العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

سر الشخصية العراقية في تجذر وعيها التاريخي

ثابت جبر الحسناوي
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

اختلف الساعون إلى تقييم الشخصية العراقية وفهمها من خلال البحث في زوايا متعددة من التحليل النفسي والاجتماعي والتاريخي بحيث جاءت تلك التحليلات التي شملت أداء فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين ومؤرخين وباحثين في علم الأخلاق وغيرهم متباينة إلى درجة كبيرة تتراوح بين وسمها بالطابع المرضي إلى وصفها بالطابع الإبداعي فهذا البعض يعتقدها مصابة بحالة من اختلال التوازن والانسجام ناتجة عن تراكم عقد ومركبات نفسية واجتماعية أنشأت حالة من الانشطار الوجداني فيها وآخرين اعتقدوها مصابة بالازدواجية السلوكية الناتجة عن إحتوائها ضمنياً على أكثر من نموذج نفسي واجتماعي مختلف ومتباين في خليط عجيب لم تستطع الشخصية العراقية حسم صراعها الذاتي بين هذه النماذج نهائياً بحيث يتمكن الباحث العلمي تأكيد نموذج سلوكي متوقع أو التنبوء به على نحو الحتمية إزاء المسائل العامة أو الخاصة.

في حين تقف مجموعة ثالثة لتصف الشخصية العراقية بالينبوع المتدفق من الإبداع والاجتهاد طالبة للتغير المستمر جاعلة منه هدفاً حياتياً وبذلك لم تشهد هذه الشخصية السكون ولم تذق طعم الاستقرار منذ الآلف السنين.

ورغم إني لا دراية كافية لي في علم النفس أو الاجتماع إلا بقدر المعلومات العامة فأني لا شعورياً أميل إلى رأي المجموعة الثالثة لأسباب عاطفية ربما، ولكنها لا تخلو من تأمل عقلي وبشكل عام فهذه التحليلات الثلاث لم تأتي من فراغ وهي تشير إلى أن الشخصية العراقية قلقة وغير ساكنة وتتوحد على هذا الرأي كل هذه المجاميع.

وهذا شيء جيد لمن يريد التغيير فذلك يمنحه شعباً جاهزاً يتمتع بحيوية ولكن لماذا الشخصية العراقية قلق وكيف اكتسبت حالة القلق؟

بالتأكيد إن الظروف التي مر بها العراقي عبر التاريخ بقريبه وبعيده وكثرة المتغيرات الحاصلة وتقلب الأحوال السياسية والاقتصادية وما يرافقهما من إنعكاسات اجتماعية وتتابع الاحتلالات الغاشمة عبر التاريخ وتوالي أنواع أنظمة الحكم المتناقضة في المقاصد والسلوك السياسي وطرائق الحك قد ساهمت في عدم حصول الاستقرارية في أوضاع هذه الشخصية التي تعرض في أحوال كثيرة إلى ظلم تاريخي ليس له مثيل من بطش وقتل واستلاب وفي عصرنا الحديث لعبت الثورات والانقلابات العسكرية والمشاكل الداخلية والمنازعات والاحتكاكات القبلية والطائفية والعنصرية دورها في ذلك ولطالما عاش المواطن عقوداً من سنوات القرن الماضي في أجواء المظاهرات والاعتصامات والمسيرات وإعلان الأحكام العرفية وحل البرلمان وتعطيل الصحف وسريان الاعتقالات والمطاردات والنفي والطرد والفصل والعزل والتصفية وإغلاق المدارس والجامعات وسقوط الوزارات وإسقاط الجنسية وشيوع ألوان التخلف وإنعدام الحقوق المدينة حتى جاءنا العقد القريب الذي شهد في بعض السنوات السبعينية استقراراً نسبياً لتبدأ سلسلة هي الأغرب في تاريخ العالم الثالث من الحروب المدمرة للأرواح والنفوس والاقتصاد ساهمت في شرذمة المجتمع وترسيخ الحالة القلقة فيه إلى أعلى مستويات القلق الإنساني والخوف من المستقبل المجهول.

