العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

السوريون هم صانعوا القانون الروماني

السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

أسم الكتاب : السوريون هم صانعوا القانون الروماني

المؤلف : أحمد غسان سبانو

الناشر : فادي برس ـ دمشق 2007-11-29 

بضاعتنا ردت الينا

مدونة جوستنيان القانونية ومسيرتها.

كم يبدو العالم صغيرا أمام العلم من حيث تنقله وانتقاله ومشاركته في البناء التحتي للحضارات، فلا الجغرافيا، ولا التقاليد، ولا الأفكار أو المواقف المسبقة يمكن لها أن تحد من انتشاره أو التفاعل معه.

في كتابه (السوريون هم صانعوا القانون الروماني) يجمع المؤلف الباحث في التاريخ أحمد غسان سبانو بين الاختصاصية المرجعية للبحث، ليشكل خريطة مرجعية لمحبي الاستزادة، وبين فكرة إحقاق الفضل لأصحابه ممن قدموا للبشرية خلاصة جهودهم بإعادة تعريفهم إلى القارئ العربي كتذكير بمشاركة هذا الجنوب المظلوم في صياغة الحضارة الأسنانية، فالرأي السائد بين المؤرخين وبحاثة التاريخ القدامى والمعاصرين بأن أهم المظاهر الحضارية والعلمية التي تركها الرومان هي آثارهم القانونية ومجموعات الأحكام وكتب الفقه القانوني، ويغتبر هؤلاء بأن مجموعة جوستنيان القانونية هي أهم وأكمل مجموعة حقوقية ظهرت في العالم. من هنا يبدو دأب الكاتب على أنصاف العلماء السوريون خصوصا الذين عاشوا في القرن الخامس الميلادي حيث يعتبر هذا القرن هو قرن فوران العلم السوري عبر المؤسسات أو التشكيلات السياسية والإدارية الرومانية، ولكن الأنصاف نفسه يبدو جانبيا في تسطير الكتاب وإلا لدخل الكاتب في حالة تمجيدية تبدأ من أقدم مدونة قانونية مكتشفة حتى الآن ألا وهي مدونة حمورابي التي أسست للحقوق كعلم محايث للعيش البشري وبالتالي المرور على الحقوقيين السوريين وإنتاجاتهم عبر فترة طويلة من الزمان، ولكن الباحث آثر الاختصاصية والبحوث المسندة بحياد عن التورط في هذه الحالة التمجيدية والتي تنتج حكما بين بلاد حضارية مستقرة وإمبراطوريات ضخمة بدأت من حالة عسكرية همجية..

ويقصد بالحقوق الرومانية تلك القوانين والمراسيم التي صدرت في مختلف مراحل التاريخ الروماني والتي استغرق جمعها وتثبيتها عدة قرون حسب مقتضيات الحاجة الحضارية، لتأخذ شكلها النهائي في (مدونة جوستنيان) التي طبقت في مناطق كثيرة من العالم القديم منتقلة عبر الجغرافيا والتاريخ لتصل إلى نابليون بونابرت الإمبراطور الفرنسي آنئذ الذي تبناها و أمر بأحيائها وتطويرها باسم القانون الجزائي الفرنسي، ومع المد الاستعماري الفرنسي وما يحمل من نفوذ وتأثير أدى إلى اتخاذ هذا القانون الجزائي المولد من مدونة جوستنيان كقانون رسمي للدول التي طالها هذا النفوذ ومنها مصر والعراق والسودان والشمال الإفريقي الغربي ثم تبعتها سوريا ولبنان أيضا. فالمدونة التي تحوي على 9124 فقرة كان قد وضع منها علماء وأساتذة سوريون 7354 فقرة ما يشكل أكثر  ثلاثة أرباع هذه الوثيقة الحقوقية التاريخية إلا أن البحث العلمي هو ما شكل العمود الفقري لهذا الجهد المحايد الذي تضمه دفتي هذا الكتاب.

