العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

سيدة "حاجز شارلي" والثورات المخملية

معمر عطوي
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

ربما نجحت يوتا غالوس، في تصوير معاناتها من أجل "تهريب" ابنتيها، من "ظلم" الشيوعيين في جمهورية المانيا الاشتراكية الى الجهة الغربية (التي يصورها الاعلام الليبرالي بارض اللبن والعسل وسراويل الجينز والكوكاكولا )، من خلال فيلم "سيدة حاجز شارلي"، للمخرجة سيليا روثيموندو، الذي يُعرض هذه الايام في الصالات الالمانية. حيث يمكن للسجال السياسي ان يُوظف بنجاح البعد الانساني لخدمة اهدافه.

المفارقة ان غالوس استطاعت، استدرار عطف وتفاعل الجمهور الالماني بمن فيهم بعض اقطاب المرحلة الشيوعية، الذين صفقوا للمرأة التي كانت تعتصم في اواسط الثمانينات، عند شارع فريدريش وسط برلين، حيث يقع حاجز شارلي الاميركي الذي كان يفصل بين شطري المدينة، رافعة لافتة تطالب بالوحدة بين الالمانيتين وباعادة طفلتيها كلوديا وبيئاتي (9 و11 سنة)، اللتين كانتا في حضانة والدهما في جمهورية"دي دي آر" الشرقية.

لا خلاف حول حقيقة معاناة المرأة، وغيرها في ظل النظام الاشتراكي، الذي تستحق ممارسات بعض جلاوزته النقاش والمساءلة. لكن نظرة تقييمية للأمور في ظل التحولات التي شهدتها المانيا، بعد 17 عاماً من الوحدة، تؤكد أن سياسة ترويج "ثورة الكوكاكولا" لم تنجح في اقناع الناس ان التعليم وطبابة المجانيين يمكن ان يتوفرا في كنف المنظومات الرأسمالية على غرار ما كان سائداً في الدول الاشتراكية.

المستشارة الالمانية اكدت هذا التفاوت بين وريثة جهاز امن"شتازي" وقرينتها الغربية، حين تحدثت في ذكرى الوحدة(3 تشرين الاول) عن "ضرورة استمرار عملية اعمار شرق البلاد كأحد أهم واجبات الحكومة والمواطنين في غرب ألمانيا".

فبعد 17 عاماً ماذا جنت المانيا من "تحرير" جزئها الشرقي غيرتنامي التيارات العنصرية المتطرفة والحركات النازية، وفقدان الانماء المتوازن في احدى اكبر ثماني دول صناعية في العالم.

لقد أظهر تقرير صدر عن مكتب حماية الدستور (جهاز الاستخبارات الداخلية في ألمانيا) وقوع 1047 جريمة عنف ارتكبها متطرفون يمينيون في عام 2006 فقط، بزيادة 9.3 في المئة عن العام السابق .

يدعم هذا التوجه استطلاع حديث للرأي يبين أن 74% من الألمان الشرقيين سابقاً يعتبرون أنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية بعد توحيد البلاد، مشيراً إلى 21% منهم يفضلون العودة إلى حقبة ما قبل سقوط جدار برلين و31% أبدوا استعدادهم للتصويت لمصلحة الحزب الشيوعي الحاكم سابقاً، حسبما ذكرموقع "دويتشيه فيليه".

اذا كانت المانيا(الدولة الصناعية المتقدمة)، نفسها تفتقد الى "الانماء المتوازن" بعد ما يقارب العقدين من رحيل "دكتاتورية الاشتراكية"، حيث لا تزال المناطق الشرقية تشهد انخفاض الاجور أقل بنسبة 25% عما هي في غرب البلاد، وارتفاع البطالة بين الألمان الشرقيين إلى 15% اي ضعف الرقم الموجود بين نظرائهم الغربيين، فما سيكون المغري في شعارات "الثورات المخملية" في العالم الثالث يا ترى؟ مرحباً للديموقراطية انذاك.