العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

80% من الثقافة العربية مدجنة دينيا وسياسيا عنوانها الثقافة

أسماء وهبة
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

في عالم تتسابق فيه معطيات ثورات المعلومات والاتصالات والإنترت والبث الفضائي يكون ذكر كلمة "رقابة" مضحكاً، حيث أصبح الحصول على "الممنوعات" سهلاً! إلا أن السلطات العربية مازالت تؤمن بقدرتها أو رغبتها في استمرار الرقابة، والمنع والمصادرة التي تصب في تهميش المعرفة وتكريس التخلف عبر وأد الرأي الحر. فعلى ماذا نراقب؟ ومن نراقب؟ وكيف نراقب؟ وماذا نبغي من المراقبة؟

 

يروى أنه جرى في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني التي تميزت بمصادرة الكتب والمطبوعات ضمن سياسة القمع الفكري وتقييد حرية الرأي والتعبير، حيث قرر الرقيب العثماني منع تداول كتاب مدرسي لمادة الكمياء لاحتوائه على شيفرة سرية ضد السلطان، وهي الرمز الكميائي للماءH2O ، ففسره بأن   H يعني السلطان حميد، و2 الثاني، وO صفر. مما يعني أن السلطان عبد الحميد الثاني يساوي صفرا، الشيء الذي يعد جريمة سياسية ضده وبالتالي يجب حظر الكتاب ومنع تداوله في المدارس.

وانطلاقا من هنا، وبعد كل هذه السنوات مازالت العقلية العربية السلطوية تسير بنفس النهج السلطاني العثماني مع هامش صغير للحرية فرضه التطور العلمي للألفية الثالثة! فمازلنا نعيش إعادة إنتاج إجراءات المنع والحظر وكيل الاتهامات والإدانات لبعض الكتب، كما تنوعت وسائل الرقابة والمصادرة و"حرق الكتب" من أجهزة الدولة القمعية إلى أجهزتها السياسية وتياراتها الدينية.

 

 

 

الرقابة الأجنبية

ولعل المنع لا يطال العالم العربي فقط ، بل له وجود في العالم الغربي انطلاقا من سيرورة تاريخية عريقة. فلا نتعجب عندما نسمع أن فرنسا قد حظرت كتاب "القدس" لتاسو في القرن السادس عشر لاحتوائه على أفكار هدامة لسلطة الملوك، كما منعت قصة "مذكرات امرأة للمتعة" لجون كليلاند عدة مرات لقيامها بالوصف الجنسي الصريح بعد أن طبعت لأول مرة في عام 1749 ثم برأتها المحكمة الأمريكية العليا من المجون عام 1966 . وحظرت إيطاليا كتاب جاك لندن "الدعوة إلى الجموح" بسبب تطرفه. وفي عام 1955 منع كتاب ماري شيلي "فرانكشتاين" لبذاءته، واتهمت رواية د.ه. لورنس "عشيق السيدة تشايترلي" بالخلاعة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في ستينات القرن العشرين. ومنعت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نشر كتاب "في قلب العصافة" مديرها العام السابق جورج تينت، لأنه عرض لتطورات الإعداد للحرب في العراق، والذي سيسبب حرجا شديدا لإدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عند نشره.

 

رقابة عربية

وبينما تنخفض أعداد الكتب الممنوعة في العالم فإن وتيرة الكتب المصادرة ترتفع في العالم العربي، مما يطرح علامة استفهام كبيرة أمام قدرة النظام العربي على إمكانية ردم الفجوة بين المثقف والسلطة!

 ومن خلال رصد الكتب العربية المصادرة ذكرت بعض التقارير أن 75% منها فلسفية ودينية، و10% أدبية، و15% سياسية. كما ذكر تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية "اليونيسكو" أن حصة الفرد من عناوين الكتب في العالم العربي 28 عنوان كتاب لكل مليون عربي، في مقابل 215 عنوان كتاب لكل مليون أميركي، و600 عنوان كتاب لكل مليون أوروبي.

