العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

رغدة: انتصار المقاومة اللبنانية من أشرف ملاحم العرب

أنا لا أعترف بالمثقفين فهم سبب مصائبنا
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

أسماء وهبة

إنها من لا تنسى مذبحة دير ياسين، كفر قاسم، وقانا الأولى والثانية. إنها من قام برحلات مكوكية  لإغاثة أطفال العراق إبان الحصار. إنها من صرخ في ساحة العريش منددة بالإحتلال الإسرائيلي . إنها العنيدة إزاء المقاومة، فتسخر كل طاقاتها كمواطنة وفنانة لمصالحتها. إنها الفنانة رغدة الثائرة في السينما والصحافة والشعر، وصاحبة الصوت والفعل المقاوم على الشاشة الفضية وعلى أرض الواقع العربية. التقتها "تحولات" في بيروت وكان هذا الحوار:

 

* هل ترين أن مقولة الفن لأجل الفن صحيحة أم يجب أن ينطلق الفن من قضايا فكرية؟

من يقول أن الفن لأجل الفن هو إنسان ينسحب من أهليته لفعل المواطنية. وبالنسبة لي أنا مواطنة وأحترم مواطنيتي، لذلك من الطبيعي أن أنتمي لقضايا أمتي. فأنا مواطنة بالدرجة الأولى ثم إنسانة وفنانة. وحتى يتكامل الفنان مع إنسانيته بجب أن يقدم أدواراً تلتزم القضايا الفكرية، الشيء الذي لا يفرض أن تكون كل أدواره كذلك، فقد يقدم مشهدا في عمل يتطابق مع رؤيته مثل مشاركتي في فيلم "الحدود" للكاتب الكبير محمد الماغوط، وأيضا مشاركتي في فيلم "ظل الشهيد" الذي يؤكد على رفضي للتطبيع مع إسرائيل.

 

* أنت من الأشخاص الذين يسعون إلى ان يكونوا في قلب الحدث مثل حضورك إلى لبنان أثناء العدوان الإسرائيلي. ما الذي دفعك إلى ذلك؟

عندما يسخن المسطح العربي أجد نفسي تلقائيا مندفعة إلى النقطة الساخنة، وبالتالي أصبحت متدربة على الحضور في هذه المواقع. ومن الصعب أن أشاهد ما يحدث في لبنان أو العراق وأكتفي بتقديم عمل فني أو التظاهر. فالحدث في لبنان كان كبيرا، وبالتالي كان من الطبيعي أن أحضر لإثبات موقفي على أرض الحدث، ومساندة أهل هذا البلد المقاوم الذي انتصر على إسرائيل، وجسد ملحمة من أشرف ملاحم العرب. وللأسف لقد حدثت الإنتفاضة الأولى والثانية في فلسطين ولم يتحرك أحد! لذلك يستغرب الكثيرون حضوري إلى لبنان أثناء العدوان الإسرائيلي. لكن من يتابع عملي في الحقل العام يكتشف أنني انخرطت منذ الثمانينات في اللجان الشعبية التي تساند القضايا العربية في مصر وخارجها.

 

* لكنك حضرت إلى لبنان قبل الانتصار!

كان عندي إيمان بالمقاومة في لبنان.

 

* بماذا شعرت عند حضورك في وقت العدوان؟

لقد أضافت لي هذه التجربة الكثير. فلقد أكدت على مواطنيتي، وأعطتني أملاََ أكبر في الحياة. وهذا لا يعني أنني أحبطت في يوم من الأيام حتى على المستوى السياسي، لأنني أؤمن بقضايانا العربية وقضيتنا المركزية الفلسطينية، رغم الشقاق العربي الحادث، وانكسارنا النفسي، خصوصا أنني أنتمي إلى جيل لم يعش إلا الهزائم.

 

* ما تقولينه هو مثار جدل عربي ولبناني أيضا. فالانقسام حول النصر والهزيمة في لبنان انتقل من شاشات التلفزة إلى أوساط المثقفين أيضا..

