العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

“سيكو” مايكل مور ومنظور جديد للسينما

نجيب نصير
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

استغرب الجمهور والنقاد في الأوساط السينمائية العالمية عندما حصد المخرج والمنتج الأميركي جائزة مهرجان كان الذهبية عن فيلمه 11 /9 فهرنهايت ، وسبب هذا الاستغراب هو أن الفيلم لم يكن فيلما روائيا تاخم فيه مجاهل الإبداع ، أو صارع فيه الثوابت الفنية فالفيلم يحسب على الأفلام الوثائقية أو التسجيلية مع تداخل واسع للتحقيق بمعناه الصحفي والجنائي وحتى الاجتماعي .ولكن وعلى ما يبدو أن لجنة التحكيم سنتئذ تلمست بدايات منظور جديد للفيلم يضاف إلى التنويعات الإبداعية لفن السينما خصوصا والعالم إلى مشارف فلسفة جديدة للمشاهدة وللاستهلاك الصورة ، فالباب الذي طرقه مايكل مور في 11/9 فهرنهايت ، ويطرقه الآن في فيلمه الأحدث (سيكو) هو مغامرة (والإبداع مغامرة) ليس في جمع الأنواع السينمائية وتوليد صيغة جديدة منها ، وإنما بحث عن علاقة جديدة مع مشاهد تغيرت أساليب استهلاكه للصورة ، هذا المشاهد هو صاحب المصلحة الحقيقي بالاستفادة من الإبداع كعلاقة تربوية ترفيهية ممتعة ، كما أنه صاحب المصلحة الحقيقي في المعلومات التي تحملها هذه الصورة لاكتشاف مجاهيل لم تلفته اليها أساليب المعلومات الواقعية ، حيث قام بعملية معرفية مزدوجة من حيث تقنيات التصنيع السينمائي ومن حيث تحليل وإعادة تركيب المعلومات المتوفرة عن الأسباب والوقائع التي توضح الظلم الواقع على كاهل الإنسان ومداه عبر الألعاب الشيطانية لجشع أصحاب النفوذ من المتحكمين بالسياسة والاقتصاد .

و(سيكو) فيلم بسيط في الظاهر، ولكن أثناء وبعد مشاهدته لمرة أولى يكتشف المرء (وعلى الرغم من وصول الفكرة) أنه بحاجة إلى إعادة مشاهدة (وهذا توافق مع أساليب المشاهدة المحدثة) فالفيلم ليس تسجيليا ولا وثائقيا ولا روائيا ولا تعليميا ولا تحقيقا صحفيا أو جنائيا بل هو كل هؤلاء معا ، فالدرامة والتشويق والحكاية والحدث متوفرة كأي فيلم روائي ناجح والتصوير والمناظر واللقطات كلها منسقة بطريقة تجعل العين لا تحيد كي لا يفوتها شيء ، وعلى التوازي (والأصح على التشابك) هناك واقعية ووقائعية معلوماتية في الفيلم تجعل من المشاهد طرفا فيه إما كمواطن أميركي أو كانسان تحت النفوذ الأميركي (ثقافة ـ احتلال ـ استهلاك ـ هجرة ـ الخ)، أو كفرد في الكرة الأرضية مشارك في هذه المظلومية (إذا صح التعبير) بغض النظر إذا كانت واقعة عليه مباشرة أم بطريق غير مباشرة فالهيمنة الأميركية واقعة على الإنسان العادي في مختلف أرجاء الأرض .

و(سيكو) يتعرض للحلم الأميركي (وهو الأقدس شعاراتياً) في عمقه انطلاقاً من تفاصيل مسكوت عنها يكشف كذبة من أقسى كذبات هذا الحلم المعمم إعلامياً على هذه الكرة الأرضية ، انه نظام الضمان الصحي الأميركي الذي يدعي الفرادة ولكنه يخلف آلام وآثام جمة في جسد الإنسان الأميركي الفرد والمصدق لشعارات الأميركي القوي الذي لا يتراجع عن تحقيق حلمه بالكفاية والأمان والارتقاء . ليظهر هذا الإنسان مهلهلا أما سطوة نفوذ شركات الضمان الصحي وشركات الأدوية مع السياسيين الذين يبدون وكأنهم حصان طروادة غب ثنايا الإدارة الأميركية .

