاد والمبتذل، وإقامة الندوات الفلسفية أو العلمية أو أي بحث من مباحث العلوم الإنسانية، لنجد أن كل ما أشرنا إليه يقلص من دور هذا القطاع الهام من قطاعات الثقافة المتنوعة المتكاملة، ضمن شريحة من المطلعين أو المهتمين بلون من ألوان هذا القطاع الهام من الثقافة. وإذا ما حصرنا الثقافة القومية الاجتماعية بمفهومها الشامل في الفعل في الإنسان ـ المجتمع، فإن اعتماد المفهوم الخاطئ للثقافة وحصره بقطاعه الآنف الذكر سيؤدي إلى إهمال حيز هام من الإنسان - المجتمع من فعله العمراني كأن يتم إهمال من يجهل القراءة مثلاً أو من ليس من متابعي بعض الثقافات التطبيقية أو العلمية أو الفلسفية، وهنا يتسع لدينا المفهوم الخاطئ لهؤلاء بأن مثقف العلوم الإنسانية يشمل كل من توسعت لديه مدارك الاطلاع على ما قدمه الفكر الإنساني أو المحلي أو العالمي، واتسعت بالتالي لديه قابلية تلقي معارف معينة والتحدث بها، دون الاستفادة منها تطبيقياً في بوتقة الإنسان ـ المجتمع، منطبقاً بذلك قول "سعادة"عليهم بأن"العلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضر".

الثقافة ليست تدريساً في مدارس، وتعليماً في جامعات، ولاشيء غير هذا وذاك، إن الثقافة هي ذلك الجزء الأخفى في منظومة الإنسان ـ المجتمع، الذي تصدر عنه المعارف والأعمال، وهي السلوك المكتسب من المعرفة، والفكر المكتسب من وفي المجتمع. إنه هذا السلوك والفكر المتمثل في المثل والمعاني العقلية والفنية والاجتماعية. فالثقافة مصطلح للدلالة على الانتاج الفكري والمادي من مصنوعاتٍ مادية ونظم اجتماعية وأدوات تقنية وأفكار إبداعية وآداب وفنون، وحتى أساليب العبادة وممارسة الطقوس الدينية، وكل ما يصنعه الإنسان لبيئته وأمته وعالمه وكونه، حتى يستطيع أن يعيش فيه ويرتقي سعياً نحو حياةٍ أفضل وأجمل وأكمل بقيم الحق والخير والجمال. فالثقافة هي أسلوب حياة المجتمع على مر العصور. وبالتالي فإن الثقافة نتاج المجتمع الذي يكتسبها خلال تفاعله الاجتماعي، ويورثها لأجياله. ويجب أن نعلم أن الاكتساب بحد ذاته عملية عقلية في جوهرها، كما أن تطوير الثقافة هي عملية عقلية بذاتها، وفقاً لتطور حاجات المجتمع.

لقد آن الأوان للخروج من هذا الاعتقاد الذي يظلم فيه المعنى الحقيقي للثقافة القومية الاجتماعية، ويظلم فيه بالتالي القطاع الهام للثقافة الذي أتينا على ذكره. فمفهوم الثقافة القومية الاجتماعية إنما تعني كل مناشط الإنسان ومنجزاته في بيئته وليس في الحقل الفكري فحسب. فالثقافة كلٌ متكامل. و"الثقافة التي تعني هنا، بمعنى Culture، هي مجمل العلوم، والفلسفات، التي تتناول الحياة، وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقلي، واتجاهاتٍ فكرية، واعتقاداتٍ مناقبية، وإدراكٍ للشؤون النفسية والمادية". وأن علينا"أن ننشئ لأنفسنا تربية سورية قومية اجتماعية" و"أن نعيد لأنفسنا ألق تراثنا الثقافي السوري ودوره البناء"، ويقوي فينا "روح احترام النفس، والثقة بالنفس، وأن نوجد لأمتنا مركزاً محترماً بين الأمم " و" أن نحقق نحن بأنفسنا مطلبنا الأعلى الذي نفتخر بأنه يمثل مزايانا الخاصة، بكل ما فيها الروح السليمة والمدارك العقلية العالية، ونجعله منارنا الخاص الذي يهدينا إلى ما فائدتنا وفائدة البشرية جمعاء" ففلسفتنا وثقافتنا القومية الاجتماعية رسالة إنسانية للكون والفن والعالم. فالثقافة المعرفية القومية الاجتماعية، هي دعوة لممارسة الاقتصاد الاجتماعي بدلاً من الاقتصاد السياسي المسخر، هي دعوة للاهتمام بتكوين الأنفس البشرية القومية الاجتماعية الجزئية البسيطة المُركبة لرسالةٍ إنسانية لهذا العالم نحو الكون والفن وقيم الحق والخير والجمال.