على الرغم من تطرق الكاتب إلى المراحل التاريخية التي أنضجت مدونة جوستنيان والتي قسمها الكاتب إلى ثلاث مجموعات رئيسة متوالية في الزمن، وهي المجموعة الغريغورية على أسم الفقيه البيروتي غريغوريوس والصادرة عام 291 ميلادية. والمجموعة الهرمونية نسبة لجامعها هرموجينوس، والتي صدرت بعد فترة قصيرة من صدور المجموعة الغريغورية، أما المجموعة الثالثة الثيودوسية فقد صدرت في القرن الخامس الميلادي على يد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني عاك 438 ميلادية. لتكتمل في القرن الخامس على يد جوستنيان في ثلاث مجموعات : الأولى هي مجموعة القوانين والدساتير الإمبراطورية وصدرت رسميا ونهائيا عام 534 ميلادية، الثانية هي الموسوعة وتشمل القانون القديم متمثلا بكتابات الفقهاء وصدرت رسميا عام 533 ميلادية. الثالثة هي النظم وهي مختصر القانون الروماني وصدرت عام 533 ميلادية لأغراض تدريسية.

يرى الكاتب أن التأثير السوري في صياغة القوانين الرومانية التي عممت على كافة شعوب الإمبراطورية أولا ثم انتقلت كمنتج حضاري إلى كافة الأصقاع والأزمان عبر التفاعل والجدل الحضاريين هذا التأثير حصل عن طريقين، أولهما هو المشاركة السياسية للسوريين في حكم روما الإمبراطورية مثل أسرة سيفيريوس الحمصية التي حكمت روما اعتبارا سبتيموس سيفروس ( 193 ـ211) ميلادية و كركلا ( 211ـ 217 ) ميلادية، وغيتا ( 217 ـ 218 ) ميلادية، وآيكالابالس ( 218ـ 222) ميلادية واسكندر سيفروس ( 222ـ235 ) ميلادية ثم جاء فيليب الحوراني (244ـ 249 ) ميلادية، هذا بالإضافة إلى رؤساء الدواوين ( الوزراء ) والقضاة من أصل سوري مثل، بابنيان، وبولس، واولبيان، وموديستان.

الطريق الثانية التي وصل عبرها التأثير السوري العلمي في القوانين الرومانية جاء عن طريق الفقهاء والمفتين والمدارس الحقوقية السورية والمصرية مثل مدرسة بيروت والإسكندرية، وهنا يتجلى الجهد البحثي في متابعة الكاتب في متابعة الربط بين الفقهاء وأصولهم ومدارسهم الحقوقية وبين منتجاتهم وكتبهم بطريقة توثيقية لا تخلو من الاختصاصية، حيث يقدم الكاتب عشرات الأسماء لفقهاء حقوقيين ساردا ببلوغرافية تحقيقية عنهم وعن تأثيرهم وعن الوسط السياسي والاجتماعي الذي عاشوه، ومن هنا تبدو أهمية الكتاب لقارئي التاريخ بوصفه حراكا حضاريا عالميا يتشارك الجميع في حصاده كخير عمومي.

ربما كانت الحقوق هي من أبعد حقول الثقافة عن التداول العام، حيث يبدو التراث بـتاثيره الماضوي  مهيمنا على هذا الحقل الثقافي، ولكن الحقوق كثقافة مجتمعية تتجاوز هذا المجال التراثي عبر حملتها الكوسموبوليتية لتسديد الأسئلة المعاشة، ليبدو السؤال أهم من الجواب في الكثير من المفاصل الرابطة للعيش الاجتماعي المشترك، خصوصا في ظل الاستحقاقات الحضارية، والتي تطور بسببها ومن أجلها القانون الروماني بل واستعار عقول وجهود من لا يتمتعون بالتقارب الجغرافي الحكومي مستعينا بها على تحديات العصر المرتقي حكما عن سلفه البائد فعلا، أنها قصة الحضارة التي لا تعرف لانتقالها حدودا.