العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

جنة عدن وطوفان نوح

الاب سهيل قاشا
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

"وكان نهر يخرج من عدن ليقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير اربعة رؤوس"

لقد تتبعت آثار الأنهر الأربعة التي ورد ذكرها في الفصول الأولى من سفر التكوين مبتدئاً من البقعة التي ذكرت التقاليد الاسرائيلية انها كانت (ابواب الجنة) ومستعيناً بالخرائط والمستويات التي توضح طوبوغرافية البلاد، فظهر لي ان الفرات يدخل دلتاه من نقطة تقع على بعد بضعة اميال جنوب بلدة هيت عند "ابواب بابل" حيث تركت حملة كورش الصغير المؤلفة من عشرة آلاف جندي، الصحاري ودخلت السهول الدلتاوية المنتهية بخليج العرب. والذي اطلق عليه السائر نحو الجنوب في اتجاه الفرات اسم "ابواب بابل" هو الذي سماه الأسرى اليهود الذين جيء بهم الى سهول بابل "ابواب الجنة".

والحوادث التي ورد ذكرها في الفصول الأولى من سفر التكوين وقعت في ارض لا تجود سماؤها بالأمطار، فكانت تعتمد كل انواع الحياة فيها على الري الذي هو اقدم علم عرفه الانسان (الرب الاله لم يكن قد امطر على الأرض الا انه كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض تك 2: 5 و6).

ومن البديهي انه لا يمكن ان يؤمن الضباب المذكور، مهما كانت الحالة اولية؛ نمو الأشجار وبقاء الحدائق فلا شك اذن في ان المراد بالكلمة الأصلية التي ترجمت بالضباب (الارواء السيحي) المقابل للارواء (برجل المرء) او (الارواء بالواسطة): وقد سالت الأستاذ المحترم سايس عن هذا الموضوع فأخبرني بأن هذه الكلمة لم ترد في اي مكان آخر في العهد القديم ومن المعقول ان يكون المقصود بها هنا هو (الري السيحي) . ولما كانت مصر والعراق وهما اقدم البلاد المتحدثة في العالم، واقعتين على حافة صحاري بلاد العرب فمن المظنون جداً ان تكون اقدم الأقوام قد استوطنت هذين القطرين انما نزحت اليهما من بلاد العرب.

وكان ظهور الجنس البشري على وجه الأرض اول مرة في مناطق حبتها الطبيعة بنعمة الغيث الوفير الذي يكفي لتغطية وجه الأرض بالعشب والغابات. وهذه الغابات هي التي كفلت بقاء الجيش البشري وحافظت عليه من خطر الوحوش الضارية المحدقة به، اذ كانت بمثابة الملاجىء الطبيعية التي تقيه عدوان هذه الوحوش وشرها. وكان تنازع الانسان البقاء المستمر في مثل هذه البيئة القاسية بالغاً اشده، فلم يكن لدى الانسان الأول متسع من الوقت ليقوم بعمل اساسي في تقدم الحضارة. على ان الحالة تغيرت كثيراً عندما نزح الانسان الى الواحات الكائنة في الصحاري او الى السهول الواقعة على ضفاف الأنهار كالسهل الواقع بين عانة وهيث في اعالي الفرات اذ اصبح في مقدور الانسان في هذه البيئة الجديدة ابادة هذه الوحوش الضارية التي اخذ عددها يتناقص نتيجة كفاح الانسان لها بينما انعدم المورد الذي كانت تأتي منه في الصحراء.

وكان القضاء على هذه الوحوش سبباً في ان يكون لدى الانسان متسع من الوقت ليعمل في سبيل تمدنه وتقدمه العمراني.

العرب الذين كانت مساكنهم تمتد من مصب النيل الى هيت الواقعة على الفرات. وقد فاه بهذه العبارة الكاهن الوثني الذي كان يسكن الفرات والذي كان استعراضه لأحوال العالم الآسيوي الغربي وديانته مصدر وحي لبني اسرائيل.