تبعاً لهذا المفهوم الشامل للثقافة القومية الاجتماعية، فإن التطورات الكبرى التي تحصل على المستويات الاقتصادية والسياسية والفكرية للحياة الاجتماعية في المجتمعات ضمن بيئاتها الطبيعية كمتحداتٍ تامة (أمم)، إنما هي ثورات ثقافية دائمة ومستمرة وتعبر عن نفسها تكاملاً تراكمياً نوعيّاً في طبيعة المفاهيم بما يحصل لديها من مستوى المفاهيم المتكاملة معرفياً أو التي في طريقها إلى التكامل المعرفيّ لبنةً لبنة، فتغدو أكثر غنى مع تطور مسار التاريخ، وتُعينُ المجتمعات البشرية على تطوير سيطرتها على الطبيعة وعلى نفسها أيضاً عبر إقامة علاقاتٍ قومية اجتماعية أكثر تطوراً انطلاقاً من أنه كلما بلغت ذروةً تراءت لها قمم أخرى، وفقاً لهذا المنظور البنيوي للثقافة القومية الاجتماعية.

الثقافة الحقيقية هي أسلوب حياة شامل يجعل الإنسان ـ المجتمع يتآلف مع البيئة والزمن والتطور كمساهمة في العطاء. فالثقافة القومية الاجتماعية، هي ثقافة حقيقية، حيث إنها تشمل وسائل وطريقة معيشة شعبٍ ما في بيئته، وأسلوب تفكيره، ومجموع عاداته وتقاليده وفنونه ومعارفه ومكتسباته المادية والفكرية، إنها جماع المعرفة واختبارات الإنسان -المجتمع في بيئته، وفي توقه إلى السمو بالذات والارتقاء إلى وضع حضاري متميز. فهي ناتج تفاعل مدرحي ولد البناء والخلق والقيم الإنسانية الأساسية الراقية من قيم الحياة الإنسانية منذ الوجود الإنساني أي منذ بدأ التاريخ الجلي. فالثقافة الحقيقية هي مجموع المعارف القومية الاجتماعية التي يقوم باستخدامها وتطبيقها"الفلاح المنتج بعرق جبينه"،"الفلاح الحبيب إلى أمته، ذاك الذي قدَّم وضحى وخدم ولا يزال يقدم ما استطاع عرق جبينه ولحم كتفيه قرباناً ثميناً ويعطي الأرض معظم وقته ليُبقي الحياة مستمرّة"،"والتاجر الساهر على خطط النجاح الاقتصادي، والعامل الدائب على العمل الصناعي المولد للثروة العامة، والجندي الواقف على سلاحه للدفاع عن حق الأمة، والعالم المنكب على درس طبائع الأشياء ليستخرج منها معظم الفوائد لخير المجتمع وخلاصه، والصناعي الذي يفتح للأمة موارد جديدة للثروة، ومن جميع المنصرفين عن الكلام إلى العمل المنتج الذي به رفاه الشعب ورخاء الأمة"وصناعة الأدب والفنون التي ترقي نفسية الأمة"فجميع هؤلاء يؤلفون الشعب في حقيقته"[آ . ك . ج7 رسالة إلى جورج بندقي . ص 103 - 104 ]. وبالتالي فإن الثقافة الأدبية والفنية بالتحديد التي صاغها "سعادة"، "هي مُجمل العلوم والفلسفات التي تتناول الحياة وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقليّ، واتّجاهات فكريّة، واعتقادات مناقبيّة، وإدراك للشؤون المادّية والنفسيّة"[نشوء الأمم ص ـ 177]. فـ"الفنّان المبدع والفيلسوف هما اللّذان لهما القدرة على الانفلات من الزّمان والمكان، وتخطيط حياة جديدة، ورسم مُثُلٍ عليا بديعة لأمّةٍ بأسرها"[جنون الخلود ص ـ41].