من هنا يؤكد الدكتور عبد المسيح أبو جودة صاحب "مكتبة الفرات" على أنه لا رقابة على الكتب في لبنان، ولكن يمارس رجال الدين هذه الرقابة. أما الدولة فاكتفت براقبة المواضيع الأخلاقية مع خضوعها للسلطة الدينية بشكل كامل وتنفذ ما تريده. ويتابع: "فيقوم الأمن العام بمراقبة الكتب السياسية في محاولة للحفاظ على علاقات لبنان الخارجية مع الدول العربية التي يهمها عدم تعرض ملوكها ورؤسائها وقياداتها للمساءلة والنقد. وأي كتاب يقوم بذلك تحاول إيقافه. كما يوجد بعض الكتب التي يساء فهم مضمونها فيتم منعها دون سبب جدي، مثل ما حدث مع كتاب "مكان تحت الشمس" على قاعدة أنه يحقر الدول العربية. لكن بعد قراءته مرة اخرى من قبل هيئة الرقابة تم الإفراج عنه لأنه يكشف عدم احترام اليهود للعرب!"

من ناحية أخرى يرى عبد المسيح أن هناك فائدة للرقابة خصوصا إذا اتخذت قرارا بمنع الكتاب حيث تبدأ وسائل الإعلام بالحديث عنه للدفاع عن حرية الفكر. وهنا يتذكر ما حدث مع رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر "فلقد طبع من نسختها الأولى عام 1978 مئتا نسخة، وباعت خلال أعوام 1978-1992 ثمانمئة نسخة. لكن بعد منعها على أساس أنها تمس شعور القارىء غير المدرب، وتمس الدين الإسلامي وتطعن في القرآن الكريم أو تعرض بحياة الرسول عليه الصلاة والسلام باعت حتى الآن 15 طبعة!"

وفي النهاية يخلص عبد المسيح إلى أن 80% من الثقافة العربية مدجنة دينيا وسياسيا، و20% منها لا تتمتع بحرية واسعة تسمح لها بطرق الأبواب المغلقة، وكسر التابوهات المقدسة السياسية والدينية والجنسية، أما الكتاب العرب فيحاول عدد كبير منهم الحفاظ على علاقتهم بالمؤسسات الرسمية واحترام قوانينها!

 

إحصاء رقابي

وبالنظر إلى الكتب العربية التي تمت مصادرتها فحدث ولا حرج! ففي عام 1949 كانت معركة شرسة حول كتاب "الفتوات المكية" لابن عربي في مجلس الشعب المصري، لأنه عد مخالفا للآداب. وصودر بمصر كتاب "مقدمة في فقه اللغة العربية" للويس عوض في بداية الثمانينات، ومنع تداول رواية "شيفرة دافنشي" لدان براون في كل من لبنان والأردن ومصر. ومن النقاط التي شكلت استفزازا في نظر الرقيب ما طرحته الرواية من وجود نسل سري ينتمي إلى السيد المسيح، بناء على زعم زواجه من مريم المجدلية. وتشير الرواية إلى زعم ملوك فرنسا من سلالة (ميروفينجين) على أنهم ينحدرون من المسيح نفسه، وأن لوحة العشاء الأخير لدافنشي تحمل إشارات سرية من الزواج المفترض. وأيضا تم حرق كتب المفكر الإٍسلامي محمد عمارة رسميا في مصر وسط تظاهرة ضده بعد أن اتهم بأن أحد كتبه تبيح دم المسيحيين وتحرض على الفتنة، أما كتاب محمد فتوح "الشيوخ المودرن وصناعة التطرف الديني" فقد أثارت مصادرته من قبل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف ضجة واسعة بعد أن فوضه وزير العدل المصري بممارسة أدوار رقابية على الكتب التي تتناول الإسلام.

 

كتب "كافرة"

وفي هذا الإطار تمنع بعض الكتب لأنها تعتبر "كافرة" في نظر الرقيب مثل كتاب "الخطاب والتأويل" لحامد أبو زيد الذي عد محاولة تفسير تناقض الإسلام، وأيضا كتاب "هذا قرآني" لمحمود عفيفي، وكتاب "زواج المتعة بين الدين والتطور" لأحمد سالم الذي قدم فيه تصورا جديدا للزواج في الإسلام، وكتاب "سينمائية المشهد القرآني" الذي اعتبر محاولة مشوهة للقرآن. أما كتاب "وصايا في عشق النساء" للشاعر أحمد الشهاوي فقد منع لأنه يبيح المحرمات. ومنع كتاب "الإسلام مكشوفا" للقس أنيس شرور لأنه يتضمن ألفاظا تسيء للصحابة حسب الأزهر الشريف.