أن القلق مُورِّث أساسي في الشخصية العراقية عبر القرون السالفة وليس قلقاً فردياً يمكن إرجاع أصوله إلى التكوين النفسي للفرد العراقي.

وهذا يدعم انحيازي للنظرية الثالثة كون هذا القلق من الصنف التاريخي الباحث عن التغيير المستمر وعدم الرضا الحاث على الإبداع وهذا ما لم تستطع أن تستوعبه الأنظمة التي مرت على العراق لتنهض بالشعب العراقي نهضة مضاعفة مستفيدة من ميزة الاندفاع لديه والرغبة في التغيير لتصنع منه أعجوبة للشعوب الحرة وكان الذي حصل عكس ذلك للأسف.

أما الصفة الثانية التي ميزت الشخصية العراقية في ظل الظروف التي أشرت إليها فيه لجوئها إلى ما يمكن تسميته بالولاءات القوقعية يختبئ الفرد فيها لحماية نفسه في ظل هذا الولاء الأسري أو العشائري أو الطائفي وغيره من أشكال الولاءات كنوع من التكيف الاجتماعي في مواجهة مختلف الظروف الصعبة وحياتنا المعاصرة تشهد مثل ذلك، وهذه الولاءات المتفرقة المحدودة في المجتمع العراقي طائفية كانت أم قبلية أم قومية أم طبقية أم أسرية أم محلية أم مدنية أم مهنية أم حزبية لم تّكن عبارة عن ظواهر عامة حلت بيننا متجاوزة البعدين الزماني والمكاني بل هي تاريخياً وسائل حضارية توصل إليها العراقي في محاولاته المستمرة للتكيف مع الظروف الاجتماعية والسياسية والوقائع التاريخية التي كانت تنصب عليه.

وكلما ظهرت في المجتمع بوادر مشروع حضاري كبير وشامل كانت أضواء هذه الولاءات القوقعية تخفت وبمقدار ما يغيب المشروع الحضاري تعود أضوائها تسطع وبقوة تعادل اضمحلال ذلك المشروع وإننا لنراها اليوم ساطعة بفضل غياب ملامح مشروعنا الحضاري الذي تتوحد عليه رؤى العراقيين جميعاً بما يكفل تواري الولاءات الثانوية المحدودة إزاءه دينية، عرقية، عشائرية إلى غير ذلك لتحل محلها ولاءات أوسع أفقاً وأكثر شمولاً بحيث تُختزل التناقضات فيها إلى حدها الأدنى وينشط العمل التعاوني على خطوط مشتركة مكتسحاً أشكال مختلفة من الحساسيات الساكنة بإرادة طوعية ذاتية تملأ النفس القلقة بالطمأنينة الحقيقية وتنقذ المجتمع من خطر التمزق والبعثرة الذي يمكن أن تقودنا إليه تفعيل ولاءاتنا الثانوية وإثارة رواسب التحيزات متوهمين إنها انتمائنا الأصيل والأساسي.

إن أخطر ما مر بنا ولا يزال هو دخول الولاءات القوقعية اللعبة السياسية بثقل خطير حتى اتسمت العملية السياسية بطابعها ولا أعتقد بوجود أسوء من ذلك وما خلَّف من مبايعات في المزاد السياسي.

