العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

رحيل ام الشهيد ماريانا عكاري ابو خليل

جان دايه
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

 في 13 حزيران 1995، نشرت مقالاً في جريدة "الديار" بعنوان "رحيل ابو وليد وترحيل ام وليد" استهلّلته بالعبارة التالية : "منذ ايام رحل عبد الرسول ابو خليل، فلم يكن في وداعه اكثر من خمسين رجلاً، مع ان ورقة نعيه توّجت بكلمة: مناضل. فهل يعود ذلك الى ان الراحل كان فقير الحال ولا يحسن الخطابة والكتابة؟ ام ان موضة النضال من اجل الأوطان لم تعد دارجة" ! وختمت المقال بهذه العبارة : " قبيل رحيل ابو وليد بأربع وعشرين ساعة، التقيت أم وليد قرب مستشفى الجامعة الأميركية. اخبرتني انها تواجه نكبتين بين يوم وآخر. الأولى، توقع رحيل الرفيق عبد الرسول. والثانية، اضطرارها لاخلاء الشقة التي تسكنها حالياً من غير وجود شقة بديلة."

وقامت قيامة رئيس الحزب آنذاك صديقي مسعد حجل، ولم تقعد الا بعد فصلي لمدة ثلاثة اشهر او ربما ستة اشهر - لم اعد اذكر - بسبب ما اوردته في مستهل المقال. صحيح ان المعلومة الخاصة بقلّة عدد المشيّعين كانت صحيحة. ولكن قرار الفصل كان مشروعاً لأني انتقدت قيادة الحرب في مقال مفتوح بدلاً من ارساله الى المسؤول المختص، بعد تحويله الى اقتراح، ضمن الأقنية الحزبية وفق المادة الرابعة من الدستور. ولكن صديقي الرئيس لم يفعل شيئاً على صعيد بيت القصيد، كأن يؤمّن لأم وليد شقة بديلة، ناهيك بدفع تعويض شهري، رمزي يا سيدي!

طبعاً، ماريانا عكاري تستأهل اكثر من تعويض شهري وشقة متواضعة. فابنة مشتى الحلو في وادي النصارى، آمنت بسعاده وعقيدته وحزبه، اسوة بآلاف المواطنين في المشتى وعموم الوادي. وهي جسّدت ايمانها - وهذا هو الأهم - بأروع ما يمكن تجسيده، رغم انها لا تتقن القراءة والكتابة والخطابة. فلم تكتف باعتناق المبادىء الاصلاحية الثلاثة التي تشخّص داء الطائفية وتصف الدواء. بل هي توّجت ايمانها بزواجها، وهي المسيحية، من محمدي. وحين استشهد فلذة كبدها وليد، وهو في العشرين ربيعاً، في احدى معارك الحزب، لم تكفر بالعقيدة ولا طلّقت الحزب، بل فعلت العكس. وكانت فعلت الشيء نفسه حين فقد رفيقها في الحزب والبيت، عبد الرسول ابو خليل بصره في السجن الذي امضى سبع سنين في احد قواويشه نتيجة اشتراكه في المحاولة الانقلابية، التي انتهت قبل ان تبدأ، في الليلة الأخيرة من العام 1961. ومنذ رحيل ابو وليد في العام 1995، حتى رحيلها في العام 2007، ورغم مرضها وطفرها، كنت التقيها مرة في الشهر على الأقل، واستطيع القول اني لم اشهد امرأة مؤمنة بزعيمها وعقيدته وحزبه اكثر منها. ومن علامات ايمانها العملي، استقبالها لبعض العائلات المهجّرة خلال حرب تموز 2006 التي ادى الانتصار فيها الى بداية نهاية اعداء لبنان وعموم سورية الطبيعية والانسانية. والطريف ان الاستقبال تم في شقة مؤلفة من غرفة واحدة تكاد لاتسع صاحبتها وابنها ورفيقها هشام.

 

جان دايه