وهنا لا يتوقف الأمر عند تكفير الكتاب ومنعه ومصادرته، بل يطاول الكاتب أيضا الذي تشن ضده هيئات الرقابة والمجتمع أيضا حملات تكفيرية وتشويهية تصب في خانة الترهيب لمنع آخرين من الإقدام على التحليل والتأمل بطريقة تخالف السياق التقليدي العام الذي تفرضه المؤسسات الدينية الرسمية!

 

ممنوعات في المعارض العربية

 من ناحية أخرى عبر عدد من النواب "الإسلاميين" في مجلس الأمة الكويتي عن امتعاضهم من قيام وزارة الإعلام الكويتية بمنع عرض 239 كتابا دينيا في معرض للكتاب الإسلامي نظمته جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت. وفي مقدمة هذه الكتب "منهاج السنة النبوية لابن تيمية"، "المنهج السلفي: تعريفه وتاريخه"، "البدعة وأثرها في الدراية والرواية" لعائض القرني، "جناية الشيخ الغزالي على الحديث". كما أقدمت سلطات الرقابة في الأردن على منع كتاب "الدين والدهماء والدم" للكاتب صقر أبو فخر بذريعة أنه يتعرض لبعض الآراء التي لا توافق اجتهادات رجال الدين في العالم العربي. في حين أن ابا أبو فخر يرى تعرض لأصحاب الآراء المحشوة بالخرافة والتفسيرات الغيبية التي تسري في المجتمعات العربية. كما يتضمن الكتاب الكثير من المحطات النقدية التي تدحض حالات التخلف والأفكار التي من شأنها إثارة الفتن.

وهنا يطرح السؤال التالي: لماذا لا تعمد سلطات الرقابة إلى التدقيق في الكتب المثيرة للنزعات الطائفية والمذهبية والأثنية التي تنشرها دور النشر الأًولية والسلفية وتمنع الكتب النقدية المستقلة؟ لذلك ليس غريبا أن تكون معارض الكتاب العربية أحد الأماكن التي يمارس فيها الرقيب دوره بامتياز، حيث منعت الكتب التي تعكر الصفاء السياسي العام والحياء الإجتماعي والسلم الأهلي والتعاليم الدينية حسب دائرة المطبوعات والنشر الأردنية التي من حقها خلال المعرض التدخل وسحب أي عنوان إذا ارتأت أنه مخالف لميثاق الشرف الذي وافق عليه الناشرون العرب. فمثلا رفعت دائرة المطبوعات والنشر الأردنية قضية أمام المحكمة على الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله قضت بمنع أعماله الشعرية الكاملة من التداول، بسبب تضمنها قصيدة تشير إلى الأحداث الدموية بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني في أيلول 1970.

 

"تابو" جنسي

وتتصدى فئة كبيرة من المثقفين لهيئات الرقابة كلما منع كتاب مدعية بأن حرية الرأي يجب أن لا تمس، وأن في الأدب والفن متسعا لكل الشطحات. ومن دون هذا الهامش الإبداعي الفضفاض فإن الخيال مهدد بالإفلاس، خصوصا فيما يتعلق بالجنس الذي يطرح كمادة أدبية. وتمنع العديد من الروايات التي تتناول الجنس تحت شعار الحفاظ على القيم الأخلاقية في المجتمع مثل كتابات الدكتورة علياء شعيب التي ناقشت موضوع السحاق والبغاء. فهناك العشرات من الروايات العربية التي صدرت في الآونة الأخيرة هتكت تفاصيل كانت ممنوعة وبجرأة غير مسبوقة محققة شهرة سريعة وربحاَ وفيراَ مثل رواية "برهان العسل" لسلوى النعيمي.

 

مقص الرقيب "المثقف"

لكن كيف يحق للرقيب وهو موظف حكومي غير معني بالضرورة بالشأن الثقافي أن يحاكم كتبا بعضها معقد وملتبس تناقش الفلسفة والأديان والنظريات الإجتماعية؟ وما المقياس الذي يعتمده في المنع والمصادرة والموافقة؟!

فمثلا في لبنان وصلت المجلة الأسبوعية الفرنسية International courier في أحد أعدادها إلى الأسواق اللبنانية وقد اقتطعت إحدى صفحاتها، لأن مقص الرقابة المسبقة على الصحافة الأجنبية اقتطعت مقالتين، الأولى بعنوان: "ايران: جمال النبي المعلق"، وفيها أن الإيرانيين الشيعة سمحوا بإماطة اللثام عن النبي، أما المقالة الثانية فهي بعنوان: "البحرين: اسكتوا صراخ المؤذن".