لقد أكدت الفردية والسلبية ترسيخ الفروق والاختلافات وانعدام الثقة بالآخرين وقلة التعاون وشيوع أجواء الكراهية وهذا ما أصبح يعترف بوجوده علناً قادة الكتل السياسية والاجتماعية رغم استمرارهم في الحفاظ على الحدود النفسية والمجتمعية التي تمثل المسافة بين ما يمكن أن نسميه قوقعة وأخرى عن طريق اللجوء إلى مصطلحات تراوح عند القشور دون اللب وإلى المجاملات السطحية لتجنب نشوء نزاع مباشر وعنيف، علماً أن العنف هو أهم المميزات السلوكية القوقعية في معاملة الخصوم نتجت تاريخياً عن تراكم المظالم وتجمع الحرمان وخشية الانتظار لمدة طويلة يعززه الخوف من قوات الفرصة وضرورة شل حركة الخصوم وهذا النزوع يعود في الواقع إلى ماضي سحيق تسلسل في موروثنا أيام السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين وأيام الأمويين والعباسيين وما تلاها ليومنا هذا من أيام السلاجقة والفرس والأتراك وغيرهم فهي داخلة في الموروث التاريخي العراقي أنتج التصفية والاجتثاث اللذين قرأنا عنهما الكثير وشهدنا نماذجها الحية طوال حياتنا القصيرة وخصوصاً النزوع الحالي بقوة وكثافة إلى العنف التصفوي الدموي كما يعبر عن واقعة اليومي بصورة مكشوفة وسافرة.

وهناك صفة ثانية تتميز بها حالة الولاءات تلك هي السلوك المزدوج من العمل المكشوف والعمل السري فالقواقع الكبيرة هذه تخشى بعضها البعض وترهبها الأفعال وردود الأفعال لذا فهي تعمل على نمطين واحد منهما خفي ويعتمد السرية وبذلك يعطي المرونة للفرد وأن المجموعة للاختباء داخل القوقعة قومية كانت أم قبلية أم طائفية كما نشطت لدينا والآخر مكشوف ويعتمد العلنية وهذا ما يتم اللجوء إليه كلما سنحت الفرصة وهذه الصفة من السلوك المزدوج توضح الكثير مما يجري في الساحة العراقية حاضراً ويفسر شيئاً من اختلاف الأقوال عن الأفعال.

لقد أنتجت رواسب الماضي تأثيراتها المختلفة على الشخصية العراقية لعل معاداة السلطة وانتقادها المستمر واحد منها فهذا الموروث يوجب على أي سلطة وطنية قادمة استيعابه والعمل على زرع الثقة بين الحاكم والمحكوم وبث الطمأنينة في نفوس الرعية.

فلطالما مر على أهل العراق عبر التاريخ حكاماً غرباء أجانب ظلموا واستبدوا فقطعوا خيط الصلة بين الشعب وحكامه ولم يوصله مَن تسلط من العراقيين وبذاك استمرت رواسب هذه العقدة وهذا الانقطاع تحرك الشخصية العراقية زارعة فيها عدم الثقة بالحكومات وشيئاً لا يستهان به من الكراهية.

وكان كنتيجة لفترات الحرمان والضغط والاضطهاد والإحباط الذي ما إنفك يطارد العراقيين عبر عصور تلت عصور مجد وعز أن أدت إلى إفقاد الشخصية العراقية المرونة الكافية فهي إلى حد كبير يعتد به متطرفة في التعبير عن أحاسيسها ومشاعرها كانت من جانب الحب أو جانب الكره فهي إذا أحبت مجدت وإذا كرهت أسقطت كلياً نفس الشخوص وذات المواضيع.

كما حثت الظروف التاريخية المسلطة على الشعب العراقي قرناً تلو قرن إلى نزوع الشخصية العراقية نحو الاندفاع المفاجئ في المواقف بانفعالية والانفجار غير المتوقع في أحيان كثيرة بشكل يصعب السيطرة عليه حتى وصف العراقي بأنه مثل نار الحلفة لسرعة الاشتعال والانطفاء أيضاً كما معروف، فهل يكون ذلك بدون توتر داخلي موروث يساكننا ويستفزنا ووجود أكيد لحالة من التربص والاستنفار والمستمر تغذيها مصالح القوقعيات الولائية القائمة في مجتمعنا والتي يمكن أن تنتج النزاعات بكل بساطة لما تبذره في وجدان الأسرة أو العشيرة أو المحلة أو القرية أو المدينة أو القومية أو الحزبية أو نعرات الطائفية المزدهرة اليوم بفعل التسويق والاستخدام السياسي لها من بذور التعصب والتحيز والمغالاة، رغم إن هذه الولاءات الثانوية قد ساهمت بقدر في إنتاج إيجابي لاعتزاز العراقي الدائم بأصلهِ وبكرامته وشخصيته وتفصيلات انتماءاته التي لطالما تفاخر بها وسعى إلى توسيع أبعادها.