يحمل الفيلم نظرات احتقارية حقيقية لهؤلاء الذين يمتلكون السطوة والمال في استقوائهم على المواطن الذي لا يملك لا حول ولا قوة الا دفع أمواله سلفالأناس يقررون فيمابعد ان كان يستحق العلاج أم لا ليتحول الأميركي المريض اما إلى شحاذ يستجدي علاجه الذي كان قد دفع ثمنه مسبقا ، أو إلى محتال ، أو إلى مستجدي العلاج عند الدول المجاورة وحتى البعيدة .

في (سيكو) بستعرض مايكل مور وبالوقائع حالة الأنسان الأميركي وهو يواجه حالة بيروقراطية هائلة تمنع أو تماطل عنه العلاج تحت أعذار واهية وظف لأجلها ألاف المستشارين والأطباء (بعضهم يعاني من عقدة ذنب) لتوفير تكاليف العلاج وثمن الدواء لصالح شركات التأمين والدواء المحمية من قبل السياسيين ، لينطلق بعدها بكميرته إلى كندا وبريطانيا وفرنسا مسجلا وقائع الضمان الصحي التي تبدو خيالية وفارهة بالنسبة للأمريكي على الرغم من ادعاء الولايات المتحدة انتمائها إلى ذات المجموعة الحضارية أو المدنية ، ليبدو الفرق شاسعا ليس بمقدار التغطية الصحية للمواطنين بل في تقدير انسانية الأنسان الذي تحوا في بلده إلى رقم على اوراق متداولة بين المكاتب تحاول ابعاده قدر المستطاع عن حقه في العلاج حتى ولو كان قد دفع ثمنه مسبقا .

تدخل كميرا مايكل مور المستشفيات والعيادات الانكليزية والفرنسية والكندية راصدة بالوقائع تقدير هاتيك الدول لمواطنها ، لينتقل فنيا وواقعيا إلى مثال أشد مرارة نظرا لأرتباطه بالتاريخ الأميركي المعاش رابطا بين كوبا الدولة العدوة و11 أيلول كعلامة لا تمحى وكذا مع حقوق السجناء الصحية في غوانتا نامو المفترض أنهم المجرمين الذين قاموا بالكارثة حيث ينشطر الحلم الأميركي إلى نتف بسبب التناقض الأخلاقي الأميركي ، فضحايا 11 سبتمبر ليسوا هم فقط من سقط داخل البرجين ، فهناك المتطوعون الذين تراكضوا وراء الحلم الأميركي للعمل الطوعي الأنقاذي في موقع البرجين والذين تعرضوا لأمراض صعبة ومزمنة ناتجة ناتجة عن العمل في الموقع ولكن الضمان الصحي لا يغطي حالتهم ، فيقعون في مأزق أخلاقي ووجودي يائس حتى تكتشفهم كميرا مايكل مور التي تطالب بمعالجتهم عبر حقوق صحية توازي وتساوي سجناء غوانتاناموا ، ومن هنا تبدأ الفضيحة المدمرة للحلم الأميركي عندما يصطحب مايك مور ضحايا البرجين من المتطوعين المرضي إلى المعسكر السجن الذي يقع في خاصرة كوبا العدوة فيرفضون استقبالهم ، فيتحول إلى كوبا التي تستقبلهم في مشفى هافانا بالترحاب وتقوم بمعالجتهم معالجة مستفيضة وبالمجان ، ليتحول الكاوبوي .. المارينزي .. العنيد .. المكتشف .. الجبار ... البناء .. المحضر .. مواطن الدولة اقادرة على قهر كل شعوب الأرض إلى أرنب ذليل يلهج بالشكر لعدوه الذي تربى على كرهه .. مفارقة بمستوى العهر السياسي الذي يتاجر بالأرواح .

لا يمكن حصر تفاصيل سيكو الباهرة فقد استطاع مايكل مور تحويل الواقع نفسه إلى درامة وصورة تضاهي أهم منتجات هوليود الباهرة ما يجعل منه فيلما جديرا بالمشاهدة ..فالكتابة عنه لا تكفي لأن الدهشة الفنية تأتي بالممارسة ، ممارسة المشاهدة المعاصرة التي لم تعد عبئاعلى أحد . انه وللحق فعل ولادة لنوع سينمائي مدهش وأنساني .