في الطائفية : الدين إبداع إلهي. الطوائف إبداع إنساني.

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : نصري الصايغ
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

ليس في لبنان ديانات. قد يكون العالم كله محكوماً بهذا الحرمان. الديانات تقيم في النصوص، أما النفوس، فإنها ابتدعت الطوائف والمذاهب والطرق والمسائل، للتعبير عن إيمانها.

لا ديانات في لبنان، بل طوائف ومذاهب، والمؤمنون يزاولون طقوسهم ومعتقداتهم وفق طوائفهم.

الدين إبداع إلهي. الطوائف إبداع إنساني.

النص الديني، اكتمل لدى الجميع. الإنسان أضاف إليه بدعته الخاصة، فتعددت وتلونت واختلفت وتناقضت. هكذا كان منذ البداية. وهكذا سيظل إلى النهاية. الدين بلا طوائف لا يتمظهر. لا يتجسد، لا يعرف طريقه إلى النفوس. الدين مطلق والإنسان نسبي، لا يتعايشان، لذلك، ابتدع الإنسان ما يناسبه من الدين، فكانت الطائفة أو الطائفيات.

إذا كان الله وحي النصوص، فإن النصوص الدينية هي الوحي الحسي للنفوس، إذاً كل من أراد أن يكون مؤمناً، عليه أن يلج إيمانه من خلال طائفته.

حسناً، أين المشكلة إذاً، إن كنا كلنا طائفيين على مستويات الإيمان والطقوس المصاحبة والفروض والواجبات؟

لا مشكلة في هذا المستوى، إلا إذا اقترن التطبيق بالتعصّب، باحتكار الحقيقة الإيمانية باعتبار المختلف كافراً أو زنديقاً أو منافقاً أو هرطوقياً. الطائفي في طائفته، نموذج التحقق الديني في الفرد. الطائفي الذي ينظر إلى طائفي مختلف عنه في الدين والمذهب نظرة عداء أو تفوّق أو احتقار أو نظرة تكفير وازدراء ومن ثم، يجهز نفسه بحق معاقبة المخالف، ضمن سلم فهم خاص به، هذا الطائفي، خطير، لأنه يتحول من ممارس لمقتضيات فهمه الإيماني، إلى ديان يمارس افتراءه باسم معتقده، ضد من يخالفه العقيدة، في طائفة أخرى.

لا مشكلة في الطائفية إلا إذا حاولت أن تصير بنية، تنقل إلى مستوى الاجتماع، نظام النعمة والخطيئة، الحلال والحرام، الحق والباطل، الإيمان والكفر، عندها تتحول الطائفية، من تمظهر للدين في سلوك جماعي، إلى تمظهر يخترق مؤسسات الدولة الحقوقية والقضائية والأمنية والسياسية. الطائفة الديانة طغيان ودكتاتورية. المشكلات اللاهوتية والكلامية متحصنة في بنية المعتقد الطائفي. لكل طائفة مدرسة وعلم وقواعد. لكل طائفة زعماء روحيون، ومراجع دينية.. المشكلة ليست في هذا الثراء المعرفي، ولا في هذا الجهد العقلي الرائع، في ارتياد المدى الإلهي، لمقاربته فهماً وتخيلاً وتصوفاً. لا مشكلة أبداً، في توسيع الفهم اللاهوتي وارتياد الأبعاد الميتافيزيقية، التي أكسبت البشرية ثروات هائلة في الفكر الديني المتعدد والمتفاوت، والفكر المضاد المتعدد والمتفاوت. الفلسفات في أعماقها البعيدة، أسئلة تلتقي مع هواجس المؤمن، وقلقه الإنساني، وفزعه الكبير، وأفراحه المترعة. الفلسفة، كأمّ حاضنة للحرية، رادت عالم الألوهية، ولم تقصر جموحها على الجسد وما يقيم فيه، وما يحيط به من جغرافيا وأكوان.

بل، لعل بين الفلسفة والأديان، مشقة أخوة، ومتعة نزاع، واختراقاً لمسلمات يعافها العقل، بعدما يعتاد عليها. الفلسفة تفجر. تنقل الكلام من النقيض إلى النقيض. تهز القناعات وأحياناً تلغيها. تدخل مع الدين في منافسة عقلية. ولا يستقيم دين بلا فلسفة. ولا قوام لطائفة بلا تفلسف. الطائفية، تفلسف خاص، بعدي أو قبلي، بالدين.