إن الحاجة إلى مشروع حضاري كبير وشامل للعراقيين يستوعب كل هذه القواقع الكبيرة داخله ويقلصها إلى الحدود المشروعة المعقولة ويذيب ما كان منها مخالفاً لتطور العصر وحركة التاريخ أمر لا غنى عنه وبه نستطيع درء المخاطر عن الوطن وبه نمنع محاولات تفتيته وتقسيمه.

إن المشروع الحضاري الشامل الذي أشير إليه دون أن أدخل في تفاصيله كان يمكن للدستور العراقي إن يكون واحداً من أطروحاته ورغم إن الكثيرين ممن ساهموا في كتابته كان ذلك حاضراً بالتأكيد في أذهانهم إلا إن التعامل مع الدستور الجديد والترويج له والتصويت عليه لم يتم بروح المشروع الحضاري وإتمام وفق روح القوقعة التي أشرنا إليها وهذا ما فسر اقترابه من السقوط في موضوع الثلاث محافظات ونجاحه المطلق في أخرى.

بصراحة لقد جُندت النعرة في العراق سواء من جانب الترويج أو الإسقاط لمشروع حضاري وسياسي للعراق يمثل عقداً اجتماعياً فريداً بين مكونات مجتمعه، كان ينبغي منح الفرصة الكافية أمامه للتوصل إلى أقصى حد من التوافقات الاجتماعية من خلاله، وأريد تجنب انتقاد سرعة الإعداد والتصويت لأن الظروف التي يمر بها العراق كلها على بعضها غير طبيعية واستثنائية إلا أني أشيد بالتوافق على فتح باب التعديل والإضافة فبذلك نصر العراقي نفسه.

أنا بالطبع لا أدعو إلى إلغاء جميع الولاءات الصغيرة ونهائياً أمام ولاء الوطن وهي لو كانت قابلة للإلغاء أصلاً لتلاشى بعضها بهذا الظرف أو ذلك عبر التاريخ إلا أني أدعو إلى تكييف بقاءها في خدمة الولاء الأكبر من ناحية وتواجدها ضمن أطرها الطبيعية فتضخيمها كارثة بلا شك خصوصاً إذا أُخذ الفعل ورد الفعل حيزه من خلالها.

العراقي يؤلف في وجدانه الباطني سلماً من الولاءات تتغير على درجات السلم في حركة دائبة من الصعود والهبوط فتارة الأسرة والعشيرة تتقدم وتارة الطائفة الدينية أو النزعة القومية فوق كل اعتباره وتارة الوطن لا يتقدمه متقدم.

وهكذا على هذه الحركية القلقة يولد العراقي وبها يترعرع ويكبر وفي حِلها وترحالها يتزوج ويربي أولاده وفي نطاق حركتها القلقة يَموت.

هذا الولاءات ينبغي أن تثبت وأن تأخذ حجمها الطبيعي دون ورم مرضي وإن تأخذ تسلسلها المنطقي ولن يفعل فعله إلا غراء جيد ومذيب قوي وهل يقدم ذلك إلا إيماننا الموحد كعراقيين بمشروع واحد يحرك الوعي التاريخي وينفض عن العراق ومجتمعه غبار التخلف.

الغراء الجيد كي لا يتقدم على وئنا للعراق ضمن حالتنا الاجتماعية بخصوصياتها أيٌ من ولاءاتنا الثانوية.