لم يترك لنا العرب القدامى الذين سكنوا الخيام واتخذوا آنيتهم من الطين، من الآثار ما تركه لنا المصريون والبابليون ولكن بلاد العرب قذفت من اعماقها المحرقة بأبنائها الأشاوس الذين كانوا اول من اخضع سهول النيل والفرات. ومن السهل معرفة السبب الذي من اجله تفوق سكان سهول الفرات على منافسيهم سكان سهول النيل وذلك لأن كل شيء في مصر سهل يمكن الحصول عليه بدون جهد وعناء، فالنيل (ملك الأنهر) كان ولا يزال يجري ويفيض على غاية من الانتظام والوقار وهو يحمل في كل عام كميات معتدلة من الترسبات ولأجل هذا فانه لا يخلق للذين يسكنون ضفافه مشاكل صعبة. وارض مصر، جنة الله، خصبة جداً، وذات مناخ رائع في الشتاء ومعتدل في الصيف، لهذا كله فان مصر لم تنتج افكاراً عالمية ولم يكن بين ابنائها من اتصف بالنظرة الواسعة بحيث تكون له عيون تحدق من السماء الى الأرض ومن الأرض الى السماء.

اما الحالة في العراق فتختلف عن مصر كثيراً، فالسيول الجارفة التي تملأ حوض دجلة والفرات في موسم الفيضان يحتاج التغلب عليها وضبطها الى قوة خارقة. ثم ان اراضي العراق خصبة جداً الا ان شتاءه قاس جداً في حين ان الصيف شديد الحرارة فيه، وطويل الأمد، ونسبة الفرق في درجة الحرارة في الظل كنسبة الفرق بين 20 درجة و120 فهذه المدرسة القاسية التي نشأ فيها سكان بابل هي التي اوجدت فيهم هذا الارهاف في الحس والقابلية الفكرية العظيمة.

وعندما اتجه الساميون القدماء (او الأكاديون) كما كانوا يسمون انفسهم، اسلاف عرب الشمال، وفي ضمنهم بنواسرائيل الى الفرات تاركين وطنهم الأصلي الذي تتوفر فيه الأمطار الموسمية المنتظمة ودخلوا السهوب الواقعة في شمال بلاد العرب، كانت الواحة الأولى التي واجهوها في طريقهم هي البقعة الكائنة بين عانة وهيت. والفرات في هذه المنطقة يمر اليوم بسلسلة من الشلالات غير المنتظمة فيستخدم التيار المتكون منها في تدوير النواعير الكبيرة التي ترفع المياه فتسقي الوادي الضيق الذي ينتهي بالصحراء. وقد كانت هذه البقعة ولا تزال ملأى بالحدائق والبساتين تتخللها حقول الذرة او القطن. وليس هذا بالأمر الغريب فالحياة والرخاء يتوفران حيث تتوفر المياه. واليوم بعد هبوط تلك الشلالات - ذلك الهبوط الذي لاحظ نموه المطرد كتّاب عصر اوغسطين - اصبح من الضروري الاستعانة بالنواعير في ارجاء تلك البساتين والحدائق. وتدل الطبقات الرسوبية التي نلاحظها في النهر فوق منسوب اعلى الفياضانات الحالية ان المياه كانت منذ زمن غير بعيد تؤخذ بالطريقة السيحية من مقدم الشلالات فتروي بها البساتين التي كانت واقعة جنوب هذه الشلالات والتي كانت بعيدة عن اخطار الفيضان. هكذا كانت جنة عدن الوارد ذكرها في العهد القديم.

واليوم عندما ننحدر في اتجاه الفرات فأول شيء نواجهه في هذه البقعة هو النخل ذلك الشجر الذي يعتبره العالم العربي بأجمعه حتى ايامنا هذه، رمزاً للحياة. (ومن الجدير بالملاحظة ان العادة المتبعة في جميع بلاد العرب هي ان من يغرس نخلة فانه يكون مالكاً لها حتى ولو كان هذا الغرس في ارض تعود الى غيره او في ارض ملكيتها عامة) وكانت هذه البقعة الممتدة من الفرات الى دمشق ملأى بحقول الحنطة الكثيفة التي كانت تنمو بطبيعتها.