كلّ تشيع لمذهب، قوامه تشيّع لطريقة عقلية في فهم الدين. إذاً، التفلسف قاعدة التمذهب. التسليم، قاعدة الإيمان. وقلما نجد تسليماً بلا تعقل، تعقل وتطيّف. تلك كانت البدايات. ثم رست الطوائف على التقليد، فلا فلاسفة ولا تعقل. بل محاولة إعادة إنتاج معتقدات السلف، ونقلها، بنصوص مختلفة، إلى الخلف.

على أننا في لبنان، لا ننتمي إلى سبط الطوائف المقيمة في أحضان الفكر والفلسفة، إننا ننتمي إلى ميراث طائفي، لا يقيم فيه الفكر إلا قليلا. ينأى عن النقد كثيراً، لأن المذاهب، أضفت على نفسها صفة المقدس، وأحياناً قدست نفسها أكثر من أصولها.

الطائفية، لم تعد مذاهب فكرية. لا جديد فيما تقدمه، باستثناء الفائض في فقه السلوك، الذي يثير طعم المرارة. ألهذا الدرك وصل مستوى التفكير، حيث باتت المكتبة الدينية، تفيض بالغث من الكلام المهترئ والمتخلّف، فيما نضبت عن رفوفها، أصالة الإبداع ورغبة التجديد؟

المذهبيات الدينية توقفت عن ريادة المجهول. اقتنعت بتجديد الإقامة في المستنقع. يراودها البحث الدائم عن الجذور . التاريخ مشتهاها. تاريخها سجنها ومكان إقامتها. تعيد كتابة تاريخها وفق إلحاح تأكيد صوابية خياراتها الآنية، الماضي يجتاح هذه المذهبيات. إنها تتزين بقيود الماضي وسلاسله.

المذهبيات الدينية، بلا عقل اليوم. هي مستقرة في سلفية ذهنية. التقليد أفضل ما تعتقده. فقدت الجرأة والمجازفة وريادة الفكر. قصرت رياضتها على التنزه في الكتب لإعادة تأكيدها وفق ما يحتاجه وضعها الراهن.

لذلك، يبدو الطائفي في لبنان، ليس وارثاً لثقافة تتجدّد، بل وارثاً لثقافات تتردّد. يفقد صفة الأصالة في أصوليته. الأصالة ضد الأصولية. الأصالة تفوق المستقبل على الماضي. لا يحتاج الماضي إلى جهد كبير كي يصير حاضراً.

لا أديان في لبنان، ولا طوائف في لبنان، وفق المنظور التظهيري للمعتقد الديني. قليل جداً، من يجد في طائفته منابع دينه الروحية، كثير من يجد في طائفته، منابع التمايز والتميز والاختلاف، عن الآخرين. وكل كلام للتقارب، هو من باب التضليل. إنه استهلاك. إنه، دعوة خشبية، للالتقاء حول مائدة مسمومة من الرغبات المتناقضة.

لست أدري، ماذا تعني عبارة حوار الأديان أو حوار الكنائس أو حوار المذاهب، الحوار، لا يكون باللقاءات الحسنة المظهر، والمضاءة بوسائط الإعلام المرئية، الحوار يكون بإبداع فكر ديني يتميز بقلق الفرادة والجودة والحيوية والحرية وينزع إلى الالتقاء في الدنيوي، بعد انفراط عقد اللقاء على السماوي واللاهوتي.

بهذا المعنى انفصلت الطائفة عن الدين. مبرر وجود الطوائف، الاجتهاد المعرفي. عندما يتوقف الاجتهاد، تستقر المعارف في الماضي ويتحول النص الديني، نص الوحي، أو نص الكتاب، إلى مبرر لاستمرار هذا الماضي.

نُظِرَ إلى هذا النص الديني، من قبل السلف، في أحيان كثيرة، نظرة الباحث عن إجابة على سؤال تطلبته حاجة، أو فرضته حاجة أو حالة أو قضية طارئة. اجتهدوا، وكان لكل اجتهاد وجاهته لأغراض يطمح إلى تحقيقها.

