العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

دكتاتورية الديمقراطية

السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 
New Page 2

لازالت أدارة البيت الابيض ورغم كل الفشل والانهيار الذي منيت به قواتها العسكرية على ارض الرافدين تسوق المشروع الامريكي بانه تجربة ديمقراطية ولازال الذين ارتبط مصيرهم من العرب والعراقيين بالاحتلال كونهم جزء من مشروع الغزو وادواته يرددون وجود الديمقراطية قبل التحرير  ،  وبات العالم كله يدرك حقيقة هذا المشروع الاستعماري الذي هو تتويج لنظرية القوة الوحيدة في العالم كونه جاء خارج الشرعية الدولية  ، وكشف زيف الادعاءات الامريكية التي ساقتها لاجتياح العراق ، وان عملية احتلال العراق هو نقطة البدايه في مخطط تغيير المنطقة والسيطرة عليها والهيمنة على مقدراتها .

لكن هل حقا كانت هناك انتخابات جرت في اجواء ديمقراطية ام هي أساليب ذر الرماد في العيون تجري ضمن الاساليب الدعائية الامريكية لتزييف الحقائق من جهة وتحويل الراي العام من جهة اخرى .

أن ماجرى من عمليتي الانتخاب لحكومة مؤقتة واخرى دائمة والاستفتاء على الدستور بتوقيتات زمنية لم تتجاوز سنه واحده كانت باصرار الرئيس بوش على اجراء الانتخابات رغم كل الطلبات بتاجيلها والتي منها جهات سياسية مؤيدة ومشاركة بالعملية السياسية ومن بعض القادة العسكريين الامريكان ، كان هدفها الرئيسي هو التاثير على الراي العام الامريكي الذي اخذ يتصاعد تجاه سحب القوات لتزايد اعداد القتلى وليس أجراء عملية ديمقراطية سليمه وصحيحه تتم في مناخ سياسي ملائم يسوده الاستقرار والعداله والقانون حيث ان عملية احتلال العراق المرفوضه والمناهضه من الشعب العراقي على امتداد جغرافيته  خلقت فصائل مقاومه عسكرية عديدة  سيطرت  على مناطق باكملها  ولرفض هذه الفصائل العملية السيلسية التي ارادها المحتل  لم يتسنى لابناء هذه المناطق المشاركه في الانتخابات ، كما ان سياسة قوات الاحتلال بحصار بعض المدن وعمليات القصف التي تتعرض لها والمداهمات والاستياء الشعبي من ممارسات الاجهزه الامنيه وسياسات الحكومة الطائفية ادى الى عزوف الملايين عن المشاركة في الانتخابات احتجاجا على هذه الممارسات والتي كانت في حقيقتها مقصوده لاخراج ابناء هذه المناطق المناهضه للاحتلال من المساهمه بالعمليه السياسيه وحصرها في المناطق التي تهيمن عليها الاحزاب المرتبطه بالمشروع الامريكي

ان الاسلوب الذي جرت به  الانتخابات باعتماد القائمه المغلقه التي تضم عشرات الاسماء لم تتيح للناخب العراقي التعرف على من يريد ان يمثلوه في البرلمان وبذلك فان اغلب الاسماء تكون قد فرضت عليه دون ان يكون له أي دور باختيارها ، مما ترتب عليه ولادة برلمان هزيل ومشتت غير قادر على اتخاذ القرارات المصيرية ولدت عنه حكومة خاضعة لارادة المحتل ، وهذا النظام الانتخابي بالقوائم المغلقة لم يعمل به الا في الكيان الصهيوني .

وكان للاحزاب التي جاءت مع الاحتلال بكافة انتماءاتها الطائفية والعرقية الدور الكبير بالتاثير على الناخب باستخدام الدين بشكل واسع واستغلالها لمنابر الصلاة بل تعدى الامر الى صدور فتاوى الحلال والحرام بالتصويت للقوائم و تعززت كذلك الروح العرقيه لشرائح واسعة من المجتمع جراء الاسلوب الدعائي للاحزاب، كما ان الدعايه الضيقه التي استخدمت من قبل هذه الاحزاب بترهيب الناس من هيمنة جهة معينة على السلطة بغية ترغيبهم بالتصويت لصالحها ا ادى الى تطويع الراي العام واستمالته لمشاريع فئويه ضيقه  تكون قد فرضت عليه دون ارادته ، وكان لعمليات التزوير التي كشفت عنها القوات الامريكية ووجود المراقبين الدوليين على الساحة الاردنية لسوء الوضع الامني في بغداد الاثر الكبير في فرض النتائج التي كانت تاتي في غير مصلحة المواطن .

ان مايسمى بالتجربة الديمقراطية التي جاءت في ظل الاجواء السياسية المتازمه والمعقدة والاوضاع الامنية غير المستقرة واساليب التزوير والغش والخداع التي مارستها الاحزاب على الناخب العراقي هي ديمقراطية في ظاهرها وديكتاتورية في باطنها كونها جاءت وفق سياسات المحتل ومتطلباته ومن خلفه الاحزاب التي كان جل همها الوصول للسلطه وليس متطلبات الفرد بالاستقلال الوطني والعيش الرغيد  والعداله الاجتماعية ، فلا يمكن ان تكون حرية مع وجود الاحتلال ولا يمكن ان تكون ديمقراطية بدون الحرية  .

 

عبد الرحمن هزاع

كاتب صحفي عراق