ويذكر أن الرقابة الإدارية على المطبوعات الأجنبية هي من مهام مديرية الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية التي منعت هاتين المقالتين لأنهما تسيئان إلى قيم الإسلام ورموزه، وتثيران النعرات المذهبية بين السملمين.

ومن هنا يتبين أن لبنان يتمتع بهامش من حرية التعبير قولا وكتابة كرسه الدستور في المادة 13 منه. إلا أنه يتبين عند تطبيقها أن هناك جملة من الممنوعات أتت لتحد من روحية هذه المادة منها: منع نشر البيانات والمناشير دون إذن مسبق من الأمن العام، تكريس الرقابة الإدارية على المطبوعات الأجنبية والمسرحية والسينما وبعض الكتب التي منع توزيعها لأسباب أخلاقية، منع النشرات الداخلية أو بواسطة الإنترنت دون إبلاغ السلطات بمضمونها مسبقا.

وفي قرءاة متأنية لقانون المطبوعات اللبناني النافذ يتبين أن هناك معوقات لحرية الصحافة يجب تنقيتها. إذ لا يزال ينطوي على قدر كبير من الأحكام التي لا تريد للصحافة أن تكون حرة.

وفي مصر أكد الشاعر جمال بخيت أن تعرض بعض أعماله إلى مقص الرقابة والمنع لن يمنعه من مواصلة الكتابة عن حالها الآن قائلا: "أن المجتمع المصري اليوم يعيش ثورة ضد الإستبداد الموجود في الحكم، الذي يعيق فكرة التداول السلمي للسلطة. لذلك منعت مسرحية "يمامة بيضاء" عندما كتبتها منذ عشر سنوات بحجة أنها تتعرض لمسائل تضر بالسلطة الحاكمة. لكن مؤخرا رفع الحظر عنها. وأضفنا إلى المسرحية أغنية تعبر عن موقف بيع البطل محلا ورثه عن والده، إلا أنها حذفت بحجة أنها إسقاط على بيع القطاع العام المصري. فللأسف مازالت الرقابة في مصر تفعل فعلها في الإبداع، وتتخوف من تجاوز الخطوط الحمراء، مما يثبط من عزيمة تناول الكثير من القضايا العميقة في المجتمع المصري".

 

رقابة مبطنة

أما الرقابة الدينية على النتاج الثقافي الإبداعي فمستمدة من غيبيات مؤثرة في العالم العربي يمارسها رجل الدين. فيبيح ما يناسب موقعه، ويمنع ما يؤذي مكانته، ويمارس سياسة انتقائية اتجاه أي نتاج ثقافي إبداعي لتشويهه مرتكزا على خطاب ديني متزمت. لذلك ليس عجيبا أن نجد سلوكاَ شرساَ تمارسه الرقابة الدينية في تعاطيها مع الثقافة. وما يكرس ذلك خضوع الرقابة الأمنية لها حتى تحمي مصالح السلطة السياسية، ومنعا للمواجهة مع السلطة الدينية التي لا تتردد أحيانا في "تكفير" بعض المثقفين بسبب كتاباتهم، فيؤثرون الصمت أو يمارسون لاحقا الرقابة المبطنة على أنفسهم. وهذا يساعد على تفريغ المجتمع العربي من محتواه العقلي والثقافي والنقدي، لأن الثقافة الإبداعية العربية محكومة بالرقابة الأمنية والدينية في ظل غياب قوانين تحمي الثقافة والإبداع.

وصار اعتياديا بأن نسمع بين فترة وأخرى تكفير شاعر ومنع تداول مجموعته الشعرية، أو إلغاء توزيع روايات مطبوعة أو مصادرتها أو تشهيراَ بكتابها. فهل يعقل أن استخدام شاعر لآية قرآنية في نص شعري أو عنوان ديوان أو قصيدة يسيء إلى القرآن الكريم وقدسيته؟ وهل يصدق أن استلهام نص قرآني في عمل إبداعي يحرف معناه؟ وهل إذا كتب روائي قصة واقعية عن حياة الناس وسجل معاناتهم اليومية وقسوتها يهدد النظام العام؟!

