العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

فشلت نظرية التوسع الإسرائيلي

الياس سالم
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

منذ بزوع فكرة الصهيونية في القرن التاسع عشر وسعي اليهود إلى إنشاء وطن قومي، اختلطت فكرة تخليص اليهود من الاضطهاد والعيش في الغيتوات المنعزلة مع فكرة استغلال اليهود من أجل المشاريع الاستعمارية في المنطقة العربية، فكان أن استغل اليهود الاستعمار واستفادوا منه، جاء وعد بلفور عام 1917 خلال الحرب العالمية الأولى أول ثمرة حيث كانت ظروف هذا الوعد استغلالاً صهيونياً واضحاً للظروف السياسية السائدة داخل بريطانيا من أجل تحقيقه، ومن ثم تنفيذه.

بدأت مرحلة تنفيذ الوعد عن طريق الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي تولتها الوكالة اليهودية المرتبطة بالصهيونية العالمية، وكانت الهجرة بطيئة بالمقارنة مع الأحلام الصهيونية، ولاقت مقاومة فلسطينية عنيفة أبرزها ثورة عز الدين القسام عام 1936.

انطلقت الأفكار التوسعية من الكيوبيتزات الصهيونية إلى القرى الفلسطينية المجاورة، وتمكنت عصابات الهاغانا وشتيرن وغيرها من زرع الإرهاب في نفوس القرويين وطرد بعضهم والاستيلاء على أراضيهم وتوسيع مستعمراتهم.

على أثر صدور قرار التقسيم عام 1947 وانسحاب بريطانيا من فلسطين في 15 أيار 1948، وإعلان دولة إسرائيل، نشبت الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى، وتم إنشاء هذه الدولة على قسم كبير من أراضي فلسطين، نحو ثلثي الأرض، ودون القدس القديمة. بلغت النزعة التوسعية الإسرائيلية ذروتها في الخمسينات والستينات وخصوصاً في حرب 1967 حيث احتلت الضفة الغربية والقدس والجولان وصحراء سيناء.

رغم كل التفوق الإسرائيلي العسكري والاستخباري والاقتصادي، ورغم كل الضعف العربي والأخطاء والخيانات والتخاذل، فإن الحقيقة التاريخية والسياسية كانت أقوى ولم تستطع إسرائيل أن تهضم المناطق التي احتلتها عام 1967، كما فعلت في الأراضي المحتلة عام 1948، وهذا ما أدى إلى بداية تراجع فكرة التوسع الإسرائيلي وانحسارها نهائياً في أواخر التسعينات حتى وصل الأمر إلى تنفيذ إنسحاب من جنوب لبنان تحت تأثير ضربات المقاومة اللبنانية ودون شروط ولا اتفاقيات، وتكرر الأمر في غزة وكاد يتكرر في الضفة الغربية، لكنه سيحدث يوماً ما.

لماذا حصل ذلك؟ في المحصلة العامة هناك مقاومة ضد إسرائيل بأشكال متعددة فاقت كثيراً ظواهر التعامل والتطبيع. المقاومة المسلحة والمقاومة الثقافية والإقتصادية والإجتماعية والدينية لم تتوقف منذ إنشاء هذا الكيان، وهناك العامل الديموغرافي الذي لعب لمصلحة العرب، واضطر إسرائيل إلى استقدام ما يزيد عن مليون مهاجر يهودي روسي منذ إتفاق أوسلو عام 1993 حتى اليوم دون أن نغفل تأثير هذه الهجرة على صفاء العرق اليهودي نتيجة تسرب بعض من غير اليهود بين المهاجرين.

رغم كل التراجعات العربية، ورغم الدعم غير المحدود الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة والغرب، نرى أن عامل الزمن، مهما طال، يلعب لمصلحة العرب. أما إسرائيل بشكلها العنصري الإستيطاني العدواني فهي سائرة حتماً نحو الزوال، والمقصود بالزوال ليس الإفناء ولا التطهير، بل نهاية العنصرية الصهيونية في فلسطين.

لم يكن مفاجئاً ما قاله مستشار الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي ستيفن هادلي من أن معظم القادة الإسرائيليين البارزين قد تخلوا عن إسرائيل الكبرى، أي بمعنى آخر أعلنوا نهاية نظرية التوسع. ولا ريب أن هذا التخلي جاء نتيجة للوقائع التاريخية والجغرافية والمقاومة الشاملة للصهيونية.

إن مقاومة إسرائيل مستمرة بأشكالها كافة، والتراجع الإسرائيلي مستمر ونظرية التوسع الإسرائيلي سقطت ولا مكان لليأس.