العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

أصول المعركة المقبلة بين علم " الإلهي" والدين الغيبي

نعيم تلحوق
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

يبدو أن أصول المعركة ـ أو المعارك القادمة ـ التي يمكن أن ينالها العالم العربي تقع ضمن خلفية الانتهاء من الديموغرافيا البشرية التي بحسب المفهوم الأميركي( آلاف الأطنان من اللحم الزائد في عالم التكنولوجيا الحديثة) والتي يترتب عليها إنهيار آلاف وملايين الشعوب فدى التطور العلمي الذي يحدث سريعاً، وليس في خاطر أحدنا نحن شعوب العالم الثالث التنبه له..

الكومبيوتر الأميركي الذي اسمه ( الإله) قرر عن سابق تصور وتصميم أن أعداد البشرية في ازدياد مضطرد؛ والحاجة إلى الاختراعات أقل من نموّ الفائض السكاني الذي يستهلك ضمن منهج " الكومبيوتر الأميركي" أكثر من نصف الإنتاج العالمي دون فائدة تصورية للمستقبل. وضمن هذا المنظور الجديد لعولمة الشعوب اقتضت "مشاعر الكومبيوتر الأميركي" أن تبحث في استدراك آلية للخروج من مأزق طبع العملات التي ليس بحاجة لها هذا الفائض البشري بقدر ما يلزم آخرين أهمية البحث عن جدوى الاختراع الآلي لمستقبل الحياة البشرية على الكوكب الأرضي.

نجزم بأن ما قام به الدب الأبيض الشيوعي إبان الثورة البلشفية على قياصرة الروم وتكبد خلالها الاتحاد السوفياتي الاشتراكي سابقاً ثم لاحقاً ثم سابقاً، زهق ستة ملايين بشري كان الصراع المتين بين الثورة والدين أحد أبرز مقوماتها، تبرز اليوم صورة جديدة تقع ضمن ستار العلم "الإلهي" ـ والدين الغيبي الذي تشكّل الولايات المتحدة والصهيونية إحدى أعمدة الستار الأول، بينما يشكل الإسلام والشعوب التي يَستهلك بعضها القليل إنتاج الكومبيوتر الأميركي الستار الثاني.

وتحت ذرائع شتّى يَتمدد العلم "الإلهي" ليؤكد غير مرة، أنه بحاجة لشعوب مستهلكة غير منتجة بغية تسويق عقله اليومي والزمني والصناعي. فتأتي البدايات ضمن مفاهيم الحق "الإلهي" من بديهيات الأمور، كالإصلاح، العدل، المساواة، الحرية، الديمقراطية، وبناء هذه المبادىء يقيم عداوة مع الذات، ذاتنا الحضارية، لا لإنها لا تخضع لهذه الشروط فقط، وإنما لإدّعائه أنها بالمطلق ذات دينية، وبأن مبادئها لا تصلح لبناء مجتمع سليم معافى قادر على وصف أطر سلامته وضمان وجوده واستمراريته في المستقبل.

الكيد والعهر يميدان على قاعدة كره ثقافي منظور لناحية الاستعلاء الحضاري، وبأن العقيدة يلقنها علم القوة، الذي تدخل في متونه كل مواصفات الغطرسة والسيطرة والإستعباد والقهر، والتفوق المادي...فيصبح الدين الغيبي مادة متحجرة تصلح لإستيلاد التراث والعيش في الذكرى والأوهام بعيداً عن مشاهدات اللغة العصرية اللازمة.

مَن يتنبه للسيد المسيح إذا وقعت الواقعة أن يستدرك باللغة أنه قال" يا رب جنبني هذي الكأس"؟ ومَن سيستيقظ للنبي محمد إذا سرنا بامرأة أو أربع نساء إذا ما استُبيحَت أرض وقُتلَ شعب ومُّزقَت أرضنا ومُزِّق مجتمعنا وأمتنا إلى دويلات، ومن ثم إلى مناطق فأعراق فمذاهب فقطعان؟! ترى لماذا المشكلة بنا ـ دائماً؟ هل لأننا لم نزل نؤمن بفرضيات الماضي وطقوس الإماتة، وشرائع التخيّل والتصور، دون أن يكون لنا حجّة منطقية واحدة تستولد حقيقة التاريخ..