والمذيب لإزالة حالة التكلس التي تسببت في التحجر المذهبي الطائفي والعشائري القبلي والعنصري القومي والإيديولوجي الشمولي وكل ما يضر بالوحدة العراقية الوطنية وأن تأخذ هذه الحالات أبعادها الإنسانية المقبولة.

فالإسلام لا يدعو والقبيلة لا تدعو والقومية لا تدعو والفكر الإنساني الوضعي لا يدعو إلى ما نصنعه من تكييف وتحجير لهذه القيم السامية الإيجابية.

لذا علينا إن نزيل الرواسب نوقف التجني ونكشف الوجه الحقيقي لها ونكسبها حركتها اللازمة لا إن نضعها في قوالب جامدة في خدمة أغراض ومصالح ذاتية محدودة.

هل من المنطق في شيء إن طائفتين مسلمتين كبيرتين في العراق لديهما أحزاب سياسية إسلامية لا تتوحد على برنامج واحد وكأن الإسلام إسلامين وليس مشروعاً إلهياً واحداً.

لقد أبت المهازل إن تجد أباً لها غير الطائفية في العراق..

قيل سيقبل العراقيون جمجمة العرب أن ينحسروا داخل قوقعة الطائفية.

حاشا لهم أقولها بثقة فهيهات تكتم في الظلام مشاعلٌ والعراقيون أهل انتفاضة دائمة نحو الأفضل لا نحو الأسوء.

لقد كان دائماً للواقع الموضوعي الضاغط وسرعة المتلاحقات الكبرى في حياة العراقيين أثراً كبيراً في تأرجح الخط العام لمسيرة المجتمع في العراق وصعوبة اختيار الدرب الذي يقوده إلى مشروعة الحضاري، أما على الصعيد الذاتي فالقوى الاجتماعية تمارس ضغوطها الهائلة فيه بمختلف الأشكال والاتجاهات والصيغ وبكل ثقلها وتحالفاتها لتفرض اتجاهات لمسيرة المجتمع بما يتفق مع تكوينها القوقعي ومصالحها الذاتية والفرد العراقي ما بين هذه وتلك بين فكي الرحى.

ورغم إن مسيرة الحياة تتقدم بكل الأحوال للأمام، إلا إننا نخسر عنصر الزمن المهم جداً في عالم اليوم ونخسر من دماء العراقيين الكثير ونضيف إلى رواسب الشخصية العراقية رواسب إضافية.

فما يحصل في العراق اليوم بين الضغوط الخارجية الهائلة وتوجهات قوى التقوقع الذاتي نحو مصالحها ودعوتها للمواطن للتقوقع ضمنياً داخل إطارها الضيق جداً إذا قيس بأفق الوطن اللا محدود مستفيدة منه في تمتين أوضاعها الخاصة وكسب صوته والاستفادة من حشد أكبر قوة بشرية مساندة والتلويح به أمام الخصوم.

ولغرض جذبه يستعمل له غالباً الترويع والتخويف من ضياع الفرصة وتسلط الأعداء وحركة الخصوم الوهمية وفقدان الفرصة التاريخية إلى آخر ما أنشأ من بوادر انقسام اجتماعي خطير يضع العراقيين اليوم على المحك ويمتحن وعيهم التاريخي.

إن الفرد العراقي الطبيعي الذي لا ترتبط مصالحه الفردية الأنانية بأي مصالح قوقعية يقاوم بطبيعته وباللاشعور أي محاولات تؤدي إلى إنغلاق شخصيته وانعزاليتها لأن هذا يجافي النزوع التاريخي الموروث فيه نحو التغيير والانعتاق ويؤدي به إلى المزيد من القلق والتوتر اليومي حيث يسبح في عوالم نفسية متناقضة يقوم الولاء في أحدها على مقاومة الولاءات الأخرى.