ففي سوريا تشير الأرقام الأولية أن وزارة الإعلام تراقب يوميا ما لا يقل عن 20-30 كتابا، بينما يوجد 6 قراء فقط. ويجب أن يقرأ المراقب الواحد يوميا ما يعادل ثلاثة كتب،كما يتم تمرير 150 عنوانا أسبوعيا إلى المطابع أو أدراج المنع. لكن، أي ذهن يمتلكه الرقيب كي يميز بين الممنوع والمسموح أمام هذا الكم الكبير من الكتب المراقبة؟!

معنى الرقابة

إن كلمة رقابة تعني وجود رقيب، ووجوده يعني رهاب. وفي نظر بعض المثقفين فالرقابة عادة تكون ضمن دستور يضمن للإنسان حقوقه. لذلك يجب أن نحدد ماذا نريد من الرقابة، ويجب أن يعرف الكاتب على ماذا يراقبونه، فلا يمكن وجود رقابة دون قوانين محددة. وفي تصريح للدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب قال: "أن دور الرقابة ينتهي عندما يتحمل الكاتب مسؤولياته، لأن بعض الكتاب لم يستطيعوا الإرتقاء إلى مستوى فني جيد وبالتالي يجب مراقبة نتاجهم الثقافي. ولكن مفهوم الرقيب عندنا خاطىء ومشوه، فهويجب أن يكون قارئا مساعدا للكاتب وليس وصيا عليه".

وإذا كان للرقابة ما يبررها منذ سنوات فوجودها الآن لا مبرر له، لأن الظروف تغيرت مع الثورة المعلوماتية التي ألغت الرقابة بشكل صارخ بوجود الفضائيات والإنترنت وحتى الهواتف النقالة. وهذا جعل الكتاب أقل قدرة على التأثير سلبيا، لأن من يقرأ الكتاب في أغلب الأحيان النخبة، وبالتالي حين تمارس الرقابة تكون قد حجرت التأثير الإيجابي الممكن للكتاب، وتركت الوسائل الأخرى التي تنقل الممنوعات.

على خط آخر يروي الدكتور أدونيس عكرة الأستاذ الجامعي والقيادي في التيار الوطني الحر في كتابه: "عندما صار اسمي16": خمسة عشر يوما في الإعتقال" تجربة الإعتداء عليه وعلى زملائه في التيار يوم 7 آب 2001 دون أي جرم حسب تعبيره. ويتابع: "كان الناشطون في التيار مجتمعين وفجأة داهمتنا القوى الأمنية وقبضوا علينا وصرنا في السجن. فرويت في الكتاب كيف بدأت تجربتي في السجن وكيف انتهت، مع تأريخ لأهم المراحل في تاريخ لبنان عندما كان تحت الوصاية السورية. ونشر الكتاب عام 2003 وفجأة صدرقرار بإيقافه ومصادرته من الأسواق اللبنانية، ثم حضرت المباحث الجنائية المركزية إلى مكتب دار الطليعة التي نشرت الكتاب وصادرت نسخه ال600 ووضعت الشمع الأحمر على الدار".

وادعت النيابة العامة الإستئنافية على د.عكرة بتهمة إساءة العلاقات إلى دولة شقيقة والإساءة إلى الجيش من خلال وصفه لهيئة الجنود الذين قبضوا عليه. ويقول: "كل منهم طويل، جبار، زنوده مثل المصارعين الرومان! كذلك اتهموني بالإساءة إلى السلطة السياسية، لأنني قلت انها تمارس الإرهاب على الناس بعدما أصدرت وزارة الداخلية بيانا يتهمنا بالتعامل مع إسرائيل".

وبعد مصادرة الكتاب تم استدعاء د.عكرة للتحقيق معه مدة سبع ساعات. "سألوني خلالها ماذا كنت أقصد في تلك الصفحة، ومن تلك العبارة، وفي النهاية تم تحويلي إلى المحاكمة ومازالت الدعوى قائمة حتى اليوم. وعندما وقفت أمام القاضي في المحكمة قلت له لا تحاكمني على ما أفكر، بل حاكمني على ما فعلت. لكنه بكل أسف حاكمني على رأيي السياسي الذي قلته في بلد اعتقدت أنه حر". أما الكتاب فبعد أن باع في أسبوعه الأول ألف نسخة لم يبق منه إلا "الجلدة"، وأصبح فارغا من صفحاته!