استهدفت اثناء اقامتي في العراق مدة ثلاث سنوات دراسة نهر الفرات من منبعه الى مصبه لأصل الى معرفة مكان الجنة التي يمكن تأمين وصول مياه السيحة اليها خلال الاثني عشر شهراً من السنة؛ فظهر لي انه لا يوجد في المنطقة الواقعة جنوب هيت مكان يمكن ان تتوفر فيه الشروط المذكورة سوى الأراضي المستصلحة في منطقة الأهواز قرب خليج العرب، جنوب الناصرية، بجوار مدينة "اريدو" القديمة حيث كانت عدن السومريين التي سنتكلم عنها بعد قليل. والدليل على ذلك ان الأراضي الواقعة بين هيت و منطقة الأهواز التي تبدأ بمدينة الناصرية شمال مدينة اور الكلدانية لا يمكن ان تؤمن لها الحياة الزراعية المستديمة طوال السنة في ذلك الوقت لأن القسم المنخفض منها كان يسقى سيحا في فصل الصيف بسبب هبوط مستواه بالنسبة الى منسوب ماء النهر. اما في فصل الشتاء فانه يصبح معرضاً لخطر الفيضان. والقسم الذي لا تصله المياه الا في موسم الفيضان بالنظر لارتفاع مستواه بالنسبة الى مستوى النهر فانه لا يمكن ان تؤمن له المياه المطلوبة للزراعة في فصل الصيف. وعلى هذا فاننا اذا سرنا جنوب هيت لا نجد منطقة تصلح للارواء المستديم طوال العام حتى نصل الى منطقة الأهواز المذكورة.

(وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة ومن هناك ينقسم اربعة رؤوس) وكانت هذه الجنة حديقة غناء مليئة بالنخل الذي لا يزال يعتبر حتى يومنا هذا شجر الحياة كما انها كانت مليئة بأشجار الكروم، اشجار المعرفة التي حرّم اكل ثمرها. والتربة والمناخ هنا يصلحان بطبيعتهما لنمو الأشجار المثمرة على اختلاف انواعها، كالنخل وشجر البرتقال والخوخ والاجاص. غير ان النخل يعتبر من اهم ما تنبته هذه الأرض وذلك لأن زراعته لا تحتاج الى جهد كبير كما يقول المثل "اغرسه في الماء واتركه فهو ينمو بطبيعته". وينقسم النهر جنوب جنة عدن الى اربعة فروع رئيسية، يسمى الأول "فيشون" ويشمل هذا منخفض الحبانية وابا دبس الواقعين بين الرمادي وكربلاء، واللذين تغمرهما مياه الفيضان. وكان الاعتقاد السائد قديماً ان هذين المنخفضين متصلان، ولكن المسح والتسوية اللذين اجريا اخيراً اثبتا خلاف ذلك. وقد وضعت تصميماً لربط هذين المنخفضين واستخدامهما كمخرج لسحب المياه الزائدة اثناء الفيضان وتخليص البلاد من اخطار الغرق. وبمقتضى هذا التصميم يمكن ايضاً خزن هذه المياه الزائدة للاستفادة منها لأغراض الري. وقد بوشر بتنفيذ هذا المشروع. وكان البابليون يعتقدون ان نهر نيشون، هذا يشمل كل "ارض الحويلة" وهي المنطقة الواسعة التي تمتد من حدود مصر الى بلاد آشور وذلك لأنهم شاهدوا في جوار هذه المنخفضات مئات من الأميال المربعة من الصحراء وهي مغطاة بالماء فظنوا ان هذه المياه تمتد الى مسافات طويلة في جزيرة العرب. ويرى الناظر اليوم في هذه المنطقة طبقات كثيفة من المحار "الصدف الفراتي" تغطي وجه الأرض من حدود النهر الى مسافة تبلغ 50 ميلا داخل حدود الصحراء. والنهر الثاني جيحون - نهر الهندية الحالي- وهو "نهر خابور" الذي دُفن النبي حزقيال في احدى ضفّتيه. وقد اطلق عليه في سفر عزرا اسم (اهورا). اما في زمن الاسكندر فكان يسمّى (بالاكوباس) وكان يسمّى في اوائل عهد الخلافة الاسلامية نهر الكوفة. وهذا النهر يشمل كل منطقة كوش الى نمرود الذي تبدأ ممكلته في بابل واوروك واكاد وكلته الواقعة في سهل شعّار. وكان يطلق اسم (كوش) في زمن موسى على بابل. اما في عصر الانبياء فكان يطلق هذا الاسم على اثيوبيا ولا شكّ ان (جيحون) كان يملك كل اراضي كوش في زمن موسى وقد حكم الكوشيون هذه الاراضي مئات السنين. والنهر الثالث كان يعرف باسم (حداقل) و(دقل) و(دجلة) وهو فرع الصقلاويّة الحالي. ويبلغ عرض هذا النهر 250 قدماً امّا عمقه فيبلغ 25 قدماً. وهو يشبه في جريه مصنع القناة التي تدير الطاحونة. امّا اتجاه جريه فانه ينحدر اولاً نحو منخفض عقرقوف ثم يمر من هناك فيصب في دجلة قرب بغداد. وهذا النهر لو ترك وطبيعته فان في امكانه ان يزوّد دجلة باكثر من نصف مياه الفرات. ولا شك ان الاقدمين كانوا يعتبرونه المنبع القديم لدجلة اما اعتقاد البابليين "بانه الجاري شرقي آشور" فهو في الحقيقة نصف مطابق للواقع تماماً.