(تقاطع) أنا لا أعترف بشيء اسمه مثقفين، لأنهم سبب مصيبتنا! كما لا أفهم الجدل العربي حول النصر في لبنان! فإذا كانت إسرائيل قد اعترفت بهزيمتها فهذا يعني انتصار المقاومة اللبنانية. فعلى ما يبدو أننا تربينا في العالم العربي على ثقافة الشك، وما يعزز ذلك أن معظم الوسائل الإعلامية العربية مخترقة من الخارج أو تحركها نخب تدعي الثقافة أو سياسيوين همهم السلطة.

 

* ما هو سبب انزواء بعض المثقفين الذين دجنت أفكارهم وعاشوا إحباطاتات متكررة وقمع السلطة الديكتاتورية؟ هل اقتنعوا بأنه لن يؤخذ بآرائهم إلا إذا كانوا مثقفي السلطة؟

بداية، فلنتفق على من هو المثقف؟ إذا لم يتطابق نتاج تجربة المثقف مع آلامه لتكون راسب لفعل أو قول يقوم به فيسمى بالمثقف المنسحب. لقد تعاملت مع أناس بسطاء جدا في اللجان الشعبية هم مثقفون أكثر ممن يدعون الثقافة، ولهم حق في الوطن أكثر من هؤلاء المنسحبين من الواقع العربي.

 

 

 

* هل ترين أن هناك حرية في العالم العربي؟

نعم، هناك حرية فكرية تتنوع درجاتها بين دولة وأخرى. ومثلا في مصر مساحة من الحرية الفكرية وتحديدا في الصحف المعارضة أتحدى أن توجد في أي دولة عربية. لكن للأسف سقط مؤخرا العديد من الرموز الثقافية والفكرية في العالم العربي التي تربت عليها الأجيال العربية، لأنها وافقت على التطبيع أو تخاذلت، فاكتشف الشارع أنها كانت تجيشه بالأكاذيب.

 

* ما هي السلطة التي يمتلكها الفنان في تجييش الشارع؟

يمتلك الفنان بقعة ضوء يجب أن يسخرها باتجاه الحدث. وعندما يتلاحم مع قضايا وطنه لا يبغي الشهرة كما يروج البعض! فمثلا عندما تشغلني قضية ما أصاب بالصمم ولا أسمع ما يقال من لغط حول عملي في الحقل العام، بل أسير نحوها آليا لأرى ماذا أستطيع أن أفعل. والغريب أننا بتنا مدمنين على التعاطي مع الفنانين على قاعدة الشك، وإدانة من يتفاعل أو لم يتفاعل مع قضايا أمته على أساس أنه لم يخلق للقضايا الجادة، بل للترفيه! لذلك أوظف فني وفكري في خدمة قضايانا الوطنية. فمثلا قدمت في الإنتفاضة الفلسطينية الثانية فيلماَ قصيراَ عنوانه "أنشودة الحجر" استعنت فيه بلقطات لمظاهرة قامت بها اللجان الشعبية في مدينة العريش المصرية التي شاركت فيها بالطبع. وقبل حرب العراق بإثني عشر يوما كانت هناك رسالة من أطفال العراق إلى العالم أطلقوها في مسيرة شموع تم تصويرها في فيلمي القصير "أمنيات صغيرة" الذي عرض في محطة إخبارية كندية ثم في محطة عربية إخبارية.

 

* هل يمتلك الشعر القدرة على التأثير أسوة بالسينما في صناعة الرأي العام؟

الشعر بمثابة طلق الرصاص شرط أن يكون حقيقيا، وله قوة كبيرة في التأثير على الرأي العام وصناعته وتجييشه، والدليل سجن الكثير من الشعراء نتيجة مواقف كرسوها في قصائدهم. لذلك فالبلد الذي لا يوجد فيه شعراء لا يوجد فيه شهداء.