العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

عندما يخطئ القائد...يستقيل

سركيس ابو زيد
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 
New Page 1

فجأة تغير الخطاب السياسي في لبنان. من كان يصرح بأنه ضد تعديل الدستور، وضد انتخاب عسكري، أصبح يجاهر بالعكس. ومن كان يدعو الى التفاهم حول رئيس توافقي، أصبح يضع شروطا لتمرير الاستحقاق.

وبعد ان استنفرت كل الغرائز وتم تهييج الطوائف وتعبئة الجماهير مذهبيا، تبدل الخطاب التحريضي واستبدل بكلام معسول حول السلم الأهلي وتغن بالوحدة الوطنية وارتفعت نداءات الخوف من الفراغ والحرص على البلد. وكأن خطابات الحرب التي كانت تصدح على الشاشات لم تكن هي السبب الفعلي لتوتير الأجواء والأعصاب.

هذا االتبدل المفاجئ يطرح النقاط التالية:

 

1-     معظم السياسيين في لبنان صدى للقوى الخارجية الاقليمية والدولية ما يؤكد ان الساحة اللبنانية هي مزيج عجيب غريب متداخل بين الداخلي والخارجي في لبنان. الخارج هو جزء من الداخل، والداخل مرتبط عضويا بالخارج. والفصل بين العوامل الداخلية والأسباب الخارجية هو تمييز لفظي.

2-     صدق الأديب الراحل سعيد تقي الدين عندما قال "الرأي العام بغل". فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية  والاجتماعية والمعيشية الخانقة، ورغم البطالة والهجرة، ورغم الخوف من الفلتان الامني والقلق على المستقبل والمصير، يغيب اللبناني كمواطن حر وواع ومستقل عن الفعل والدور المفترض ان يلعبه، حتى بات مجرد كائن تتحكم في سلوكه الغرائز المذهبية وينقاد بعماه وراء زعمائه من دون سؤال او استعلام او استفسار او نقد. بات أقرب الى القطيع بسبب تجذر التبعية الاقطاعية الطائفية العائلية في سلوكه. هو متمدن وحديث ومعاصر في مأكله وملبسه وكلامه، لكنه بدوي وقبلي وبدائي في سلوكه السياسي، فلا رأي ولا قرار ولا ارادة له لانه أثبت انه نعجة في قطيع.

3-     ارتفع الكلام عن "الواقعية" كسبب بل كحجة لتبرير "التكويع" وانقلاب الخطاب 180 درجة، ما يدعونا الى التفكير بالفارق بين معنى الواقعية والانتهازية. الواقعية كما أعرفها هي ادراك موازين القوى ومعرفة الوقائع وآلية تحركها، وذلك من أجل العمل على تغيير الواقع من اجل الأفضل والا يتحول التاريخ الى السكون او يسير بقدرية لا علاقة للانسان بها، وهذا ضد منطق التاريخ. اما الانتهازي، فهو من يستغل الواقع الموجود ويستفيد منه من اجل تحقيق منافعه الآنية والمباشرة. لذلك، يعتبر الانسان الواقعي انسان ثوري يعمل من اجل التغيير للافضل، بينما الانتهازي هو وصولي تابع لأي سلطة يعمل من اجل مكاسبه ومنافعه ولا هم عنده سوى خدمة السلطان مهما بلغ استبداده.

4-     من غرائب الدولة اللبنانية وعجائبها وتفردها، انها الكيان الفريد في العالم الذي تستمر فيه الدولة رغم التناقض والانفصال بين النظام والمجتمع. في لبنان، نعيش في ظل نظام مؤسساته شبه معطلة من الرئاسة الى الحكومة والبرلمان والقضاء، بينما الحياة في المجتمع مستمرة، ما يؤكد ان النظام ممسوك بأيدي قوى تتقاسمه بما لها من نفوذ داخلي / خارجي ومذهبي/مالي. والمجتمع الممسوك بفعل الحياة الليبرالية التي تفسح المجال امام كل مواطن ليتبادل السلع والافكار وفق آلية السوق ما يولد دينامية لادارة الفراغ المحسوب والفوضى المنظمة وينتج توازن خوف بدلا عن الاستقرار البناء. مجددا، انها احدى تحف الاعجوبة اللبنانية.

5-     لقد أثبتت الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان انها مفلسة وغير قادرة على التفاهم فيما بينها، وعاجزة عن ادارة شؤون البلاد. وكلما وصلت هذه الطبقة الى طريق مسدود، وحتى لا تغير نظامها الطائفي ورجالاتها المذهبيين، تلجأ الى المؤسسة العسكرية لتستنقذ نفسها باستعارة جنرال بعد ان تبارزت بشتم العسكرة وامتداح الحكم المدني الديموقراطي.

6-     لم يعد خافيا على أحد ان نظام الطائف الطائفي هو دستور البلاد والمرجع القانوني الوحيد، لكنه في الوقت نفسه يطبق بطريقة عرجاء، والموؤقت فيه - كالمحاصصة الطائفية - بات دائما، وآلية التغيير لاغاء الطائفية "معطلة" ومرمية جانبا لا يعمل بها احد. لكل تلك الأسباب، النظام الطائفي اللبناني في مأزق، وهو مشنقة الوطن، يهدد حياته واستقراره ووجوده وتنوعه، والحوار من اجل فك حبل هذه المشنقة واحلال نظام مدني هو ضرورة كيانية لانقاذ الجمهورية من الضياع والفوضى والنهاية.

 

 

في بلاد العالم المتحضرة، عندما يخطئ القائد يقدم استقالته، ويجري نقدا ذاتيا، ثم يصلح الأوضاع ويكمل المسيرة. اما في لبنان، فكلما أخطأ "الزعيم"، ازدادت شعبيته لأن الرعية لا تفكر ولا تسأل ولا تنتقد. في العالم المتقدم، عندما تنتهي المسرحية وتسدل الستارة، يغادر الممثلون خشبة المسرح، اما في بلاد الأرز، فتطفأ الانوار وتقفل الأبواب، ويستمر الممثلون في لعب ادوارهم المرسومة وكان المسرحية ما زالت مستمرة، والمشاهدين ما زالوا في كراسيهم.