ولكن إذا ما تحرك خزين الوعي فسرعان ما يجره نحو التسامي على الأنانيات والضغائن التي تحفزه عليها رواسب التحيزات القوقعية ويعمل على تفتيح شخصيته التي تتكشف دائماً عن لؤلؤة ثمنية، هي أخوة المواطنة، إذا هذا هو الدور السيئ الذي تلعبه القوقعة وعلينا كي نتخلص من الواقع المرير الذي تسحبنا إليه عن طريق الأكذوبة والوهم والاتهام والإثارة والإشارة والتعلل بأفعال قوى الواقع الموضوعي الضاغطة أيضاً بدون توقف من خلال سعيها وإمدادها اللوجستي الواسع لحشر المجتمع داخل هذه القواقع وكل متجبر منها يحلم بليلاه وليالي بعضهم تصفيات دموية.

إذاً لا أقول بإستعادة الوعي الاجتماعي لأنه موجود بل انتفاضة الوعي الاجتماعي التاريخي في وجدان وعقل الفرد العراقي هو الحل.

وحين ينتفض الوعي ويتسامى تتحطم أطر الولاءات القوقعية.

وحتى يتحول العراقي جذرياً إلى الشمول، لا بد من تقديم أسس المشروع الحضاري الموحد حيث الولاءات الثانوية روافداً في نهر العراق الكبير نهر المواطنة الحقة نهر الوحدة والمحبة والتسامح المفقود في حياتنا.

إذاً انتفاضة الوعي والمشروع الحضاري هما الحل وهما السبيل وهما البديل.

وفي عودة إلى واقعنا الراهن نجد إن الطائفية والقومية والقبلية والحزبية وغيرها من القواقع الرئيسية نجحت في إحراز تضخيم لواقعها، إلا إنها بالمقياس العام لمِا قد توقع آخرون حدوثه قد فشلت فشلاً ذريعاً بتقديم نفسها كبديل للحل الحضاري يمكن للعراقيين تبنيه والاقتناع به.

ولعل التفجير الاستفزازي لمرقدي الإمامين الجليلين في سامراء المقدسة كان بمثابة الامتحان الأكبر الذي نجح فيه الشعب العراقي بجدارة وأثبت حضارية عالية لإعداءه ونبه القوى الداخلية التي ترهن وجودها بهذه الولاءات القوقعية وأولها الطائفية إلى إن عليها أن تعمل باتجاه آخر.

لقد عرك العراقيون عزيمتهم ووعيهم وهم ماضون اليوم أكثر فأكثر نحو الحقيقة.

وفي السنوات الثلاث الماضية التالية للاحتلال التي تميزت بغياب شكل ديمقراطي للحكم وغياب حياة حزبية رصينة ومتجذرة وغياب الولاء لشخصية البطل الفرد الراسخة في الوجدان الشعبي، فقد طفت فيها الولاءات الثانوية على السطح بعد زوال النظام الحاكم الذي كان له دور في تحجيم الكثير منها في منتصف السبعينات عندما كان لديه برنامج كبير وذو ملامح بغض النظر عن تفاصيله، ليعود ذاته لتكريس بعضها في منتصف الثمانينات والتسعينات ولتنكشف على السطح بعد زواله لاعبة أسواء التقديرات أثناء سعيها الدؤوب لليهمنة على خط مسار المجتمع وتكييفه نحو مصالحها، لكن بدخولنا السنة الرابعة التي شهدت بدايات النصف الأول منها تصعيداً يقصد منه جني مكاسب ذلك التضخيم الوحشي للواقع الطائفي بالذات فإن الخط البياني بدأ يقرأ انحسار الخط القوقعي لصالح مسار المشروع الحضاري المنفتح الذي لا بد أنه سينتصر في النهاية إذا أخذنا معيار الوعي التاريخي الدفين لدى الشعب العراقي وانحسار الغبش، وذلك سر الشخصية العراقية.

 

 

بغداد ـ آذار 2006