الاختلاف في الاجتهاد، الاختلاف في فهم اللاهوت، أغنى الفكر الديني. عندما توقفت المذاهب عن الاجتهاد، في عالم اللاهوت، وتوقفت في عالم الناسوت، عند الحلال والحرام، وعند المنافع والأغراض الخصوصية، فقدت صفة تمثيل الدين. صارت تمثل رجال الدين، أو رجال السياسة في المجتمع.

ألسنا نرى أن الطائفية في لبنان، لم تعد تمثل رجال الدين، إلا قليلاً، وأنها تمثل وحي الزعامة السياسية، المنسوجة من إقطاع سحيق، أو من مالٍ جديد، أو من بنادق قاتلت، أو من عائلات لم تنقرض بعد وسلالات تتجدد كالبرابسيا؟

إذاً.. لا أديان في لبنان، ولا مذاهب أو طوائف، بالمعنى الديني، بل، إن الطوائف تحوّلت بفعل التاريخ المضني للبنان، إلى أحزاب لبنان السياسية.

فالطوائف بهذا المعنى، أصبحت، بفعل احتكارها، دين دولة ومجتمع ومؤسسات وتجمعات.

الطوائف، في هذا السياق، استأجرت الدين، وكتبت لأتباعها صكوك الغفران.

الطوائف، دين لبنان الوحيد، ولا دين يعلو هذه الطوائف.

وعليه، فالطائفية ولبنان، ليسا اثنين، بل واحد. إذا اهتزت الأولى، تخلخل الثاني. إذا تصالحت الأولى، ولو على زعل، ارتاح الثاني، ولو مؤقتاً. لبنان مشدود بكليته إلى مراسي الطائفية.

لعل كمال يوسف الحاج، أدرك اكثر من سواه، صلابة الطائفية اللبنانية وامتناعها عن الضمور. بل أدرك قدرتها على النمو والتكاثر والتقليد. يقول: الطائفية لن تلغى.. الأحزاب السياسية، كلها، تقر بإلغاء الطائفية. الرجالات الرسميون كلهم، يقرون بإلغاء الطائفية. النواب، الوزراء، الرؤساء، كلهم، يقرون بإلغاء الطائفية. والطائفية تترسخ أقوى فأقوى.. أجل، الطائفية لن تلغى في لبنان. وإذا حصل ذلك، وثقتي أنه لن يحصل، فمعناه أن لبنان قد زال من عالم الحضارة. استُعِمر. الطائفية مبرر لوجوده

فهمت الطائفية في لبنان، كمؤسسة سياسية، أن لبنان لها، وأن لا وجود لهذا الكيان، إلا بها. فتجسد لبنان الكيان، في لبنان النظام، طائفية النظام تقتضي كما قال الحاج: سنظل شعباً طائفياً. والشعب الطائفي يتظلل نظاماً يشبهه.

الغرابة، في كون رافضي الطائفية، لم يدركوا، القاعدة الذهبية للتفوق الطائفي. وعجزوا عن اختراق متاريسها. ظنوا أن الحرب الكلامية كافية. إطلاق النفير اللاطائفي سيسقط اسوار أريحا. نفخوا في الأبواق، ارتفعت أصواتهم، ولكنهم، عندما رأوا أن أبواب السور مفتوحة، مواربة، لدخول البعض إلى المدينة الطائفية الفاضلة، تسربوا إلى النظام، فجلسوا على موائده، وأرضوا أنفسهم، بالزعيق اللاطائفي، الذي تدرج بعد ذلك. لتبرير جلوسهم على مائدة الفئات. خضعت الأكثرية اللاطائفية لفقه السلطة. ظنت أن مشاركتها تعدل من المسار الطائفي للنظام. زاولوا السياسة كالزنى من دون إنجاب، ولو كان إنجاباً حراماً.

في عودة إلى بدء الكلام

لا ديانات في لبنان. لا طوائف في لبنان، بالمعنى الديني، حيث يمارس المؤمن دينه وطقوسه ومعتقداته وفق الانتظام داخل طائفته. الطوائف في لبنان، عقيدة سياسية للنظام. وهي ذات طابع شمولي. قرابتها للدين استقوائية أو حماية.