والنهر الرابع الفرات وهذا النهر غني عن التعريف فهو نهر بابل نفسه.

وكما نقل البابليون المستعمرون اسم دجلة البابلي معهم الى نينوى كذلك اطلقوا بلا شك بعد مضي ازمنة طويلة اسم نهر بابل على المجرى العظيم الذي كانت ضفافه مهداً للجنس البشري. فكان هناك اسمان لنهرين احدهما الفرات والاخر دجلة.

سبق لي ان ذكرت ان مستوى الماء في المنطقة الواقعة بين عانه وهيت قد هبط في الخمسة آلاف او الستة آلاف سنة الاخيرة حتى اصبح من المتعذر ارواء الجنائن الواقعة في تلك السهول بطريقة الري السيحي كما كان الحال سابقاً وغدا من الضروري استخدام النواعير لتامين ارواء تلك الاراضي القديمة. اما الهبوط الذي حصل في مستوى الماء في دجلة فكان عظيماً وفجائياً. فقد بلغ في شمال سامراء 40 قدماً في الخمسمئة سنة الاخيرة وبذلك تحوّلت الجنائن الخضراء التي كانت تروى في هذه المنطقة الى صحاري قاحلة.

ويرمز بآدم الى الذكور من البشر ويرمز بحواء الى الاناث منهم، كما يرمز بقايين الى طبقة الفلاحين وهابيل الى طبقة الرعاة. وهذه هي الطريقة الشرقية في تسجيل الحقائق او سرد الحوادث فقولهم "كوش ولد نمرود" معناه ان الاسرة البابلية اعقبت الاسرى الكوشية وان نهر بابل اعقب نهر كوشا المتشعب من الفرات. فلو اردنا ان نعبّر عن استقلال الولايات المتحدة بلغة العهد القديم لكان علينا ان نقول: "ان جورج الثالث ملك انكلترا ولد جورج واشنطن الذي ابتدأت دولته في بوستون ونيويورك وفيلادلفيا وسافا".

وكان اول السكان الساميين المتحضّرين الذين استوطنوا البقعة المحصورة بين عانه وهيت، يعتمدون في حياتهم على الري. ولكن هبوط الشلالات في تلك المنطقة حرمهم من المياه التي كانت تروي جنائنهم واستحالت اراضيهم الزراعية الى صحاري قاحلة فاضطروا الى مغادرة ديارهم والاتجاه شرقاً غير انهم لم يجدوا سوى منطقة مليئة بمنابع القار والنفط وهي منطقة محرقة وموحشة تقع شرق مدينة هيت وقد تراءت لهم هذه المنطقة كأنها اصيبت بلهيب سيوف سيرافيم المظاظ.

 

الأب سهيل قاشا