في إطار الثقافة الحقيقية، الثقافة القومية الاجتماعية، لا يمكن التصور بوجود حضاراتٍ متنافرة فيما بينها، تتصادم لتلغي إحداها الأخرى، بل أن جميعها تتصارعُ وتتكاملُ، مكمل بعضها البعض الآخر وفق غايةٍ واحدةٍ مشتركةٍ نبيلة، هي دفع الإنسان ـ المجتمع في بيئاته المختلفة التي يتكون منها الأرض، إلى تفعيل التاريخ وتحريكه في الاتجاه النبيل نحو مفاعيل الحق والخير والجمال والحب، وإشاعة الحرية، وتطوير نظم العدل والمساواة، وجنيّ ثمار المعرفة والثقافة والعلوم باطّراد، بهدف توظيف القدرات والمواهب المتنوعة الدؤوبة دونما توقف في تطورها لصالح الكون، انطلاقاً من مبدأ أنه كلما بلغنا قمة تراءت لنا قمم أخرى، للارتقاء بالإنسان ـ المجتمع . فكلما ارتقت المعرفة بالإنسان ـ المجتمع، ازداد تواضعاً وتقارباً ومحبةً وقوةً وسمواً، من منطلقِ أن "المجتمع معرفة والمعرفة قوة"، وصولاً إلى قول الشاعر "لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب". وبالمقابل، يجب أن نعلم علم اليقين، أنهُ كلما تمكن الجهل من الإنسان ـ المجتمع، ابتُليَّ بمركب العظمة، وبالإحساس بأنهُ يمتلك ثقافة القوة والهيمنة التي لا تقهر، سعياً إلى فرض معتقداته على الآخرين، سواء أكانت دينية أم مذهبية أم سياسية، بدل التعايش والتواصل والتلاقح والتلاؤم.

فالثقافة آلية استمرار الحياة كما هو الماء والهواء والغذاء. فهي أمانة تؤدى لاستمرار البشرية، قبل أن تكون وظيفة تمارس. فالعمل الثقافي فريضة وحاجة للإنسان - المجتمع الذي يريد أن يحيا العصر بحق والتاريخ بإخلاص وأمانة وصدق أداء كوسيلة ضرورية للحياة. فالثقافة الحقيقية بالإضافة إلى كونها منحى إنسانياً شاملاً، فهي ترتبط بتراب أرض بيئتها التي انبثقت منها. وترتبط بحياة الإنسان - المجتمع الذي يبنيها لحاجته لها. وبذلك نرى أن لثقافتنا السورية القومية الاجتماعية مضموناً قومياً اجتماعياً لا نستطيع أن نفرغه منها. فمنها نقتبس المعارف هدى للإيمان القومي الاجتماعي، وهدى للرؤية السورية القومية الاجتماعية التي أكد عليها حضرة الزعيم، نفاذاً إلى كنه أسرار حل الحاجات وكنه أسرار العلم النافع الذي هو مفتاح الجنة المعرفية التي لا تنال إلا بالعقل الواعي وبالجهد والعمل الدؤوب. فالثقافة تراكم معارف، والمعرفة قلب الحياة ووقودها،و"إذا بلغت قلب الحياة، تجد الجمال في كل شيء، حتى في العيون المتعامية عن الجمال" فـ "الجمال ضالتنا المنشودة في حياتنا كلها، وكل ما سوى ذلك أشكال من الانتظار"، "ففي الوجود الإنساني عنصران لا ثالث لهما، الجمال والحق، فالجمال والحق في المعرفة، في سواعد الذين يحرثون الأرض "،" وهذه الحركة تكون عمياء لا بركة فيها إن لم ترافقها المعرفة ومحبة العمل، فالمعرفة ومحبة العمل هما اللذان يبنيان البيت بحجارة من مقالع الحنان والإخلاص وبذر البذور بدقة وعناية وجمع الحصاد بفرح ولذة."[ جبران خليل جبران] .

إن الثقافة القومية الاجتماعية هي الحيّ الباقي، فهي ثقافةُ حياة وليست ثقافة عيش، حيثُ إن دورها لا يقتصرُ فقط على الوقوف في وجه جبروت الثقافات الطامعة في الهيمنة والقوة الغاشمة ، ومقاومة فناء الكون . فهي ثقافةٌ مركبة متكاملة، تحيطُ نفسها ـ كمحصلةٍ بديهية ـ بأسباب البقاء والحياة واستمراريتها وضمانة الخلود، ما دام فيها وفي محيطها قلبٌ ينبض ، وعقلُ معرفة، لكونها موروثاً طبيعياً خلاقاً للإنتاج الفكري والأثر الحضاري، قد تغلغل في صُلب بنيان الإنسان ـ المجتمع في بيئته من صُلب سلفه. ويبدو من التجارب، أن الثقافة القومية الاجتماعية لأمةٍ من الأمم لم ولا تسعى إلى الهيمنة على الثقافات القومية الاجتماعية للغير، لأنها ثقافةٌ متقدمة وتقدمية، تشرئبُ دوماً إلى المستقبل اللامتناهي، وتحمل في طياتها أوصال المناعة والحصانة ضد كل الفيروسات المدمرة. فهي إذاً لا تخشى الثقافات التي تلتفت إلى الوراء ، وتحن إلى عهود الهيمنة والانقضاض والامتصاص والتسلط وإلغاء الآخر.