التاريخ بمفهوم العلم "الإلهي" هو اليوم وغداً، لا الماضي، وهذه الحقيقة لا يقفرها إلاّ العقل إذا أعتمدناه شرعاً أعلى في طريقة حياتنا.. ولن نضّيف أحداً تبريرات تسمح للمستعمر والغاصب أن يستهلكها بنا، ويستهلكنا بها.

جلّ ما يجب النظر اليه هو الحاضر، المؤكد حقيقة التاريخ وبلاغته، وليس أصدق من العمل والمواجهة ضمن إعمال العقل، والإنتاج ـ وملازمة الوقائع التي قد لا تكون حقيقة إطلاقية، لكنها متلازمة مع واقعية شديدة التأثر بالإنسان..

البارحة أُجّلت القمة العربية في تونس وأفضت إلى لا شيء وصراع دام على الرؤية..والخلاف على الكلام، والحجج، والبلاغ..والقضايا الرئيسية ضاعت بين الكراسي..فوقعوا في ازدواجية النظرة بين الرؤيا..أو الرؤية، فلم يقبلوا مشكلة العلم "الإلهي" فتداعوا إلى ثورة داخلية، فنقمة، فخوف على مصير كراسيهم إذا ما وقف العقل ليدلّل على تاريخية المشكلة.

 

لم يتمكنوا ـ ولم يعرفوا ـ كيف يتم التعامل مع المشكلة ـ الكارثة، فرفضوا العقل طواعية وتناسوا الواقع، فتناهوا إلى مشكلة أكبر هي التلاعب أو اللعب بالزمن..

البارحة لعب العرب بالوقت، وفلسطين والعراق في مهّب الريح، خافوا على مواقعهم وكراسيهم فضحّوا بفلسطين والعراق، ولسنا ندرك ماذا سيحرق الوقت بعد من مراحل مقبلة..

لو أننا نحترم الإنسان، لاحترمنا الزمن، وإستغنينا عن أن نكون دائماً ضحايا التاريخ..

لو أننا توقفنا عن الغيبيات وبحثنا مشكلة الحاضر لتجنبنا ويلات كثيرة، وجانبنا المعاصي المتلاحقة.

لو نتخلى عن الحتميات، والإطلاقيات ودخلنا في نقد ذاتي جريء على مستوى الأنظمة والشعوب، واعترفنا بأن مشكلة العالم العربي إلى جانب خمسة وسبعين مليون أمّي لا يقرأون ولا يكتبون ونحن في القرن الثالث الميلادي؛ هي المقدّسات والمحرّمات التي لا تني تقهر مشاعرنا وتحجّر عقولنا باسم التكفير والمحاسبة والعقاب.

إذاً، نحن أمام مواجهة حقيقية، تصل العروبة بهويتها الحضارية، وحضارتها بإنتمائها، وإنتماءها بقوميتها، وقوميتها باجتماعيتها، واجتماعيتها بالعالم ضمن مفهوم السيادة والحق والسلام العادل والشامل.

لا يمكن مقاومة العلم إلاّ بالعلم، والحقيقة إلاّ بحقيقة علمية توازيها أو تفوقها. ولا تكون حقيقة دون حاضر ذهني يستولد قدرتنا على التواصل إلاّ بنقد الذات وربطه بالمستقبل..

واستنتاجاً لمبدأ الأصل والأصولية، فليس معيباً أن نعترف بأنه غفلنا عن مبدأ السيادة كمواطنين شركاء وإنمّا كمقاولين وأرباب عمل، وتناسينا أن حقيقة اللغة هي الفهم، والإدراك، وسعة الحياة، بقدر ما هي مرتبطة بالإنسان المتمكِّن من مواجهة التاريخ الإنساني.

إنها أصول المعركة المقبلة في مواجهة العلم "الإلهي" الأميركي..